السبسي يعتمد الغموض والتكتّم:دهاء ...أم ضرورات السياسة؟
خالد الحدّاد
سياسة التشكيك والمغالطات
يُنجز جزء كبير من الحراك السياسي في بلادنا بعيدا عن الشفافيّة المطلوبة وفي إطار صراعات الأهواء والمصالح وحروب التموقع التي لم تتخلّص منها الحياة الوطنية على الرغم من الخطوات...
المزيد >>
السبسي يعتمد الغموض والتكتّم:دهاء ...أم ضرورات السياسة؟
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 18 ماي 2018

من الجمهورية الأولى إلى الثانية ومن بورقيبة إلى السبسي ومن الزعيم «الأب» الذي لا يرينا إلا ما يرى إلى زعيم يريد أن يكون نسخة منه. لكن مهلا فهل يريدنا الباجي فعلا ألا نرى إلا ما يرى أم لا يريدنا أن نرى ما يرى؟.

تونس ـ الشروق:
لا زعيم إلا المجاهد الأكبر، الظروف كانت مناسبة ليكون بورقيبة رب الأسرة الذي يأمر فيطاع. لهذا الأب شرعية نضالية وأخرى دستورية تم تطويعها ليكون رئيسا للجمهورية الأولى مدى حياته، وأخرى وطنية بما أن المقربين منه خلعوا عليه جبة الوطنية والذوبان في مصلحة الوطن.
واقعيا، كان بورقيبة يرى المصلحة قبل «أبنائه» ثم ينقلها إليهم كما يراها فيكون خير تونس ـ كما قرر هو واقتنعوا هم ـ في ما كان يسميه بـ»سياسة المراحل» و»الدبلوماسية الرشيدة» وتعميم التعليم والصحة والتقرب من الغرب ومدنية الدولة والحداثة والقومية التونسية…
في المقابل حظي تلميذه الباجي قايد السبسي بظروف مشابهة نسبيا فهو رئيس الدولة الأول في الجمهورية الثانية، وهو يقود البلاد في مرحلة انتقالية عصيبة لكن بين سنة 1957 وسنة 2015 حوالي 58 سنة من الاختلاف:
شرعية غير مطلقة
للباجي أوجه شرعية متعددة أولها انتخابية بما أنه منتخب من الشعب مباشرة وثانيتها دستورية وثالثتها وطنية بما أن أي رئيس دولة يعمل مبدئيا على تقديم مصلحة الوطن.
لكن كل نوع من «شرعياته» يبدو محدودا فهو منتخب لفترة محددة لا يجوز تمديدها لأكثر من ولاية ثانية، وهو لا يملك صلاحيات السلطة التنفيذية كلها بل يتقاسمها مع رئيس الحكومة ومع هذا نراه يتصرف كما لو كان رئيس الدولة فتية ذات نظام رئاسي.
فعلاقته برئيس الحكومة أقرب إلى العمودية منها إلى الأفقية وكل أطراف وثيقة قرطاج تستأنس برأيه وتطبق تعليماته وتحترم توصياته، حتى حركة النهضة المتقدمة على بقية الأحزاب في الانتخابات البلدية الأخيرة أرجعت له الفضل في إنجاح هذه الانتخابات.
الباجي لم يحور الدستور ولم يعدله ولم يتعسف عليه ولكنه استفاد من ظروف رفعته من مجرد رئيس دولة ذي صلاحيات تنفيذية محدودة في نظام برلماني إلى ما يعادل الزعيم القومي في نظام رئاسي أي كما كان بورقيبة:
على خطى ملهمه
لم يكن بورقيبة يرينا إلا ما يرى، فهو الذي يعرف العلة وعلاجها، المشكلة وحلها، السبب ونتيجته. أما الباجي فيسير في نفس الطريق مع مراعاة الفارق في التوقيت وما يترتب عنه من اختلاف في درجة الوعي الشعبي والثقافة السياسية والتحولات الديمقراطية.
قايد السبسي يرى مثلا أن حل أزمة البلاد يكمن في مبادرة حول حكومة وحدة وطنية تحل محل حكومة الصيد التشاركية فيستجيب كبار المؤثرين السياسيين بالتفاوض والتوقيع والمباركة، ويرى أنه من الأفضل الإبقاء على رئيسها الشاهد فيستغفر المطالبون بإقالته ربهم.
ويرى أن وقت المساواة في الميراث قد حان فيهلل المقتنعون ويصمت المعارضون، ويرى أن المصالحة ولو بعد تجزئتها أفضل من العدالة الانتقالية عبر هيئة الحقيقة والكرامة فيتم تمرير الأولى برلمانيا في جزئها الإداري ويتم إنهاء عمل الثانية.
نكون ممنونين لرئيس دولتنا إذا كان ما يراه ولا يجعلنا نرى غيره يصب في مصلحة تونس، لكن المشكلة أننا لم نعد نرى ما يراه، بل يبدو أن لم يعد يرغب في إطلاعنا على ما يرى.
لا يصارحنا
بتنا متأكدين من دوره السبسي المؤثر في تسيير شؤون الدولة دون أن يكشف لنا حقيقة أهدافه وتوجهاته جراء الغموض الذي يعتمده:
هل إنه يتمسك بالشاهد حماية له من رئاسية 2019 أم إرضاء لشركائه في التوافق أم تحضيرا لشخصية ندائية أخرى أم تمهيدا لولاية ثانية خاصة به؟.
هل يؤسس لإدامة التوافق مع النهضة بعد 2019 أم يدفعها إلى الانتحار؟
هل حصر همه كله في مصلحة تونس دون غيرها أم إنه يفكر في إعادة حزبه نداء تونس إلى ريادته؟.
هل إنه مع فرنسا أم الولايات المتحدة أم السعودية أم الإمارات أم قطر أم سوريا أم روسيا أم إنه معهم كلهم أم إنه ضدهم جميعهم؟
هل يتذكر بكاءه في الأسواق وغناءه في المقاهى أم إنه نسي الحملة الانتخابية الرئاسية بمجرد وصوله إلى الرئاسة؟.
الباجي بات يرى دون أن يرينا، ويخطط دون أن يصارحنا ويتدبر دون أن يخاطبنا... حتى في إطلالته المناسبتية الأخيرة بمناسبة شهر رمضان حدثنا في كلمته عن أمله في ترفيع نسبة النمو إلى 3 بالمائة دون أن يخبرنا مثلا بما أملاه على أطراف وثيقة قرطاج الثانية.

شخصية محظوظة

استفاد قايد السبسي من تأزم المشهد السياسي الذي أملى اللجوء إلى حكومة وحدة وطنية يرشح رئيسها بنفسه دون أن تكون الرئاسة آليا من نصيب الحزب الفائز بالتشريعية. وهنا يظهر الفرق بين رئيس ترشحه الانتخابات ليكون على قدم المساواة مع رئيس الدولة وبين رئيس حكومة يختاره رئيس الدولة ويزكيه ويدافع عنه.
قايد السبسي استفاد أيضا من تأسيسه الحزب الفائز بالتشريعية (نداء تونس) مثل استفادته من الضغوطات الداخلية والخارجية المسلطة على الحزب الأقوى حاليا نداء تونس.
ومع هذا فهو يستفيد من تقدمه في السن وطول تجربته السياسية ودهائه السياسي وتتلمذه عن الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة.
كل هذه الظروف لا تجعل الباجي مجرد رئيس دولة في نظام برلماني ممسك بملفي السياسة الخارجية والأمن الداخلي بل ترفعه إلى درجة الأب الروحي على شاكلة ملهمه بورقيبة.

عادل العوني
سيُجابه بالالتزام بعدم الترشح في انتخابات 2019:انطلاق رحلة البحث عن خليفة الشاهد؟
20 ماي 2018 السّاعة 21:00
انطلقت منذ يومين عملية البحث عن خليفة ليوسف الشاهد على رأس حكومة وثيقة قرطاج 2 والتي من المنتظر أن تكون...
المزيد >>
طال أكثر من اللزوم والفاعلون يتعاملون معه بغموض:الحديث عن تغيير الحكومة أربك البلاد !
20 ماي 2018 السّاعة 21:00
منذ عدة أشهر والبلاد تعيش على وقع ما يتردد من...
المزيد >>
بين مبادرة الحكومة وسجال البرلمان:مسار تركيز المحكمة الدستورية يدخل منعرج الحسم
20 ماي 2018 السّاعة 21:00
على الرغم من تقديم الحكومة لمبادرة تشريعية في...
المزيد >>
بعد غد الثلاثاء:لجنة الخبراء توقّع وثيقة قرطاج 2
20 ماي 2018 السّاعة 21:00
أكّدت سميرة الشواشي ممثلة الاتحاد الوطني الحر...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
السبسي يعتمد الغموض والتكتّم:دهاء ...أم ضرورات السياسة؟
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 18 ماي 2018

من الجمهورية الأولى إلى الثانية ومن بورقيبة إلى السبسي ومن الزعيم «الأب» الذي لا يرينا إلا ما يرى إلى زعيم يريد أن يكون نسخة منه. لكن مهلا فهل يريدنا الباجي فعلا ألا نرى إلا ما يرى أم لا يريدنا أن نرى ما يرى؟.

تونس ـ الشروق:
لا زعيم إلا المجاهد الأكبر، الظروف كانت مناسبة ليكون بورقيبة رب الأسرة الذي يأمر فيطاع. لهذا الأب شرعية نضالية وأخرى دستورية تم تطويعها ليكون رئيسا للجمهورية الأولى مدى حياته، وأخرى وطنية بما أن المقربين منه خلعوا عليه جبة الوطنية والذوبان في مصلحة الوطن.
واقعيا، كان بورقيبة يرى المصلحة قبل «أبنائه» ثم ينقلها إليهم كما يراها فيكون خير تونس ـ كما قرر هو واقتنعوا هم ـ في ما كان يسميه بـ»سياسة المراحل» و»الدبلوماسية الرشيدة» وتعميم التعليم والصحة والتقرب من الغرب ومدنية الدولة والحداثة والقومية التونسية…
في المقابل حظي تلميذه الباجي قايد السبسي بظروف مشابهة نسبيا فهو رئيس الدولة الأول في الجمهورية الثانية، وهو يقود البلاد في مرحلة انتقالية عصيبة لكن بين سنة 1957 وسنة 2015 حوالي 58 سنة من الاختلاف:
شرعية غير مطلقة
للباجي أوجه شرعية متعددة أولها انتخابية بما أنه منتخب من الشعب مباشرة وثانيتها دستورية وثالثتها وطنية بما أن أي رئيس دولة يعمل مبدئيا على تقديم مصلحة الوطن.
لكن كل نوع من «شرعياته» يبدو محدودا فهو منتخب لفترة محددة لا يجوز تمديدها لأكثر من ولاية ثانية، وهو لا يملك صلاحيات السلطة التنفيذية كلها بل يتقاسمها مع رئيس الحكومة ومع هذا نراه يتصرف كما لو كان رئيس الدولة فتية ذات نظام رئاسي.
فعلاقته برئيس الحكومة أقرب إلى العمودية منها إلى الأفقية وكل أطراف وثيقة قرطاج تستأنس برأيه وتطبق تعليماته وتحترم توصياته، حتى حركة النهضة المتقدمة على بقية الأحزاب في الانتخابات البلدية الأخيرة أرجعت له الفضل في إنجاح هذه الانتخابات.
الباجي لم يحور الدستور ولم يعدله ولم يتعسف عليه ولكنه استفاد من ظروف رفعته من مجرد رئيس دولة ذي صلاحيات تنفيذية محدودة في نظام برلماني إلى ما يعادل الزعيم القومي في نظام رئاسي أي كما كان بورقيبة:
على خطى ملهمه
لم يكن بورقيبة يرينا إلا ما يرى، فهو الذي يعرف العلة وعلاجها، المشكلة وحلها، السبب ونتيجته. أما الباجي فيسير في نفس الطريق مع مراعاة الفارق في التوقيت وما يترتب عنه من اختلاف في درجة الوعي الشعبي والثقافة السياسية والتحولات الديمقراطية.
قايد السبسي يرى مثلا أن حل أزمة البلاد يكمن في مبادرة حول حكومة وحدة وطنية تحل محل حكومة الصيد التشاركية فيستجيب كبار المؤثرين السياسيين بالتفاوض والتوقيع والمباركة، ويرى أنه من الأفضل الإبقاء على رئيسها الشاهد فيستغفر المطالبون بإقالته ربهم.
ويرى أن وقت المساواة في الميراث قد حان فيهلل المقتنعون ويصمت المعارضون، ويرى أن المصالحة ولو بعد تجزئتها أفضل من العدالة الانتقالية عبر هيئة الحقيقة والكرامة فيتم تمرير الأولى برلمانيا في جزئها الإداري ويتم إنهاء عمل الثانية.
نكون ممنونين لرئيس دولتنا إذا كان ما يراه ولا يجعلنا نرى غيره يصب في مصلحة تونس، لكن المشكلة أننا لم نعد نرى ما يراه، بل يبدو أن لم يعد يرغب في إطلاعنا على ما يرى.
لا يصارحنا
بتنا متأكدين من دوره السبسي المؤثر في تسيير شؤون الدولة دون أن يكشف لنا حقيقة أهدافه وتوجهاته جراء الغموض الذي يعتمده:
هل إنه يتمسك بالشاهد حماية له من رئاسية 2019 أم إرضاء لشركائه في التوافق أم تحضيرا لشخصية ندائية أخرى أم تمهيدا لولاية ثانية خاصة به؟.
هل يؤسس لإدامة التوافق مع النهضة بعد 2019 أم يدفعها إلى الانتحار؟
هل حصر همه كله في مصلحة تونس دون غيرها أم إنه يفكر في إعادة حزبه نداء تونس إلى ريادته؟.
هل إنه مع فرنسا أم الولايات المتحدة أم السعودية أم الإمارات أم قطر أم سوريا أم روسيا أم إنه معهم كلهم أم إنه ضدهم جميعهم؟
هل يتذكر بكاءه في الأسواق وغناءه في المقاهى أم إنه نسي الحملة الانتخابية الرئاسية بمجرد وصوله إلى الرئاسة؟.
الباجي بات يرى دون أن يرينا، ويخطط دون أن يصارحنا ويتدبر دون أن يخاطبنا... حتى في إطلالته المناسبتية الأخيرة بمناسبة شهر رمضان حدثنا في كلمته عن أمله في ترفيع نسبة النمو إلى 3 بالمائة دون أن يخبرنا مثلا بما أملاه على أطراف وثيقة قرطاج الثانية.

شخصية محظوظة

استفاد قايد السبسي من تأزم المشهد السياسي الذي أملى اللجوء إلى حكومة وحدة وطنية يرشح رئيسها بنفسه دون أن تكون الرئاسة آليا من نصيب الحزب الفائز بالتشريعية. وهنا يظهر الفرق بين رئيس ترشحه الانتخابات ليكون على قدم المساواة مع رئيس الدولة وبين رئيس حكومة يختاره رئيس الدولة ويزكيه ويدافع عنه.
قايد السبسي استفاد أيضا من تأسيسه الحزب الفائز بالتشريعية (نداء تونس) مثل استفادته من الضغوطات الداخلية والخارجية المسلطة على الحزب الأقوى حاليا نداء تونس.
ومع هذا فهو يستفيد من تقدمه في السن وطول تجربته السياسية ودهائه السياسي وتتلمذه عن الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة.
كل هذه الظروف لا تجعل الباجي مجرد رئيس دولة في نظام برلماني ممسك بملفي السياسة الخارجية والأمن الداخلي بل ترفعه إلى درجة الأب الروحي على شاكلة ملهمه بورقيبة.

عادل العوني
سيُجابه بالالتزام بعدم الترشح في انتخابات 2019:انطلاق رحلة البحث عن خليفة الشاهد؟
20 ماي 2018 السّاعة 21:00
انطلقت منذ يومين عملية البحث عن خليفة ليوسف الشاهد على رأس حكومة وثيقة قرطاج 2 والتي من المنتظر أن تكون...
المزيد >>
طال أكثر من اللزوم والفاعلون يتعاملون معه بغموض:الحديث عن تغيير الحكومة أربك البلاد !
20 ماي 2018 السّاعة 21:00
منذ عدة أشهر والبلاد تعيش على وقع ما يتردد من...
المزيد >>
بين مبادرة الحكومة وسجال البرلمان:مسار تركيز المحكمة الدستورية يدخل منعرج الحسم
20 ماي 2018 السّاعة 21:00
على الرغم من تقديم الحكومة لمبادرة تشريعية في...
المزيد >>
بعد غد الثلاثاء:لجنة الخبراء توقّع وثيقة قرطاج 2
20 ماي 2018 السّاعة 21:00
أكّدت سميرة الشواشي ممثلة الاتحاد الوطني الحر...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
خالد الحدّاد
سياسة التشكيك والمغالطات
يُنجز جزء كبير من الحراك السياسي في بلادنا بعيدا عن الشفافيّة المطلوبة وفي إطار صراعات الأهواء والمصالح وحروب التموقع التي لم تتخلّص منها الحياة الوطنية على الرغم من الخطوات...
المزيد >>