متى سيتحقق «حلم الحكم الرشيد»؟
خالد الحدّاد
سياسة التشكيك والمغالطات
يُنجز جزء كبير من الحراك السياسي في بلادنا بعيدا عن الشفافيّة المطلوبة وفي إطار صراعات الأهواء والمصالح وحروب التموقع التي لم تتخلّص منها الحياة الوطنية على الرغم من الخطوات...
المزيد >>
متى سيتحقق «حلم الحكم الرشيد»؟
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 30 أفريل 2018

لا مفرّ من الاعتراف بأنه عندما أنصت إلى أغلب رجال السياسة نسائها عندنا سواء كانوا في الحكم أو المعارضة، يسيطر على النفس إحساس بأنهم لا يحسنون الحديث والجدل والاستماع، وذلك أثناء أحاديثهم وحواراتهم الإذاعية أو التلفزية. كما أنهم غير قادرين، خلال إلقاء خطبهم على التأثير في الجماهير التي تستمع إليهم. وذلك لأنهم لا يملكون طلاقة اللسان والحماس المطلوب. وأكاد أزعم بأنهم غير متمكنين من ثقافة سياسية وعلمية عميقة تؤهلهم لإدراك حقائق الواقع الداخلي والعالمي بالقدر اللازم من الوعي الصحيح، حتى أن المرء لا يكاد يميز بينهم وبين عموم المواطنين. وقد نتج عن ضعف مناعتهم المعرفية والذي تؤكده نتائج واقعنا المتدني عجزا وتذبذبا في القيادة وسوء التعامل مع الأحداث الساخنة وعدم اتخاذ القرارات المناسبة في الغرض وتطبيقها بقوة القانون وبدون تردد. ومن جهة أخرى فإن المعارضة لم تكن تتصف بالحس الوطني المناسب، ولم تكن قادرة على تغليب الصالح العام على مصالحها الخاصة الأمر الذي جعلها لا تمد يد المساعدة بصدق للحكومة وتقف بجانبها في هذه المرحلة العسيرة الاستثنائية التي تستوجب تعاون الجميع بدون استثناء.

إن كل هذه الأسباب المذكورة هي التي عرقلت مسيرتنا، منذ اندلاع الثورة وجعلتنا شبه عاجزين عن تجاوز أزماتنا المتلاحقة ومشاكلنا المزمنة.
ومهما يكن من أمر والمآل القادم فإنه يتحتم تكوين «قيادات جديدة» قادرة على مواجهة كل المصاعب الطارئة ببرامج واضحة قابلة للتنفيذ، وعلى التفاني في خدمة الصالح العام بكفاءة وزهد في امتيازات الكراسي.
وحتى يتيسر تحقيق هذا الهدف الذي يكتسي أولوية مطلقة إذ أننا نجتاز وضعا عسيرا استثنائيا يتطلب قيادة منسجمة استثنائية فإنه أصبح من الضروري انشاء «أكاديمية خاصة» تتولى تكوين كل من يريد ممارسة السياسة والترشح لإدارة الشأن العام. فكما ننشء المعاهد الخاصة لإعداد الجنود والضباط وأعوان الأمن والحرس وغيرهم، فإن إعداد القادة السياسيين أهم من ذلك بكثير.
ويبدو أن علوم النفس والتاريخ والاجتماع والأخلاق والاقتصاد هي من أهم المواد التي ينبغي أن تدرس، ضمن هذه الأكاديمية بأساليب مغايرة للتدريس العادي بالإضافة إلى تخصيص حصص يتقنون خلالها فنون أداء الحديث والجدل والخطابة حتى يتمكنوا من اكتساب صفات الموضوعية وقبول الاختلاف ومناقشة الأفكار والبرامج عوضا عن التهجم على الأشخاص وامتلاك الفصاحة اللازمة لمخاطبة الجماهير. كما أنه من الضروي المتأكد أن يتمكنوا بالقدر المناسب من المعلومات الأساسية المتعلقة بالدين الإسلامي الذي تعتنقه أغلبية شعبهم، والذي يمثل أحد الأركان الأساسية لشخصيتنا الوطنية. وذلك حتى لا يتحوّل مثلا شعبيا (كل شاه معلقة من كراعها) الى آية قرآنية. وأن لا يخطئ أحدهم في الاستشهاد بآية قرآنية: «إن الحق كان زهوقا» عوضا عن «إن الباطل كان زهوقا».
ومن جهة أخرى، فإني أرى، بشكل خاص، بأن تضاف الى المواد المتقدم ذكرها مادة «التيقُن من الموت». هذه الحقيقة الكبرى التي يتناساها أغلب البشر، وذلك بأن تنظم زيارات الى «مقبرة الجلاز» وحضور مواكب الدفن، فلعله سيحصل لسياسيينا، اليقين الجازم بأنهم سيموتون مثل كل الناس، وسيرحلون من هذا العالم في يوم ما ويتركون خلفهم كل ما كسبوه، ولربّما سيجعلهم ذلك زاهدين في الإثراء السريع. وقادرين على التخلص من التشبث المرضي بالكراسي، فاسحين المجال لغيرهم من الأجيال الصاعدة، ورافعين شعار: «لو دامت لغيرك، لما آلت اليك».
إن هذه الحقيقة البديهية البسيطة، لا يدركها أغلب الناس الغارقين في مشاغل العيش التي لا تنتهي. وهذا لا يعني تبني ثقافة الموت ورفض الحياة، بل يعني النظر الى الوضع الانساني بكل جوانبه واستخلاص منظومة القيم الأخلاقية التي تترتب عن ذلك. وإني أزعم بأن الرئيس الأول للجمهورية المرحوم الحبيب بورقيبة، لو أنه أدرك المفهوم السليم للموت وتجذّر ذلك في عمق ذاته. فلربما سيدفعه ذلك الى عدم قبول رئاسة الدولة مدى الحياة، ولسلّم السلطة لغيره، عندما أصبح في حالة عجز، ولأخلد للراحة ومراقبة ما يجري من بعيد.
لقد توالى، منذ الاستقلال، على ممارسة الحكم والمعارضة، الكثيرمن السياسيين من مختلف الجهات والتيارات، غير أننا لم نحقق الآمال التي كنا نحلم بها، ولم نبلغ المستوى المطلوب من المناعة والتقدم. ولا شك بأن السبب الرئيسي في هذا الفشل المؤسف، يتمثل في عدم تواجد قيادة رشيدة ونزيهة، تُتقن فن إدارة الشأن العام، وتحقق ما يصبو إليه المجتمع من حرية وكرامة. ولعل إنشاء هذه الأكاديمية، سيكون حلا لهاته العقدة المزمنة ـ غياب الحكم الرشيد ـ والتي أصابتنا منذ القدم. وأكاد أجزم بأن هذه الأكاديمية «الخيالية» لو انتشرت في كل الدول ـ تبعا لواقعها، لتراجعت الى حد ما، سياسة الحق للقوة، التي تكاد تحول العالم الى غابة بدائية... ولربما ستسود سياسة قوة الحق.. ربما.. ولعل.. ويبقى الأمل مشرقا، مهما تكاثفت الظلمات.

أبو القاسم البكوش
مقترح مبادرة وطنية موجهة إلى الأغلبية الوطنية المنحازة لقضية فلسطين
19 ماي 2018 السّاعة 17:30
الشروق اون لاين – محمد الطاهر: كتب الاستاذ الجامعة التونسية والمنسق العلمي لشبكة باب المغاربة للدراسات...
المزيد >>
المدرسة والبلدية :علاقات استراتيجية أهملتها البرامج الانتخابية
14 ماي 2018 السّاعة 21:00
تتجه الأنظار في تونس الى الانتخابات البلدية القادمة التي تحظى باهتمام واسع من مختلف الشرائح الاجتماعية ومن...
المزيد >>
ما أشبـه اليــوم بالبارحـــة
14 ماي 2018 السّاعة 21:00
والتاريخ يعيد نفسه أو نستنطقونه أحيانا وهو صورة طبق الأصل من الماضي السحيق الضارب في القدم ويتشابه في...
المزيد >>
حربوشـــة ثقيلــــة الــوزن معبــــــرة ومدوية وصريحة
14 ماي 2018 السّاعة 21:00
شعبنا الأبي الوفي الذكي المسالم الواعي والمثقف وصاحب المواعيد الحاسمة بعد أن جرب وأعطى الفرصة لمدة 4 أعوام...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
متى سيتحقق «حلم الحكم الرشيد»؟
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 30 أفريل 2018

لا مفرّ من الاعتراف بأنه عندما أنصت إلى أغلب رجال السياسة نسائها عندنا سواء كانوا في الحكم أو المعارضة، يسيطر على النفس إحساس بأنهم لا يحسنون الحديث والجدل والاستماع، وذلك أثناء أحاديثهم وحواراتهم الإذاعية أو التلفزية. كما أنهم غير قادرين، خلال إلقاء خطبهم على التأثير في الجماهير التي تستمع إليهم. وذلك لأنهم لا يملكون طلاقة اللسان والحماس المطلوب. وأكاد أزعم بأنهم غير متمكنين من ثقافة سياسية وعلمية عميقة تؤهلهم لإدراك حقائق الواقع الداخلي والعالمي بالقدر اللازم من الوعي الصحيح، حتى أن المرء لا يكاد يميز بينهم وبين عموم المواطنين. وقد نتج عن ضعف مناعتهم المعرفية والذي تؤكده نتائج واقعنا المتدني عجزا وتذبذبا في القيادة وسوء التعامل مع الأحداث الساخنة وعدم اتخاذ القرارات المناسبة في الغرض وتطبيقها بقوة القانون وبدون تردد. ومن جهة أخرى فإن المعارضة لم تكن تتصف بالحس الوطني المناسب، ولم تكن قادرة على تغليب الصالح العام على مصالحها الخاصة الأمر الذي جعلها لا تمد يد المساعدة بصدق للحكومة وتقف بجانبها في هذه المرحلة العسيرة الاستثنائية التي تستوجب تعاون الجميع بدون استثناء.

إن كل هذه الأسباب المذكورة هي التي عرقلت مسيرتنا، منذ اندلاع الثورة وجعلتنا شبه عاجزين عن تجاوز أزماتنا المتلاحقة ومشاكلنا المزمنة.
ومهما يكن من أمر والمآل القادم فإنه يتحتم تكوين «قيادات جديدة» قادرة على مواجهة كل المصاعب الطارئة ببرامج واضحة قابلة للتنفيذ، وعلى التفاني في خدمة الصالح العام بكفاءة وزهد في امتيازات الكراسي.
وحتى يتيسر تحقيق هذا الهدف الذي يكتسي أولوية مطلقة إذ أننا نجتاز وضعا عسيرا استثنائيا يتطلب قيادة منسجمة استثنائية فإنه أصبح من الضروري انشاء «أكاديمية خاصة» تتولى تكوين كل من يريد ممارسة السياسة والترشح لإدارة الشأن العام. فكما ننشء المعاهد الخاصة لإعداد الجنود والضباط وأعوان الأمن والحرس وغيرهم، فإن إعداد القادة السياسيين أهم من ذلك بكثير.
ويبدو أن علوم النفس والتاريخ والاجتماع والأخلاق والاقتصاد هي من أهم المواد التي ينبغي أن تدرس، ضمن هذه الأكاديمية بأساليب مغايرة للتدريس العادي بالإضافة إلى تخصيص حصص يتقنون خلالها فنون أداء الحديث والجدل والخطابة حتى يتمكنوا من اكتساب صفات الموضوعية وقبول الاختلاف ومناقشة الأفكار والبرامج عوضا عن التهجم على الأشخاص وامتلاك الفصاحة اللازمة لمخاطبة الجماهير. كما أنه من الضروي المتأكد أن يتمكنوا بالقدر المناسب من المعلومات الأساسية المتعلقة بالدين الإسلامي الذي تعتنقه أغلبية شعبهم، والذي يمثل أحد الأركان الأساسية لشخصيتنا الوطنية. وذلك حتى لا يتحوّل مثلا شعبيا (كل شاه معلقة من كراعها) الى آية قرآنية. وأن لا يخطئ أحدهم في الاستشهاد بآية قرآنية: «إن الحق كان زهوقا» عوضا عن «إن الباطل كان زهوقا».
ومن جهة أخرى، فإني أرى، بشكل خاص، بأن تضاف الى المواد المتقدم ذكرها مادة «التيقُن من الموت». هذه الحقيقة الكبرى التي يتناساها أغلب البشر، وذلك بأن تنظم زيارات الى «مقبرة الجلاز» وحضور مواكب الدفن، فلعله سيحصل لسياسيينا، اليقين الجازم بأنهم سيموتون مثل كل الناس، وسيرحلون من هذا العالم في يوم ما ويتركون خلفهم كل ما كسبوه، ولربّما سيجعلهم ذلك زاهدين في الإثراء السريع. وقادرين على التخلص من التشبث المرضي بالكراسي، فاسحين المجال لغيرهم من الأجيال الصاعدة، ورافعين شعار: «لو دامت لغيرك، لما آلت اليك».
إن هذه الحقيقة البديهية البسيطة، لا يدركها أغلب الناس الغارقين في مشاغل العيش التي لا تنتهي. وهذا لا يعني تبني ثقافة الموت ورفض الحياة، بل يعني النظر الى الوضع الانساني بكل جوانبه واستخلاص منظومة القيم الأخلاقية التي تترتب عن ذلك. وإني أزعم بأن الرئيس الأول للجمهورية المرحوم الحبيب بورقيبة، لو أنه أدرك المفهوم السليم للموت وتجذّر ذلك في عمق ذاته. فلربما سيدفعه ذلك الى عدم قبول رئاسة الدولة مدى الحياة، ولسلّم السلطة لغيره، عندما أصبح في حالة عجز، ولأخلد للراحة ومراقبة ما يجري من بعيد.
لقد توالى، منذ الاستقلال، على ممارسة الحكم والمعارضة، الكثيرمن السياسيين من مختلف الجهات والتيارات، غير أننا لم نحقق الآمال التي كنا نحلم بها، ولم نبلغ المستوى المطلوب من المناعة والتقدم. ولا شك بأن السبب الرئيسي في هذا الفشل المؤسف، يتمثل في عدم تواجد قيادة رشيدة ونزيهة، تُتقن فن إدارة الشأن العام، وتحقق ما يصبو إليه المجتمع من حرية وكرامة. ولعل إنشاء هذه الأكاديمية، سيكون حلا لهاته العقدة المزمنة ـ غياب الحكم الرشيد ـ والتي أصابتنا منذ القدم. وأكاد أجزم بأن هذه الأكاديمية «الخيالية» لو انتشرت في كل الدول ـ تبعا لواقعها، لتراجعت الى حد ما، سياسة الحق للقوة، التي تكاد تحول العالم الى غابة بدائية... ولربما ستسود سياسة قوة الحق.. ربما.. ولعل.. ويبقى الأمل مشرقا، مهما تكاثفت الظلمات.

أبو القاسم البكوش
مقترح مبادرة وطنية موجهة إلى الأغلبية الوطنية المنحازة لقضية فلسطين
19 ماي 2018 السّاعة 17:30
الشروق اون لاين – محمد الطاهر: كتب الاستاذ الجامعة التونسية والمنسق العلمي لشبكة باب المغاربة للدراسات...
المزيد >>
المدرسة والبلدية :علاقات استراتيجية أهملتها البرامج الانتخابية
14 ماي 2018 السّاعة 21:00
تتجه الأنظار في تونس الى الانتخابات البلدية القادمة التي تحظى باهتمام واسع من مختلف الشرائح الاجتماعية ومن...
المزيد >>
ما أشبـه اليــوم بالبارحـــة
14 ماي 2018 السّاعة 21:00
والتاريخ يعيد نفسه أو نستنطقونه أحيانا وهو صورة طبق الأصل من الماضي السحيق الضارب في القدم ويتشابه في...
المزيد >>
حربوشـــة ثقيلــــة الــوزن معبــــــرة ومدوية وصريحة
14 ماي 2018 السّاعة 21:00
شعبنا الأبي الوفي الذكي المسالم الواعي والمثقف وصاحب المواعيد الحاسمة بعد أن جرب وأعطى الفرصة لمدة 4 أعوام...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
خالد الحدّاد
سياسة التشكيك والمغالطات
يُنجز جزء كبير من الحراك السياسي في بلادنا بعيدا عن الشفافيّة المطلوبة وفي إطار صراعات الأهواء والمصالح وحروب التموقع التي لم تتخلّص منها الحياة الوطنية على الرغم من الخطوات...
المزيد >>