الدولة والنّزاهة الغائبة
خالد الحدّاد
سياسة التشكيك والمغالطات
يُنجز جزء كبير من الحراك السياسي في بلادنا بعيدا عن الشفافيّة المطلوبة وفي إطار صراعات الأهواء والمصالح وحروب التموقع التي لم تتخلّص منها الحياة الوطنية على الرغم من الخطوات...
المزيد >>
الدولة والنّزاهة الغائبة
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 09 أفريل 2018

ليس بالصدفة أن تصل تونس إلى هذا الانحدار الكامل على جميع الأصعدة. ودون الدخول في متاهة التجاذبات السياسية ومن يحكم ومن يقرر، فإن ما يهمّ المواطن في الأخير هو تيسير نسق حياته اليومي، لأن المواطن في الأخير يرغب في الحصول على الحد الأدنى من الأريحية والاستقرار والشعور بالأمن لشخصه أولا ولأتباعه من أسرة وأبناء ومشاريع ومشاغل مختلفة .
فهل تمكنت الدولة من تحقيق هذا الحد الأدنى من الاستقرار للمواطن ؟
عندما يستفيق المواطن على خبر مفاده أن محاضر أمنية في عملية تهريب تم إتلافها أو تغييرها وتم التلاعب بحيثيات القضية. والفاعل هو عنصر أمني يسعى الى حماية عصابة تهريب لتواصل نشاطها المخالف للقانون.فهذا المواطن سيكون محبطا منذ بداية يومه. وهو الذي يفكر في الذهاب الى الإدارة أو الى أي مصلحة عمومية أخرى لقضاء شأن ما .
عندما يتعرض مواطن إلى أي أمر ويتصل بمركز الأمن لتسوية مخالفته أو للتظلم متبعا الطرق القانونية للحصول على حقه وهو يعلم منذ البداية أن الثقة مفقودة في هذا الجهاز الذي كان ولا يزال قادرا على التلاعب بالحقائق وإخفائها. فهل سيكون مطمئنا على قضيته ؟
ذات الإدارة، في تعاملها مع أطرافها الداخلية تعتمد أسلوب التضليل. فالشعارات المرفوعة من قبل الدولة في شكل قوانين وتشريعات تنظم علاقة الإدارة بالمواطن وعلاقة الموظف بإدارته تبقى شعارات كواجهة لكتابة التقارير والانتشاء فقط أما التطبيق فهو يخضع لقانون التعليمات والمصالح والمحاباة. وعندما يكتشف الموظف أو المواطن هذه الممارسات فهل سيكون مرتاحا عند قيامه بنشاطه أو عند اتصاله بالإدارة ؟
هل الإدارة التونسية على علم بهذه الأوضاع ؟ نعم هي تعلم والمواطن يعلم أن الإدارة غير سليمة في تعاملها مع الغير ومع أطرافها. ودليل ذلك سعيها المتواصل الى إحداث آليات لمقاومة هذه الخروقات .وهذه الآليات هي بذاتها أصبحت عرضة للتّشويه والتّشكيك لغياب الشفافية وببساطة لأنها تعتمد نفس الأسلوب الذي تعتمده الإدارة الأصلية في تعاطيها مع الأوضاع المختلفة وبالتالي فإن النتيجة واحدة والمواطن في الأخير سينهي يومه بنفس الإحساس الذي بدأ به يومه. وهو أن دولته عاجزة عن حمايته .
المطلوب من هذه الدولة أن تعتمد مبدأ النزاهة في كل معاملاتها مع الآخر سواء كان شخصا ماديا أو معنويا تونسيا أو أجنبيا تابعا للوظيفة العمومية أو مواطنا عاديا، أكثر من ذلك ليس الحل في إيجاد آليات وأجهزة أخرى للمراقبة والمحاسبة، بل بالموجود وبكل الإطارات والموارد البشرية المتوفرة، النزيه منهم والفاسد والمنتمي الى فكر حزبي أو المستقل، العامل البسيط أو الموظف السامي للدولة، بكل هؤلاء على الدولة أن تعيدهم الى العمل الصائب وأن تجبرهم على اعتماد مبدإ النزاهة.
الدولة لا يمكن أن تكون طرفا في فساد العلاقة القائمة بينها وبين المتعاملين معها. فالدولة محمولة على تحقيق العدالة التامة للمواطن وأن لا تغلّب طرفا على آخر والإدارة محمولة على الحياد سواء كانت إدارة مدنية أو أمنية أو قضائية .
اليوم الكل ينادي بمحاربة الفساد بكل أوجهه والحقيقة أن الحزم والجدية مفقودان. فرئيس الدولة ينادي بالقضاء على الفساد ولا نسمع أنه قام بإحالة أو تتبع أي ملف فساد. فهل كل الذي يحيطون به نزهاء ؟ الواقع يكشف عكس ذلك. فالفضائح منشورة على وسائل الإعلام بأنواعها، ولا محاسبة ولا متابعة .رئيس الحكومة كذلك يدعي محاربة الفساد ومن حين الى آخر يخرج علينا باسم أو ملف يقول إنه للمتابعة والحقيقة أن عديد الأحداث حصلت وقضايا التهريب والسرقات والتلاعب بملفات المواطنين لصالح مواطنين آخرين تزداد من يوم الى آخر ولا نتيجة في معالجة هذا الأمر مثل الخطف والسرقة والقتل والتعرض للمواطنين من قبل منحرفين وتهديدهم بقوة السلاح يوميا على قارعة الطريق بعلم من أجهزة الأمن ولا متابعة. القضاء يتبع المثالية القصوى في التعاطي مع عديد الملفات والجرائم المعروضة عليه ولا تتناغم الأحكام مع الجرائم المرتكبة. ولا أحد يتدخل لتسوية ولتصحيح مسار الدولة إلى الوجهة السليمة من أجل إعادة الأمن الى المواطن السوي الذي لا يستوي في كل الأحوال مع المواطن المنحرف وصاحب السوابق والجنح والذي تعود السجن وحياة الإجرام .فمن يناصر المواطن البسيط فاقد الحيلة ؟ لا أحد. فقانون الغاب يحكم تونس في أبسط تجلياته. والحياة اليومية للمواطن الذي يلتحق بعمله وفي آخر النهار يعود الى بيته آملا في بعض الأمان ليمرر ذلك الإحساس الجميل لزوجته ولأبنائه وأسرته، هذا غير موجود .
أين الدولة ؟. أين الإدارة ؟ أين النزاهة في التعامل مع أبسط مواطن إلى أعقد الشخصيات ؟ لا نرى ضوءا في آخر النفق. بل قتامة المشهد العام جعلت التونسي في ضيق من أمره وحالته الصحية والنفسية والغذائية تنهار فضلا عن أوضاع أبنائه و الانتحار الأخلاقي في المجتمع ومؤسساته فلا دراسة ثانوية ولا جامعية ولا تحكيم للضمير ولا رغبة في إعادة الأوضاع إلى نصابها بالحوار من كل الأطراف حتى نزرع لدى المواطن القدرة على فض الإشكاليات بالحوار. كله صراع في صراع وتسابب وشتم من أبسط مستوى إلى أعلاه .فلم يعد للدولة مكانة وهي التي جنت على نفسها لأنها لم تعتمد الحياد. فقد وضعت نفسها إلى جانب الطرف الغالب .
قد تستعيد تونس عافيتها عندما يعود الرشد ليس الى أصحاب القرار السياسي فهم عديمو المعرفة بالشأن العام. بل أصحاب القرار الاداري هم السباقون والأولى بمعالجة وضع تونس المريض والمعتل. فكلما صلح الفكر الإداري وتوقّع مسار المواطن وسعى إلى تيسير حياته اليومية في كل أوجهها صلحت الدولة. وعاد ذلك على النماء العام. وانتشر الإحساس بالأمان عند عموم الناس فتزدهر أوضاعهم. والعكس صحيح .

بقلم: سامي بلحاج (كاتب صحفي)
مقترح مبادرة وطنية موجهة إلى الأغلبية الوطنية المنحازة لقضية فلسطين
19 ماي 2018 السّاعة 17:30
الشروق اون لاين – محمد الطاهر: كتب الاستاذ الجامعة التونسية والمنسق العلمي لشبكة باب المغاربة للدراسات...
المزيد >>
المدرسة والبلدية :علاقات استراتيجية أهملتها البرامج الانتخابية
14 ماي 2018 السّاعة 21:00
تتجه الأنظار في تونس الى الانتخابات البلدية القادمة التي تحظى باهتمام واسع من مختلف الشرائح الاجتماعية ومن...
المزيد >>
ما أشبـه اليــوم بالبارحـــة
14 ماي 2018 السّاعة 21:00
والتاريخ يعيد نفسه أو نستنطقونه أحيانا وهو صورة طبق الأصل من الماضي السحيق الضارب في القدم ويتشابه في...
المزيد >>
حربوشـــة ثقيلــــة الــوزن معبــــــرة ومدوية وصريحة
14 ماي 2018 السّاعة 21:00
شعبنا الأبي الوفي الذكي المسالم الواعي والمثقف وصاحب المواعيد الحاسمة بعد أن جرب وأعطى الفرصة لمدة 4 أعوام...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
الدولة والنّزاهة الغائبة
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 09 أفريل 2018

ليس بالصدفة أن تصل تونس إلى هذا الانحدار الكامل على جميع الأصعدة. ودون الدخول في متاهة التجاذبات السياسية ومن يحكم ومن يقرر، فإن ما يهمّ المواطن في الأخير هو تيسير نسق حياته اليومي، لأن المواطن في الأخير يرغب في الحصول على الحد الأدنى من الأريحية والاستقرار والشعور بالأمن لشخصه أولا ولأتباعه من أسرة وأبناء ومشاريع ومشاغل مختلفة .
فهل تمكنت الدولة من تحقيق هذا الحد الأدنى من الاستقرار للمواطن ؟
عندما يستفيق المواطن على خبر مفاده أن محاضر أمنية في عملية تهريب تم إتلافها أو تغييرها وتم التلاعب بحيثيات القضية. والفاعل هو عنصر أمني يسعى الى حماية عصابة تهريب لتواصل نشاطها المخالف للقانون.فهذا المواطن سيكون محبطا منذ بداية يومه. وهو الذي يفكر في الذهاب الى الإدارة أو الى أي مصلحة عمومية أخرى لقضاء شأن ما .
عندما يتعرض مواطن إلى أي أمر ويتصل بمركز الأمن لتسوية مخالفته أو للتظلم متبعا الطرق القانونية للحصول على حقه وهو يعلم منذ البداية أن الثقة مفقودة في هذا الجهاز الذي كان ولا يزال قادرا على التلاعب بالحقائق وإخفائها. فهل سيكون مطمئنا على قضيته ؟
ذات الإدارة، في تعاملها مع أطرافها الداخلية تعتمد أسلوب التضليل. فالشعارات المرفوعة من قبل الدولة في شكل قوانين وتشريعات تنظم علاقة الإدارة بالمواطن وعلاقة الموظف بإدارته تبقى شعارات كواجهة لكتابة التقارير والانتشاء فقط أما التطبيق فهو يخضع لقانون التعليمات والمصالح والمحاباة. وعندما يكتشف الموظف أو المواطن هذه الممارسات فهل سيكون مرتاحا عند قيامه بنشاطه أو عند اتصاله بالإدارة ؟
هل الإدارة التونسية على علم بهذه الأوضاع ؟ نعم هي تعلم والمواطن يعلم أن الإدارة غير سليمة في تعاملها مع الغير ومع أطرافها. ودليل ذلك سعيها المتواصل الى إحداث آليات لمقاومة هذه الخروقات .وهذه الآليات هي بذاتها أصبحت عرضة للتّشويه والتّشكيك لغياب الشفافية وببساطة لأنها تعتمد نفس الأسلوب الذي تعتمده الإدارة الأصلية في تعاطيها مع الأوضاع المختلفة وبالتالي فإن النتيجة واحدة والمواطن في الأخير سينهي يومه بنفس الإحساس الذي بدأ به يومه. وهو أن دولته عاجزة عن حمايته .
المطلوب من هذه الدولة أن تعتمد مبدأ النزاهة في كل معاملاتها مع الآخر سواء كان شخصا ماديا أو معنويا تونسيا أو أجنبيا تابعا للوظيفة العمومية أو مواطنا عاديا، أكثر من ذلك ليس الحل في إيجاد آليات وأجهزة أخرى للمراقبة والمحاسبة، بل بالموجود وبكل الإطارات والموارد البشرية المتوفرة، النزيه منهم والفاسد والمنتمي الى فكر حزبي أو المستقل، العامل البسيط أو الموظف السامي للدولة، بكل هؤلاء على الدولة أن تعيدهم الى العمل الصائب وأن تجبرهم على اعتماد مبدإ النزاهة.
الدولة لا يمكن أن تكون طرفا في فساد العلاقة القائمة بينها وبين المتعاملين معها. فالدولة محمولة على تحقيق العدالة التامة للمواطن وأن لا تغلّب طرفا على آخر والإدارة محمولة على الحياد سواء كانت إدارة مدنية أو أمنية أو قضائية .
اليوم الكل ينادي بمحاربة الفساد بكل أوجهه والحقيقة أن الحزم والجدية مفقودان. فرئيس الدولة ينادي بالقضاء على الفساد ولا نسمع أنه قام بإحالة أو تتبع أي ملف فساد. فهل كل الذي يحيطون به نزهاء ؟ الواقع يكشف عكس ذلك. فالفضائح منشورة على وسائل الإعلام بأنواعها، ولا محاسبة ولا متابعة .رئيس الحكومة كذلك يدعي محاربة الفساد ومن حين الى آخر يخرج علينا باسم أو ملف يقول إنه للمتابعة والحقيقة أن عديد الأحداث حصلت وقضايا التهريب والسرقات والتلاعب بملفات المواطنين لصالح مواطنين آخرين تزداد من يوم الى آخر ولا نتيجة في معالجة هذا الأمر مثل الخطف والسرقة والقتل والتعرض للمواطنين من قبل منحرفين وتهديدهم بقوة السلاح يوميا على قارعة الطريق بعلم من أجهزة الأمن ولا متابعة. القضاء يتبع المثالية القصوى في التعاطي مع عديد الملفات والجرائم المعروضة عليه ولا تتناغم الأحكام مع الجرائم المرتكبة. ولا أحد يتدخل لتسوية ولتصحيح مسار الدولة إلى الوجهة السليمة من أجل إعادة الأمن الى المواطن السوي الذي لا يستوي في كل الأحوال مع المواطن المنحرف وصاحب السوابق والجنح والذي تعود السجن وحياة الإجرام .فمن يناصر المواطن البسيط فاقد الحيلة ؟ لا أحد. فقانون الغاب يحكم تونس في أبسط تجلياته. والحياة اليومية للمواطن الذي يلتحق بعمله وفي آخر النهار يعود الى بيته آملا في بعض الأمان ليمرر ذلك الإحساس الجميل لزوجته ولأبنائه وأسرته، هذا غير موجود .
أين الدولة ؟. أين الإدارة ؟ أين النزاهة في التعامل مع أبسط مواطن إلى أعقد الشخصيات ؟ لا نرى ضوءا في آخر النفق. بل قتامة المشهد العام جعلت التونسي في ضيق من أمره وحالته الصحية والنفسية والغذائية تنهار فضلا عن أوضاع أبنائه و الانتحار الأخلاقي في المجتمع ومؤسساته فلا دراسة ثانوية ولا جامعية ولا تحكيم للضمير ولا رغبة في إعادة الأوضاع إلى نصابها بالحوار من كل الأطراف حتى نزرع لدى المواطن القدرة على فض الإشكاليات بالحوار. كله صراع في صراع وتسابب وشتم من أبسط مستوى إلى أعلاه .فلم يعد للدولة مكانة وهي التي جنت على نفسها لأنها لم تعتمد الحياد. فقد وضعت نفسها إلى جانب الطرف الغالب .
قد تستعيد تونس عافيتها عندما يعود الرشد ليس الى أصحاب القرار السياسي فهم عديمو المعرفة بالشأن العام. بل أصحاب القرار الاداري هم السباقون والأولى بمعالجة وضع تونس المريض والمعتل. فكلما صلح الفكر الإداري وتوقّع مسار المواطن وسعى إلى تيسير حياته اليومية في كل أوجهها صلحت الدولة. وعاد ذلك على النماء العام. وانتشر الإحساس بالأمان عند عموم الناس فتزدهر أوضاعهم. والعكس صحيح .

بقلم: سامي بلحاج (كاتب صحفي)
مقترح مبادرة وطنية موجهة إلى الأغلبية الوطنية المنحازة لقضية فلسطين
19 ماي 2018 السّاعة 17:30
الشروق اون لاين – محمد الطاهر: كتب الاستاذ الجامعة التونسية والمنسق العلمي لشبكة باب المغاربة للدراسات...
المزيد >>
المدرسة والبلدية :علاقات استراتيجية أهملتها البرامج الانتخابية
14 ماي 2018 السّاعة 21:00
تتجه الأنظار في تونس الى الانتخابات البلدية القادمة التي تحظى باهتمام واسع من مختلف الشرائح الاجتماعية ومن...
المزيد >>
ما أشبـه اليــوم بالبارحـــة
14 ماي 2018 السّاعة 21:00
والتاريخ يعيد نفسه أو نستنطقونه أحيانا وهو صورة طبق الأصل من الماضي السحيق الضارب في القدم ويتشابه في...
المزيد >>
حربوشـــة ثقيلــــة الــوزن معبــــــرة ومدوية وصريحة
14 ماي 2018 السّاعة 21:00
شعبنا الأبي الوفي الذكي المسالم الواعي والمثقف وصاحب المواعيد الحاسمة بعد أن جرب وأعطى الفرصة لمدة 4 أعوام...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
خالد الحدّاد
سياسة التشكيك والمغالطات
يُنجز جزء كبير من الحراك السياسي في بلادنا بعيدا عن الشفافيّة المطلوبة وفي إطار صراعات الأهواء والمصالح وحروب التموقع التي لم تتخلّص منها الحياة الوطنية على الرغم من الخطوات...
المزيد >>