ترشيد الاستهلاك في الاسلام
خالد الحدّاد
سياسة التشكيك والمغالطات
يُنجز جزء كبير من الحراك السياسي في بلادنا بعيدا عن الشفافيّة المطلوبة وفي إطار صراعات الأهواء والمصالح وحروب التموقع التي لم تتخلّص منها الحياة الوطنية على الرغم من الخطوات...
المزيد >>
ترشيد الاستهلاك في الاسلام
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 30 مارس 2018

تعيش بلادنا على وقع ازمة اقتصادية وارتفاع كبير في اسعار المواد الغذائية والاساسية وان كان هذا شان القائمين على تصريف الشؤون العامة فان للفرد داخل المجتمع دورا مهما في الحد من هذا الصعوبات على الاقل على المستوى الشخصي وهو ما يعبر عنه بثقافة ترشيد الاستهلاك والابتعاد عن التبذير عسى ان يساهم في الحد من تداعيات هذه الازمة ولو في حدها الادنى. فما هو رأي الشرع في هذه المسألة.
لا يختلف اثنان على أن ترشيد النفقة فريضة فرضتها الشريعة وضرورة من ضروريات الحياة لأسباب منها أن التوسط والاعتدال من أهم ما يميز المسلم عن غيره، قال تعالى ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾. ونهى الله تعالى عن الإسراف فقال ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ كما نهى تعالى عن التبذير فقال ﴿وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾.
ومعنى الإسراف هو مجاوزة الحد، وبعض العلماء خص استعماله بالنفقة والأكل وقيل تجاوز الكمية. وأما التبذير فهو تفريق المال وإنفاقه في السرف، قال تعالى ﴿وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ وخصه بعضهم بإنفاق المال في المعاصي وتفريقه في غير حق. فعلى المسلم اتباع سياسة ترشيد الاستهلاك، فالمسلم لا يعيش حياته الدنيا بغرض الترفيه عن نفسه بكل الوسائل المتاحة خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تعيشها أكثر الأسر المسلمة في البلاد النامية والفقيرة، وإنما المستهلك أو الحكيم هو الذي ينفق بحسب احتياجاته الضرورية تاركاً حيزاً لطارئ المرض وغيره. فالغذاء في اعتبار الإسلام وسيلة لا غاية فهو وسيلة ضرورية لابد منها لحياة الإنسان دعا إليها لقرآن ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾.
فقد جاء الإسلام ديناً وسطاً في الأمور كلها ووجهنا إلى القصد والاعتدال في الطاعة والعبادة ليرفع بذلك العنت والمشقة وأمرنا بالقصد والاعتدال لنصل إلى مرتبة الرضا والقبول. فالإسلام لا يضبط اتجاه الاستهلاك نحو الطيبات فقط، إنما يضبط درجته أيضاً؛ فالإنسان مأمور بالاستهلاك إلى الحد الذي يؤمّن كامل طاقته ومنهي عن الإسراف وتجاوز الحد الذي يستلزمه ذلك، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كل والبس واشرب وتصدق في غير سرف ولا مخيلة». ويأتي توجيه السلوك الإنفاقي متسقاً مع هذا التوجه ومؤكداً وسطية الاستهلاك، والشواهد في هذا السياق كثيرة. والأحكام الواردة في هذا الصدد تحصّن المجتمع المسلم من أنماط الاستهلاك غير الرشيدة فلا ترف ولا تبذير، وبالمقابل لا بخل ولا تقتير، فكلا الأمرين جنوح لا يتسق مع الفطرة ولا مع الشرع.
وقد حثنا الشرع القويم على الاقتصاد في الامور كلها واولها الماء لما له من قيمة اساسية في حياة الانسان ولضرورة المحافظة عليه فالماء ثروة غالية هيأها الله لكل المخلوقات في الأنهار والبحار والأمطار، قال تعالى: ﴿وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ﴾. وإذا أمعنا النظر في تعاليم الإسلام وأحكامه نجد أنه عني عناية بالغة بالحفاظ على الثروة المائية وذلك من خلال عدة توجيهات ملزمة للناس.
والأّهم من ذلك أن تكون لتقييد الاستهلاك وضبطه آثار عظيمة على تربية الفرد والجماعة، مثال ذلك التربية الاجتماعية التي تتمحور حول ألا يستأثر الأغنياء بكل شيء، بينما يحرم الفقراء من كل شيء؛ لأن ذلك يؤدي إلى الحقد والحسد والضغينة، ورحم الله الخليفة الراشد الخامس عمر بن عبدالعزيز، لما علم أن أحد أولاده قد اشترى خاتما بألف درهم، كتب إليه مستنكرا: «بلغني أنك اشتريت خاتما فصه بألف درهم، فإذا جاءك كتابي هذا فبعه، وأطعم بثمنه ألف جائع، واشتر خاتما فصه من حديد، واكتب عليه: رحم الله امرئا عرف قدره نفسه».

(إمساكية رمضان 1439 - 2018) هدية الشروق الورقية
16 ماي 2018 السّاعة 12:35
أوقات الإمساك والإفطار بجميع ولايات الجمهورية - (إمساكية 1439 - 2018) هدية الشروق الورقية اليوم الأربعاء 16 ماي 2018...
المزيد >>
أسبـاب النزول
11 ماي 2018 السّاعة 21:00
قال الله تَعَالَى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ...
المزيد >>
خطبة الجمعة ..العبادة سبب وجود الانسان
11 ماي 2018 السّاعة 21:00
العِبَادَةَ هِيَ حَقُّ اللهِ الأَوَّلُ الَّذِي أَنْزَلَ كُتُبَهَ وَأَرْسَلَ رُسُلَهُ لِدَعْوَةِ النَّاسِ...
المزيد >>
تدريب النفس على الطاعات واجب
11 ماي 2018 السّاعة 21:00
جميع الطاعات بمشهد من الخلق ومرأى منهم ولكنّ الصوم لا يراه إلاّ الله عزّ وجلّ ، قال رسول الله صلى الله عليه...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
ترشيد الاستهلاك في الاسلام
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 30 مارس 2018

تعيش بلادنا على وقع ازمة اقتصادية وارتفاع كبير في اسعار المواد الغذائية والاساسية وان كان هذا شان القائمين على تصريف الشؤون العامة فان للفرد داخل المجتمع دورا مهما في الحد من هذا الصعوبات على الاقل على المستوى الشخصي وهو ما يعبر عنه بثقافة ترشيد الاستهلاك والابتعاد عن التبذير عسى ان يساهم في الحد من تداعيات هذه الازمة ولو في حدها الادنى. فما هو رأي الشرع في هذه المسألة.
لا يختلف اثنان على أن ترشيد النفقة فريضة فرضتها الشريعة وضرورة من ضروريات الحياة لأسباب منها أن التوسط والاعتدال من أهم ما يميز المسلم عن غيره، قال تعالى ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾. ونهى الله تعالى عن الإسراف فقال ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ كما نهى تعالى عن التبذير فقال ﴿وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾.
ومعنى الإسراف هو مجاوزة الحد، وبعض العلماء خص استعماله بالنفقة والأكل وقيل تجاوز الكمية. وأما التبذير فهو تفريق المال وإنفاقه في السرف، قال تعالى ﴿وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ وخصه بعضهم بإنفاق المال في المعاصي وتفريقه في غير حق. فعلى المسلم اتباع سياسة ترشيد الاستهلاك، فالمسلم لا يعيش حياته الدنيا بغرض الترفيه عن نفسه بكل الوسائل المتاحة خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تعيشها أكثر الأسر المسلمة في البلاد النامية والفقيرة، وإنما المستهلك أو الحكيم هو الذي ينفق بحسب احتياجاته الضرورية تاركاً حيزاً لطارئ المرض وغيره. فالغذاء في اعتبار الإسلام وسيلة لا غاية فهو وسيلة ضرورية لابد منها لحياة الإنسان دعا إليها لقرآن ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾.
فقد جاء الإسلام ديناً وسطاً في الأمور كلها ووجهنا إلى القصد والاعتدال في الطاعة والعبادة ليرفع بذلك العنت والمشقة وأمرنا بالقصد والاعتدال لنصل إلى مرتبة الرضا والقبول. فالإسلام لا يضبط اتجاه الاستهلاك نحو الطيبات فقط، إنما يضبط درجته أيضاً؛ فالإنسان مأمور بالاستهلاك إلى الحد الذي يؤمّن كامل طاقته ومنهي عن الإسراف وتجاوز الحد الذي يستلزمه ذلك، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كل والبس واشرب وتصدق في غير سرف ولا مخيلة». ويأتي توجيه السلوك الإنفاقي متسقاً مع هذا التوجه ومؤكداً وسطية الاستهلاك، والشواهد في هذا السياق كثيرة. والأحكام الواردة في هذا الصدد تحصّن المجتمع المسلم من أنماط الاستهلاك غير الرشيدة فلا ترف ولا تبذير، وبالمقابل لا بخل ولا تقتير، فكلا الأمرين جنوح لا يتسق مع الفطرة ولا مع الشرع.
وقد حثنا الشرع القويم على الاقتصاد في الامور كلها واولها الماء لما له من قيمة اساسية في حياة الانسان ولضرورة المحافظة عليه فالماء ثروة غالية هيأها الله لكل المخلوقات في الأنهار والبحار والأمطار، قال تعالى: ﴿وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ﴾. وإذا أمعنا النظر في تعاليم الإسلام وأحكامه نجد أنه عني عناية بالغة بالحفاظ على الثروة المائية وذلك من خلال عدة توجيهات ملزمة للناس.
والأّهم من ذلك أن تكون لتقييد الاستهلاك وضبطه آثار عظيمة على تربية الفرد والجماعة، مثال ذلك التربية الاجتماعية التي تتمحور حول ألا يستأثر الأغنياء بكل شيء، بينما يحرم الفقراء من كل شيء؛ لأن ذلك يؤدي إلى الحقد والحسد والضغينة، ورحم الله الخليفة الراشد الخامس عمر بن عبدالعزيز، لما علم أن أحد أولاده قد اشترى خاتما بألف درهم، كتب إليه مستنكرا: «بلغني أنك اشتريت خاتما فصه بألف درهم، فإذا جاءك كتابي هذا فبعه، وأطعم بثمنه ألف جائع، واشتر خاتما فصه من حديد، واكتب عليه: رحم الله امرئا عرف قدره نفسه».

(إمساكية رمضان 1439 - 2018) هدية الشروق الورقية
16 ماي 2018 السّاعة 12:35
أوقات الإمساك والإفطار بجميع ولايات الجمهورية - (إمساكية 1439 - 2018) هدية الشروق الورقية اليوم الأربعاء 16 ماي 2018...
المزيد >>
أسبـاب النزول
11 ماي 2018 السّاعة 21:00
قال الله تَعَالَى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ...
المزيد >>
خطبة الجمعة ..العبادة سبب وجود الانسان
11 ماي 2018 السّاعة 21:00
العِبَادَةَ هِيَ حَقُّ اللهِ الأَوَّلُ الَّذِي أَنْزَلَ كُتُبَهَ وَأَرْسَلَ رُسُلَهُ لِدَعْوَةِ النَّاسِ...
المزيد >>
تدريب النفس على الطاعات واجب
11 ماي 2018 السّاعة 21:00
جميع الطاعات بمشهد من الخلق ومرأى منهم ولكنّ الصوم لا يراه إلاّ الله عزّ وجلّ ، قال رسول الله صلى الله عليه...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
خالد الحدّاد
سياسة التشكيك والمغالطات
يُنجز جزء كبير من الحراك السياسي في بلادنا بعيدا عن الشفافيّة المطلوبة وفي إطار صراعات الأهواء والمصالح وحروب التموقع التي لم تتخلّص منها الحياة الوطنية على الرغم من الخطوات...
المزيد >>