الاعتدال أساس حياة المسلم..
خالد الحدّاد
سياسة التشكيك والمغالطات
يُنجز جزء كبير من الحراك السياسي في بلادنا بعيدا عن الشفافيّة المطلوبة وفي إطار صراعات الأهواء والمصالح وحروب التموقع التي لم تتخلّص منها الحياة الوطنية على الرغم من الخطوات...
المزيد >>
الاعتدال أساس حياة المسلم..
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 23 مارس 2018

الاعتدال مشتقٌّ من العدل، وهو لزوم الحق والدورانُ مع القسط، ويمثِّله الوسط، بعيدًا عن الإفراط والتفريط، والغلوِّ والجحود، وهو أمر صعب جدًّا في ميدان المشاعر والأفكار والأقوال والسلوك الفرديِّ والاجتماعي، ولزومُه أصعب.

وقد عُني القرآن الكريم تصريحًا وإشارة بتربية المسلمين على الاعتدال عاطفةً وتفكيرًا وسلوكًا، فنصَّ على أننا أمةٌ وَسَطٌ؛ أي: بعيدة في كل شؤونها عن الحديَّة، وهذا ما يؤهلها للشهادة على الأمم.
ومن لطائف كتاب الله تعالى أن الشروط التي طُلبت في بقرة بني إسرائيل يمكن تلخيصها في الاعتدال: ﴿ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ ﴾ [البقرة: 68]، فلا هي هرمة ولا هي صغيرة؛ بل سوية؛ أي: من أفضل الأنواع، وكذلك الشأن في لونها وعملها. وكما ورد في الأثر فإن أعلى درجات الجنة أوسطُها: (إذا سألتم الله الجنة، فاسألوه الفردوس؛ فإنه أعلى الجنة، وأوسط الجنة)؛ رواه ابن خزيمة. وقد امر الله تعالى بالاعتدال في الامور كلها ومنها الصلاة فان رفع الصوت فيها أكثرَ من اللزوم صنوُ المخافتة إلى حدِّ الإسرار: ﴿ وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا ﴾ [الإسراء: 110] وكذلك الإنفاق فمن صفات عباد الرحمن أنهم مقتصدون في الإنفاق: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا ﴾ [الفرقان: 67] ولزوم الاعتدال في هذا المجال ليس أمرًا هيِّنًا؛ لأن المال يغري النفوس بالحدَّيْن: الإسراف والتقتير؛ أي: مجاوزة الحدِّ، أو التموقع دونه. وكذلك في المعاش قال تعالى : ﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ﴾ [الأعراف: 31] وهذا مقياس الاستمتاع بالطيِّبات، ولا يقتصر الأمر على المآكل والمشارب، بل يشمل عناصر المعيشة جميعًا؛ كاللباس، والأثاث، والمرْكب ونحو ذلك.
ولئن كانت الآخرة هي المطلبَ الأعلى والمقصد الأسمى، فإن الاشتغال بما يُدخل الجنةَ لا يكون على حساب السعي من أجل الحياة الدنيا: ﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ﴾ [القصص: 77].فبهذا يحدُثُ التوازن في حياة المسلم، بعيدًا عن التصوُّف العجمي الذي يخالف فطرة الله ، وعن النزعة اللادينية التي تقطع الإنسانَ عن الآخرة وتأسره في سجن الدنيا.
والمسلم متديِّن بالضرورة، لكنه تديُّن معتدل منضبط بضوابط شرعية، تمنعه من الغلوِّ، إنه تديُّن يراعي الطبيعةَ البشرية وضعفَها وطاقتها المحدودة، فلا تكلُّف فيه ولا عنت، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم الصحابةَ الذين تشددوا في العبادة إلى درجة هضم حقوق النفس والزوجة، ودعاهم إلى التزام سنته المُتَّسِمَة بإعطاء كل ذي حق حقَّه؛ أي: بالاعتدال، وقال عليه الصلاة والسلام: (إن هذا الدين يسرٌ، ولن يشادَّ الدينَ أحدٌ إلا غلبه، فسدِّدوا وقارِبوا)؛ رواه البخاري. وروى الإمام أحمد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق؛ فإن المنبتَّ لا أرضًا قطع، ولا ظهرًا أبقى). وإنما أَوصى بكل هذا؛ لعلمِه أن التشدُّد عمرُه قصيرٌ، وخيرُ الأعمال أدومُها وإن قلَّ وليس أكثرها وإن انقطع، وقد أسهم الغلو في الدين إسهامًا كبيرًا في تشويه صورة الإسلام البديعة، وفي جلب المشكلات للمسلمين وجماعاتهم ودولهم وقضاياهم، وكلما كانت حياة المسلمين توسطًا واعتدالًا، جلبَ ذلك لهم الخيرَ بكل أنواعه.

(إمساكية رمضان 1439 - 2018) هدية الشروق الورقية
16 ماي 2018 السّاعة 12:35
أوقات الإمساك والإفطار بجميع ولايات الجمهورية - (إمساكية 1439 - 2018) هدية الشروق الورقية اليوم الأربعاء 16 ماي 2018...
المزيد >>
أسبـاب النزول
11 ماي 2018 السّاعة 21:00
قال الله تَعَالَى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ...
المزيد >>
خطبة الجمعة ..العبادة سبب وجود الانسان
11 ماي 2018 السّاعة 21:00
العِبَادَةَ هِيَ حَقُّ اللهِ الأَوَّلُ الَّذِي أَنْزَلَ كُتُبَهَ وَأَرْسَلَ رُسُلَهُ لِدَعْوَةِ النَّاسِ...
المزيد >>
تدريب النفس على الطاعات واجب
11 ماي 2018 السّاعة 21:00
جميع الطاعات بمشهد من الخلق ومرأى منهم ولكنّ الصوم لا يراه إلاّ الله عزّ وجلّ ، قال رسول الله صلى الله عليه...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
الاعتدال أساس حياة المسلم..
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 23 مارس 2018

الاعتدال مشتقٌّ من العدل، وهو لزوم الحق والدورانُ مع القسط، ويمثِّله الوسط، بعيدًا عن الإفراط والتفريط، والغلوِّ والجحود، وهو أمر صعب جدًّا في ميدان المشاعر والأفكار والأقوال والسلوك الفرديِّ والاجتماعي، ولزومُه أصعب.

وقد عُني القرآن الكريم تصريحًا وإشارة بتربية المسلمين على الاعتدال عاطفةً وتفكيرًا وسلوكًا، فنصَّ على أننا أمةٌ وَسَطٌ؛ أي: بعيدة في كل شؤونها عن الحديَّة، وهذا ما يؤهلها للشهادة على الأمم.
ومن لطائف كتاب الله تعالى أن الشروط التي طُلبت في بقرة بني إسرائيل يمكن تلخيصها في الاعتدال: ﴿ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ ﴾ [البقرة: 68]، فلا هي هرمة ولا هي صغيرة؛ بل سوية؛ أي: من أفضل الأنواع، وكذلك الشأن في لونها وعملها. وكما ورد في الأثر فإن أعلى درجات الجنة أوسطُها: (إذا سألتم الله الجنة، فاسألوه الفردوس؛ فإنه أعلى الجنة، وأوسط الجنة)؛ رواه ابن خزيمة. وقد امر الله تعالى بالاعتدال في الامور كلها ومنها الصلاة فان رفع الصوت فيها أكثرَ من اللزوم صنوُ المخافتة إلى حدِّ الإسرار: ﴿ وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا ﴾ [الإسراء: 110] وكذلك الإنفاق فمن صفات عباد الرحمن أنهم مقتصدون في الإنفاق: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا ﴾ [الفرقان: 67] ولزوم الاعتدال في هذا المجال ليس أمرًا هيِّنًا؛ لأن المال يغري النفوس بالحدَّيْن: الإسراف والتقتير؛ أي: مجاوزة الحدِّ، أو التموقع دونه. وكذلك في المعاش قال تعالى : ﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ﴾ [الأعراف: 31] وهذا مقياس الاستمتاع بالطيِّبات، ولا يقتصر الأمر على المآكل والمشارب، بل يشمل عناصر المعيشة جميعًا؛ كاللباس، والأثاث، والمرْكب ونحو ذلك.
ولئن كانت الآخرة هي المطلبَ الأعلى والمقصد الأسمى، فإن الاشتغال بما يُدخل الجنةَ لا يكون على حساب السعي من أجل الحياة الدنيا: ﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ﴾ [القصص: 77].فبهذا يحدُثُ التوازن في حياة المسلم، بعيدًا عن التصوُّف العجمي الذي يخالف فطرة الله ، وعن النزعة اللادينية التي تقطع الإنسانَ عن الآخرة وتأسره في سجن الدنيا.
والمسلم متديِّن بالضرورة، لكنه تديُّن معتدل منضبط بضوابط شرعية، تمنعه من الغلوِّ، إنه تديُّن يراعي الطبيعةَ البشرية وضعفَها وطاقتها المحدودة، فلا تكلُّف فيه ولا عنت، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم الصحابةَ الذين تشددوا في العبادة إلى درجة هضم حقوق النفس والزوجة، ودعاهم إلى التزام سنته المُتَّسِمَة بإعطاء كل ذي حق حقَّه؛ أي: بالاعتدال، وقال عليه الصلاة والسلام: (إن هذا الدين يسرٌ، ولن يشادَّ الدينَ أحدٌ إلا غلبه، فسدِّدوا وقارِبوا)؛ رواه البخاري. وروى الإمام أحمد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق؛ فإن المنبتَّ لا أرضًا قطع، ولا ظهرًا أبقى). وإنما أَوصى بكل هذا؛ لعلمِه أن التشدُّد عمرُه قصيرٌ، وخيرُ الأعمال أدومُها وإن قلَّ وليس أكثرها وإن انقطع، وقد أسهم الغلو في الدين إسهامًا كبيرًا في تشويه صورة الإسلام البديعة، وفي جلب المشكلات للمسلمين وجماعاتهم ودولهم وقضاياهم، وكلما كانت حياة المسلمين توسطًا واعتدالًا، جلبَ ذلك لهم الخيرَ بكل أنواعه.

(إمساكية رمضان 1439 - 2018) هدية الشروق الورقية
16 ماي 2018 السّاعة 12:35
أوقات الإمساك والإفطار بجميع ولايات الجمهورية - (إمساكية 1439 - 2018) هدية الشروق الورقية اليوم الأربعاء 16 ماي 2018...
المزيد >>
أسبـاب النزول
11 ماي 2018 السّاعة 21:00
قال الله تَعَالَى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ...
المزيد >>
خطبة الجمعة ..العبادة سبب وجود الانسان
11 ماي 2018 السّاعة 21:00
العِبَادَةَ هِيَ حَقُّ اللهِ الأَوَّلُ الَّذِي أَنْزَلَ كُتُبَهَ وَأَرْسَلَ رُسُلَهُ لِدَعْوَةِ النَّاسِ...
المزيد >>
تدريب النفس على الطاعات واجب
11 ماي 2018 السّاعة 21:00
جميع الطاعات بمشهد من الخلق ومرأى منهم ولكنّ الصوم لا يراه إلاّ الله عزّ وجلّ ، قال رسول الله صلى الله عليه...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
خالد الحدّاد
سياسة التشكيك والمغالطات
يُنجز جزء كبير من الحراك السياسي في بلادنا بعيدا عن الشفافيّة المطلوبة وفي إطار صراعات الأهواء والمصالح وحروب التموقع التي لم تتخلّص منها الحياة الوطنية على الرغم من الخطوات...
المزيد >>