هل يمكن تخصيص حافلات نقل عمومي للنساء ؟
خالد الحدّاد
سياسة التشكيك والمغالطات
يُنجز جزء كبير من الحراك السياسي في بلادنا بعيدا عن الشفافيّة المطلوبة وفي إطار صراعات الأهواء والمصالح وحروب التموقع التي لم تتخلّص منها الحياة الوطنية على الرغم من الخطوات...
المزيد >>
هل يمكن تخصيص حافلات نقل عمومي للنساء ؟
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 19 مارس 2018

خلال الانتخابات التشريعية الأخيرة تمّ تنظيم، بأحد مكاتب الاقتراع بالعاصمة، الناخبين الى صفّين، صف للرجال وآخر للنساء، وتواصل الأمر بشكل طبيعي وهادئ، ولم يلاق أي اعتراض، حتى أقبلت امرأة ذات ملامح فيها قسوة وشراسة، وبدون تردّد، رفعت صوتها صارخة ومستنكرة هذا الفصل بين الجنسين، واصفة إياه بالرجعية والتخلف، ولما لم تجد أي صدى لصيحاتها الهستيرية، لازمت الصمت ووقفت بصف النساء وهي تلقي نظرات استهزاء واحتقار على كل الحاضرين، وكأنهم ارتكبوا جريمة فظيعة لا يمكن تجاوزها والصفح عنها، وبكل تجرّد ممكن، فإن موقف هذه المرأة التي تمثل البعض أو الكثير من المواطنين، يثير الاستغراب ويُعتبر اعتداء على حرية غيرها، هذه الحرية التي كانت من أهم مطالب الثورة، كما ان حرمان المجتمع من حقه في ممارستها، كان من أسباب اندلاعها، وسقوط نظام الاستبداد السابق والتي كفلها الدستور بشكل واضح لا غبار عليه، فلماذا لم يتقبل البعض أو الكثير من هذا الحق الأساسي لكل فرد في أداء اختياراته بدون إلحاق الضرر بالآخرين؟ ولماذا يريدون فرض مفهومهم للحرية ونمطهم الاجتماعي على غيرهم بكل الطرق معتبرين أن ذلك من شروط التقدم وثوابت الحداثة التي لا يجوز المساس بها؟ وما الضرر الذي أصاب هذه المرأة من الفصل بين الجنسين والتي يبدو أنها لا ترى مانعا في اختلاط الجنسين بالحمامات العمومية ودورات المياه؟ أما كان الأجدر بها أن تتقبل ذلك بكل احترام وأن تلتحق بأي صفّ تشاء؟... وما علاقة ذلك بالتقدّم والتخلف؟ ألا يتمثل التقدّم، قبل كل شيء، في احترام حريات الآخرين، والتخلف في الاعتراض عليهم ومنعهم من ممارستها؟

ولا شك بأن الاختلاط أصبح من عاداتنا الاجتماعية العادية الراسخة وقد انتشر في كل المجالات ولا يُلاق أي رفض أو استنكار من المواطنين، ولكن هذا الرضاء لا يعني بأنه أصبح من الثوابت المقدسة التي لا يجوز إعادة النظر فيها، إذ أن الأمر يخضع لموازين المصلحة والضرر، فإذا تبيّن وتأكد بأن الاختلاط تحول الى مصدر أذى وضرر، فإن اللجوء الى الفصل بين الجنسين، يُصبح هو الحل الضروري لهذا الأمر.
ويبدو أن هذا الاستنتاج ينطبق على استعمال المرأة لقطاع النقل العمومي، فكلنا يعرف بشكل جازم بأن المرأة تتعرّض فيها الى التحرّش الجنسي بشكل تجاوز الحدّ، وخاصة خلال وقت الذروة، حيث تلتصق أجساد الذكور بأجساد الإناث بشكل اضطراري، إذ أن عدد راكبي هذه الحافلات يتجاوز كثيرا العدد المسموح به، الأمر الذي يتيح للمنحرفين ممارسة شذوذهم بوقاحة وإصرار. وبما أننا نسعى بمختلف الوسائل التشريعية والحملات التحسيسية الى حماية المرأة وصيانة كرامتها من هذه الآفة المستفحلة، فإنه أصبح من الضروري المتأكد تخصيص حافلات نقل للنساء وبعض العربات بقطارات السكك الحديدية، حتى يمكن لهن أن يستعملنها بكل اطمئنان وراحة بال، وإذا أردن امتطاء حافلات وقطارات مختلطة، فلهنّ كل الحرية في ذلك.
وتجدر الاشارة الى أن بعض شركات النقل ببعض الدول كألمانيا واليابان والهند والمكسيك وغيرها، لجأت الى هذا الحل، كما أن بعض معاهد التعليم بالولايات المتحدة الأمريكية، اختارت هذا الاتجاه.
وألاحظ مرة أخرى بأن الاختلاط ليس أمرا مقدسا ومن شروط الحداثة التي لا يسمح بالاجتهاد فيها، وفي نفس الوقت، يمارس البعض منا الاجتهاد في تأويل بعض الأحكام القرآنية بكل جرأة وحرية.
وبناء على ما تقدّم ذكره، فإنه على وزارة النقل أن تنظر في هذا الموضوع وتجري في شأنه دراسات ميدانية، حتى تتأكد بشكل جازم بأن التحرّش قد تفاقم بشكل رهيب، مثل «البراكاجات» والاغتصابات، ويتحتم النظر في إيجاد الحل المناسب له والمتمثل، حسب ما أرى، في تخصيص حافلات نقل وعربات خاصة بالنساء، حتى نحافظ عليهن من أية مضايقات تمسّ بكرامتهن وتحسّسهن بالإهانة وفقدان الشعور بالأمان.
كما أدعو مختلف المنظمات النسائية لمساندة هذا الطلب، الناشئ عن ملاحظات ومعاينات واقعية مجرّدة، ولا علاقة لها بأية خلفيات عقدية، وذلك قصد الضغط السلمي على وزارة الإشراف، لتلبية هذا الرجاء الذي يستجيب لرغبات الكثير من النساء اللاتي يستعملن حافلات النقل العمومي والقطارات للذهاب الى مراكز شغلهنّ، أو لقضاء مختلف شؤون العيش التي تتجدّد كل يوم.

حُسام بن الهاشمي الشريف
مقترح مبادرة وطنية موجهة إلى الأغلبية الوطنية المنحازة لقضية فلسطين
19 ماي 2018 السّاعة 17:30
الشروق اون لاين – محمد الطاهر: كتب الاستاذ الجامعة التونسية والمنسق العلمي لشبكة باب المغاربة للدراسات...
المزيد >>
المدرسة والبلدية :علاقات استراتيجية أهملتها البرامج الانتخابية
14 ماي 2018 السّاعة 21:00
تتجه الأنظار في تونس الى الانتخابات البلدية القادمة التي تحظى باهتمام واسع من مختلف الشرائح الاجتماعية ومن...
المزيد >>
ما أشبـه اليــوم بالبارحـــة
14 ماي 2018 السّاعة 21:00
والتاريخ يعيد نفسه أو نستنطقونه أحيانا وهو صورة طبق الأصل من الماضي السحيق الضارب في القدم ويتشابه في...
المزيد >>
حربوشـــة ثقيلــــة الــوزن معبــــــرة ومدوية وصريحة
14 ماي 2018 السّاعة 21:00
شعبنا الأبي الوفي الذكي المسالم الواعي والمثقف وصاحب المواعيد الحاسمة بعد أن جرب وأعطى الفرصة لمدة 4 أعوام...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
هل يمكن تخصيص حافلات نقل عمومي للنساء ؟
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 19 مارس 2018

خلال الانتخابات التشريعية الأخيرة تمّ تنظيم، بأحد مكاتب الاقتراع بالعاصمة، الناخبين الى صفّين، صف للرجال وآخر للنساء، وتواصل الأمر بشكل طبيعي وهادئ، ولم يلاق أي اعتراض، حتى أقبلت امرأة ذات ملامح فيها قسوة وشراسة، وبدون تردّد، رفعت صوتها صارخة ومستنكرة هذا الفصل بين الجنسين، واصفة إياه بالرجعية والتخلف، ولما لم تجد أي صدى لصيحاتها الهستيرية، لازمت الصمت ووقفت بصف النساء وهي تلقي نظرات استهزاء واحتقار على كل الحاضرين، وكأنهم ارتكبوا جريمة فظيعة لا يمكن تجاوزها والصفح عنها، وبكل تجرّد ممكن، فإن موقف هذه المرأة التي تمثل البعض أو الكثير من المواطنين، يثير الاستغراب ويُعتبر اعتداء على حرية غيرها، هذه الحرية التي كانت من أهم مطالب الثورة، كما ان حرمان المجتمع من حقه في ممارستها، كان من أسباب اندلاعها، وسقوط نظام الاستبداد السابق والتي كفلها الدستور بشكل واضح لا غبار عليه، فلماذا لم يتقبل البعض أو الكثير من هذا الحق الأساسي لكل فرد في أداء اختياراته بدون إلحاق الضرر بالآخرين؟ ولماذا يريدون فرض مفهومهم للحرية ونمطهم الاجتماعي على غيرهم بكل الطرق معتبرين أن ذلك من شروط التقدم وثوابت الحداثة التي لا يجوز المساس بها؟ وما الضرر الذي أصاب هذه المرأة من الفصل بين الجنسين والتي يبدو أنها لا ترى مانعا في اختلاط الجنسين بالحمامات العمومية ودورات المياه؟ أما كان الأجدر بها أن تتقبل ذلك بكل احترام وأن تلتحق بأي صفّ تشاء؟... وما علاقة ذلك بالتقدّم والتخلف؟ ألا يتمثل التقدّم، قبل كل شيء، في احترام حريات الآخرين، والتخلف في الاعتراض عليهم ومنعهم من ممارستها؟

ولا شك بأن الاختلاط أصبح من عاداتنا الاجتماعية العادية الراسخة وقد انتشر في كل المجالات ولا يُلاق أي رفض أو استنكار من المواطنين، ولكن هذا الرضاء لا يعني بأنه أصبح من الثوابت المقدسة التي لا يجوز إعادة النظر فيها، إذ أن الأمر يخضع لموازين المصلحة والضرر، فإذا تبيّن وتأكد بأن الاختلاط تحول الى مصدر أذى وضرر، فإن اللجوء الى الفصل بين الجنسين، يُصبح هو الحل الضروري لهذا الأمر.
ويبدو أن هذا الاستنتاج ينطبق على استعمال المرأة لقطاع النقل العمومي، فكلنا يعرف بشكل جازم بأن المرأة تتعرّض فيها الى التحرّش الجنسي بشكل تجاوز الحدّ، وخاصة خلال وقت الذروة، حيث تلتصق أجساد الذكور بأجساد الإناث بشكل اضطراري، إذ أن عدد راكبي هذه الحافلات يتجاوز كثيرا العدد المسموح به، الأمر الذي يتيح للمنحرفين ممارسة شذوذهم بوقاحة وإصرار. وبما أننا نسعى بمختلف الوسائل التشريعية والحملات التحسيسية الى حماية المرأة وصيانة كرامتها من هذه الآفة المستفحلة، فإنه أصبح من الضروري المتأكد تخصيص حافلات نقل للنساء وبعض العربات بقطارات السكك الحديدية، حتى يمكن لهن أن يستعملنها بكل اطمئنان وراحة بال، وإذا أردن امتطاء حافلات وقطارات مختلطة، فلهنّ كل الحرية في ذلك.
وتجدر الاشارة الى أن بعض شركات النقل ببعض الدول كألمانيا واليابان والهند والمكسيك وغيرها، لجأت الى هذا الحل، كما أن بعض معاهد التعليم بالولايات المتحدة الأمريكية، اختارت هذا الاتجاه.
وألاحظ مرة أخرى بأن الاختلاط ليس أمرا مقدسا ومن شروط الحداثة التي لا يسمح بالاجتهاد فيها، وفي نفس الوقت، يمارس البعض منا الاجتهاد في تأويل بعض الأحكام القرآنية بكل جرأة وحرية.
وبناء على ما تقدّم ذكره، فإنه على وزارة النقل أن تنظر في هذا الموضوع وتجري في شأنه دراسات ميدانية، حتى تتأكد بشكل جازم بأن التحرّش قد تفاقم بشكل رهيب، مثل «البراكاجات» والاغتصابات، ويتحتم النظر في إيجاد الحل المناسب له والمتمثل، حسب ما أرى، في تخصيص حافلات نقل وعربات خاصة بالنساء، حتى نحافظ عليهن من أية مضايقات تمسّ بكرامتهن وتحسّسهن بالإهانة وفقدان الشعور بالأمان.
كما أدعو مختلف المنظمات النسائية لمساندة هذا الطلب، الناشئ عن ملاحظات ومعاينات واقعية مجرّدة، ولا علاقة لها بأية خلفيات عقدية، وذلك قصد الضغط السلمي على وزارة الإشراف، لتلبية هذا الرجاء الذي يستجيب لرغبات الكثير من النساء اللاتي يستعملن حافلات النقل العمومي والقطارات للذهاب الى مراكز شغلهنّ، أو لقضاء مختلف شؤون العيش التي تتجدّد كل يوم.

حُسام بن الهاشمي الشريف
مقترح مبادرة وطنية موجهة إلى الأغلبية الوطنية المنحازة لقضية فلسطين
19 ماي 2018 السّاعة 17:30
الشروق اون لاين – محمد الطاهر: كتب الاستاذ الجامعة التونسية والمنسق العلمي لشبكة باب المغاربة للدراسات...
المزيد >>
المدرسة والبلدية :علاقات استراتيجية أهملتها البرامج الانتخابية
14 ماي 2018 السّاعة 21:00
تتجه الأنظار في تونس الى الانتخابات البلدية القادمة التي تحظى باهتمام واسع من مختلف الشرائح الاجتماعية ومن...
المزيد >>
ما أشبـه اليــوم بالبارحـــة
14 ماي 2018 السّاعة 21:00
والتاريخ يعيد نفسه أو نستنطقونه أحيانا وهو صورة طبق الأصل من الماضي السحيق الضارب في القدم ويتشابه في...
المزيد >>
حربوشـــة ثقيلــــة الــوزن معبــــــرة ومدوية وصريحة
14 ماي 2018 السّاعة 21:00
شعبنا الأبي الوفي الذكي المسالم الواعي والمثقف وصاحب المواعيد الحاسمة بعد أن جرب وأعطى الفرصة لمدة 4 أعوام...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
خالد الحدّاد
سياسة التشكيك والمغالطات
يُنجز جزء كبير من الحراك السياسي في بلادنا بعيدا عن الشفافيّة المطلوبة وفي إطار صراعات الأهواء والمصالح وحروب التموقع التي لم تتخلّص منها الحياة الوطنية على الرغم من الخطوات...
المزيد >>