غياب جمهورية الثقافة.. مشاكل إنتاج الكتاب في تونس (2/2)
خالد الحدّاد
سياسة التشكيك والمغالطات
يُنجز جزء كبير من الحراك السياسي في بلادنا بعيدا عن الشفافيّة المطلوبة وفي إطار صراعات الأهواء والمصالح وحروب التموقع التي لم تتخلّص منها الحياة الوطنية على الرغم من الخطوات...
المزيد >>
غياب جمهورية الثقافة.. مشاكل إنتاج الكتاب في تونس (2/2)
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 05 مارس 2018

كراس الشروط
ونحن نتصفح هذه المشطرة/الضلالة، لا يمكن إلا أن نتذكر ذلك البيت الذي يقول: رماه في اليمّ مكتوفا وقال، إياك إياك أن تبتلّ الماء. وكيف لا نبتل بالمشاكل وكافة أنواع المعيقات التي تقتل مؤسساتنا، ونحن مكبلون بشروط الوزارة /الدولة وقوانينها المتضاربة. لأنها على ما يبدو إما جاهلة بما يجب أن يكون، وإما عالمة به متجاهلة لنا مستقوية علينا بصفتها السلطوية. إذ كيف نتحدث، كما ورد، عن مصاريف بناء وتهيئة وانتداب إطارات، ونحن لم نشرّع بعد القوانين والتسهيلات اللازمة لتوفير وسائل وإمكانيات تمويل وتغطية هذه المصاريف. كيف نتحدث عن قروض وجدول تمويل، ونحن لم نحلّ بعدُ مشكلة البنوك التي ما زالت ترفض التعامل مع إنتاج الكتب/الثقافة. كيف نتحدث عن استثمار وليس هناك قانون استثمار وتمويل للثقافة، وكلمة صناعة ثقافية لم تعتمد إلا مؤخرا ولم تصدر بعد القوانين الترتيبية الملحقة بها. كيف لا يستحي رجل يفرض على أبنائه أن يكونوا على مظهر لائق حسن ولم يوفر لهم المصاريف اللازمة، إن ذلك إما سيجعل ابنه/ابنته أمام منزلقات خطيرة وإما سيجعلهم عاجزين عن الإيفاء بما يطلب منهم.
أيضا، مع علمنا وتسليمنا أن صناعة الثقافة/الكتب صناعة خاصة وتجارة نبيلة، باعتبار ما تقدمه للإنسان وقيامها أساسا على المادة 19 من إعلان حقوق الإنسان المشار إليها في طالع هذا، فإن ذلك ليس له علاقة بالمستوى الأكاديمي المطلوب التصريح به في كراس الشروط والذي لا يفترض أن يكون هو المرجع والشرط، ولكن بالأحرى الالتزام بالدفاع عن حرية الرأي والتعبير، كما تشير إلى ذلك الجهات الدولية. إذ ما فائدة مواطن تونسي في أكاديمي لا يدافع عنه وعن حقوقه الإنسانية الأساسية، وأمثالهم كثر في تاريخ تونس، من فترة الاستعمار التي كان فيها أكاديميون لا يرون مانعا في بقاء المستعمر والغازي إلى المتماهين مع بورقيبة وبن علي إلى أكاديميي اليوم وعدم التزام أكثرهم بأي شيء. فهل كان هذا هو هدف الوزارة/الدولة وهي تضع كراس الشروط أي الفرز في اتجاه اللاشيء والسكون، يجوز! لأنها على ما يبدو لا يهمّها الجوهر الذي يقوم عليه هذا النوع من المهن. وهو كما قدمنا، الالتزام بالدفاع عن الإنسان وحقه في حرية الرأي والتعبير، بل لعل ذلك يقلقها.
أما عن العلاقة بوزارات التعليم فإنها تظل تفاعلية إيجابية، فلا ندرّس مكانهم ولا يكون وجودهم شرطا في الأنشطة الثقافية، لأن الثقافة، شأنها وتعبيراتها، أكبر منهم وأكثر اتساعا. ولا يمكن أيضا أن نقصر كراس شروط دور النشر والنشاط الثقافي على الأكاديميين، لأن ذلك مخالف للحق في حرية الرأي والتعبير من حيث البث والتلقي، ولمبدإ المساواة. بل ويخشى إذا فعلنا ذلك أن ننزلق إلى قصر التلقي على الأكادميين، فيصبح كلامنا عن ديمقراطية المعرفة محض هراء وادعاء.
وإننا لنحار كيف تجد الوزارة/الدولة الجرأة لتغلق دارا للنشر، أو أي نشاط ثقافي، محل نشاطها غير مطابق لشروطها، ولا تأتيها الجرأة والعزم لمرافقتها coaching وإزاحة العراقيل من أمامها، لتكون كما يجب أن تكون، فهي لم تمتنع عن أداء المهامّ الموكولة إليها ولكنها لم تقدر، فالأولى أن نمولها لنجعلها تقدر..إننا لنحار كيف تجد دولة أسبابا لتغلق منافذ الحياة، ولا تجد سببا لتفتحها وتدعمها وتحيي بها أنفسا، وذلك أيضا مظهر من مظاهر الغياب عن الفعل وعن المسؤولية. فما الذي يمنع الوزارة/الدولة أن تكون إيجابية، وأن تراعي في كرّاساتها الإنسان؟ لا شيء، ولكنها كدولة كبيرة لا تهتمّ بآرائنا الصغيرة، ولا يهمها إن أماتتنا سلبيتها وقوانينها اللاإنسانية. فهل نقول كما قال الشاعر الشعبي: دَوْلَه نسِتْ اَوْلادْهَا، فِقْدت سبَبْ الْوجُودْ.
كلمة حق
قال الراوي.. غير أن كل هذا الغياب وعدم الاكتراث للوزارة/الدولة ما كان ليكون بهذا القدر وهذا الوقع لو أنه كانت هناك جهة مقابلة توازن وتحتجّ وتبلّغ رأي الناشرين/المواطنين مثلما تفعل جميع الكارتيلات المهنية، ومثلما كان يجب أن يفعل اتحاد الناشرين وغيره. ولكنهم التهوا بأنفسهم!
ولتفادي الاصطدام بالنظام كانوا يتفادون أي مطالب تساعد على استقلالية المهنة وأهلها، مثل التي أشرنا إليها، والتي كانت ستحيل ضرورة على استقلالية المادة المقدمة، ومن ثم على ترقية المواطنين. وكان ذلك سيضعهم في خانة المناضلين، عفاهم الله. وقد آثرت هذه الجماعات المهنية الصمت عن كل ما يقع داخل مهنة النشر وعن سلبية الدولة. واكتفى أهلها بالاحتجاجات المطلبية النقابية داخل مهنهم الأساسية، من أجل ترفيع رواتبهم وتنظيرها بمثيلاتها في أوروبا. ولم يكن النشر في أعينهم المتواطئة منصّة للدفاع عن الحريات وعن الإنسان، ولكن فقط باب رزق آخر أنيق، لا يُضيرهم في النهاية أن يضيع المهم أن تبقى امتيازاتهم الأصلية.
وحتى لا يتزعزع نظامهم الكهنوتي فقد قصروه على أنفسهم، فغدا أقرب إلى النادي المغلق لا يدخله إلا من التزم مثلهم بالصمت وعدم المطالبة بأي شيء يساعد النشر والإبداع عامة على الخروج من الدائرة الجمعياتية الأفلاطونية التي تحبسه فيها الوزارة/الدولة، إلى الحرية، والتي لا تكون إلا باستقلاله المالي.
ولا نتصور أنهم، باعتبار ثقافتهم، لا يدركون أن عدم الاستقلال المالي للنشر والإبداع عامة يجعله قطاعا هشّا إلى درجة الموت، تابعا، مضطرا لأن يتغذى من ثنايا أخرى مثل منح الدولة ومثل الاتكاء على مهن أخرى، وهي وضعية غير سوية، ولكنهم لا يكترثون، وقد اختاروا بملء وعيهم وإرادتهم أن يكونوا إلى جانب أنفسهم win-win ، لا إلى جانب الوطن والشعب. فيكونوا بذلك مشاركين في الجرم التاريخي، ولا إعفاء للوزارة/الدولة من مسؤوليتها.
غيـــــــاب للجمهوريـــــــة أم غيـــــاب للثقافـــــــة
وبعد، فما كان أحوجنا إلى هذه الكلمات وهذا الألم الذي لا زلنا نعانيه ونجترّه منذ سنوات، لو أن الوزارة/الدولة استمعت إلينا وعملت على حل المشاكل التي كنا نتحدث عنها، وهي بسيطة ولا تتطلب مجهودا كبيرا. فقط اعتراف بنا ورغبة في خدمتنا. ولكنها لا تفعل، لأنها ترى أن ما يأتي من الشعب غير هامّ حتى وإن كان يتعلق بالألم الذي هو يعيشه، وأن ما يأتي منها هي هو الأهم حتى وإن كان دواء لغير داء، وحلاّ لغير المشكل الحقيقي. فمثلا حديث السيد وزير الثقافة عن دعمه لألف (1000) جمعية قد يشعره هو بالامتلاء، ولكنه لا يحلّ أي شيء، وشخصيا ما زالت إلى الآن ومنذ سنين أعاني من كل المشاكل المزمنة التي ذكرتها، لأن الدول لا تقوم بالجمعيات ولكن بالمؤسسات والاستثمارات الحقيقية. ومثال ذلك كثير في أنحاء الدولة الأخرى، يأتون بحلول لمشاكل في أذهانهم هم وليست في الواقع، لأنهم ابتعدوا عن الواقع إذ ابتعدوا عنا. ولما أضحى إدراكهم له/لنا باهتا غدوا يبتدعون ويستنبطون حلولهم من أنفسهم لأنفسهم.
ولعل هذا التعامل المتعالي للوزارة/الدولة تجاهنا، آت من عدم اعترافهم أساسا بأنهم جزء من الشعب متمأسس ليسيّر شؤونه. وعوض كينونة اجتماعية واحدة متناغمة بعضها يخدم – يرفع بعضا، غدت لدينا كينونتين، واحدة نخبوية سلطوية منغلقة على مصالحها وتفرض منطقها، والأخرى اجتماعية لا يزال الشعب فيها كما هو يناضل من أجل أشيائه البسيطة ويحاول ألاّ يموت من جهل الكينونة العليّة بما يجب أن يكون، ومن تجاهلها له.
فمن أين تأتي سلطويتها وساديتها. هل تكون من خوفها المرضي sadomasochisme أن يتملّك الشعب المعرفة – القدرة، فيتملّك معها السلطة، ويتاح الأمر لصاحب الأمر ولا تعود هناك كهنوتية ونخبوية. قد يكون ذلك صحيحا، ولعلنا نعود إليه مرة أخرى، ولكن الأكيد اليوم أن فعل الوزارة/الدولة، أو بالأحرى غياب فعلها يضرّ بنا كثيرا، ولا ندري..ما العمل!

بقلم: المنصف قفصاوي
مقترح مبادرة وطنية موجهة إلى الأغلبية الوطنية المنحازة لقضية فلسطين
19 ماي 2018 السّاعة 17:30
الشروق اون لاين – محمد الطاهر: كتب الاستاذ الجامعة التونسية والمنسق العلمي لشبكة باب المغاربة للدراسات...
المزيد >>
المدرسة والبلدية :علاقات استراتيجية أهملتها البرامج الانتخابية
14 ماي 2018 السّاعة 21:00
تتجه الأنظار في تونس الى الانتخابات البلدية القادمة التي تحظى باهتمام واسع من مختلف الشرائح الاجتماعية ومن...
المزيد >>
ما أشبـه اليــوم بالبارحـــة
14 ماي 2018 السّاعة 21:00
والتاريخ يعيد نفسه أو نستنطقونه أحيانا وهو صورة طبق الأصل من الماضي السحيق الضارب في القدم ويتشابه في...
المزيد >>
حربوشـــة ثقيلــــة الــوزن معبــــــرة ومدوية وصريحة
14 ماي 2018 السّاعة 21:00
شعبنا الأبي الوفي الذكي المسالم الواعي والمثقف وصاحب المواعيد الحاسمة بعد أن جرب وأعطى الفرصة لمدة 4 أعوام...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
غياب جمهورية الثقافة.. مشاكل إنتاج الكتاب في تونس (2/2)
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 05 مارس 2018

كراس الشروط
ونحن نتصفح هذه المشطرة/الضلالة، لا يمكن إلا أن نتذكر ذلك البيت الذي يقول: رماه في اليمّ مكتوفا وقال، إياك إياك أن تبتلّ الماء. وكيف لا نبتل بالمشاكل وكافة أنواع المعيقات التي تقتل مؤسساتنا، ونحن مكبلون بشروط الوزارة /الدولة وقوانينها المتضاربة. لأنها على ما يبدو إما جاهلة بما يجب أن يكون، وإما عالمة به متجاهلة لنا مستقوية علينا بصفتها السلطوية. إذ كيف نتحدث، كما ورد، عن مصاريف بناء وتهيئة وانتداب إطارات، ونحن لم نشرّع بعد القوانين والتسهيلات اللازمة لتوفير وسائل وإمكانيات تمويل وتغطية هذه المصاريف. كيف نتحدث عن قروض وجدول تمويل، ونحن لم نحلّ بعدُ مشكلة البنوك التي ما زالت ترفض التعامل مع إنتاج الكتب/الثقافة. كيف نتحدث عن استثمار وليس هناك قانون استثمار وتمويل للثقافة، وكلمة صناعة ثقافية لم تعتمد إلا مؤخرا ولم تصدر بعد القوانين الترتيبية الملحقة بها. كيف لا يستحي رجل يفرض على أبنائه أن يكونوا على مظهر لائق حسن ولم يوفر لهم المصاريف اللازمة، إن ذلك إما سيجعل ابنه/ابنته أمام منزلقات خطيرة وإما سيجعلهم عاجزين عن الإيفاء بما يطلب منهم.
أيضا، مع علمنا وتسليمنا أن صناعة الثقافة/الكتب صناعة خاصة وتجارة نبيلة، باعتبار ما تقدمه للإنسان وقيامها أساسا على المادة 19 من إعلان حقوق الإنسان المشار إليها في طالع هذا، فإن ذلك ليس له علاقة بالمستوى الأكاديمي المطلوب التصريح به في كراس الشروط والذي لا يفترض أن يكون هو المرجع والشرط، ولكن بالأحرى الالتزام بالدفاع عن حرية الرأي والتعبير، كما تشير إلى ذلك الجهات الدولية. إذ ما فائدة مواطن تونسي في أكاديمي لا يدافع عنه وعن حقوقه الإنسانية الأساسية، وأمثالهم كثر في تاريخ تونس، من فترة الاستعمار التي كان فيها أكاديميون لا يرون مانعا في بقاء المستعمر والغازي إلى المتماهين مع بورقيبة وبن علي إلى أكاديميي اليوم وعدم التزام أكثرهم بأي شيء. فهل كان هذا هو هدف الوزارة/الدولة وهي تضع كراس الشروط أي الفرز في اتجاه اللاشيء والسكون، يجوز! لأنها على ما يبدو لا يهمّها الجوهر الذي يقوم عليه هذا النوع من المهن. وهو كما قدمنا، الالتزام بالدفاع عن الإنسان وحقه في حرية الرأي والتعبير، بل لعل ذلك يقلقها.
أما عن العلاقة بوزارات التعليم فإنها تظل تفاعلية إيجابية، فلا ندرّس مكانهم ولا يكون وجودهم شرطا في الأنشطة الثقافية، لأن الثقافة، شأنها وتعبيراتها، أكبر منهم وأكثر اتساعا. ولا يمكن أيضا أن نقصر كراس شروط دور النشر والنشاط الثقافي على الأكاديميين، لأن ذلك مخالف للحق في حرية الرأي والتعبير من حيث البث والتلقي، ولمبدإ المساواة. بل ويخشى إذا فعلنا ذلك أن ننزلق إلى قصر التلقي على الأكادميين، فيصبح كلامنا عن ديمقراطية المعرفة محض هراء وادعاء.
وإننا لنحار كيف تجد الوزارة/الدولة الجرأة لتغلق دارا للنشر، أو أي نشاط ثقافي، محل نشاطها غير مطابق لشروطها، ولا تأتيها الجرأة والعزم لمرافقتها coaching وإزاحة العراقيل من أمامها، لتكون كما يجب أن تكون، فهي لم تمتنع عن أداء المهامّ الموكولة إليها ولكنها لم تقدر، فالأولى أن نمولها لنجعلها تقدر..إننا لنحار كيف تجد دولة أسبابا لتغلق منافذ الحياة، ولا تجد سببا لتفتحها وتدعمها وتحيي بها أنفسا، وذلك أيضا مظهر من مظاهر الغياب عن الفعل وعن المسؤولية. فما الذي يمنع الوزارة/الدولة أن تكون إيجابية، وأن تراعي في كرّاساتها الإنسان؟ لا شيء، ولكنها كدولة كبيرة لا تهتمّ بآرائنا الصغيرة، ولا يهمها إن أماتتنا سلبيتها وقوانينها اللاإنسانية. فهل نقول كما قال الشاعر الشعبي: دَوْلَه نسِتْ اَوْلادْهَا، فِقْدت سبَبْ الْوجُودْ.
كلمة حق
قال الراوي.. غير أن كل هذا الغياب وعدم الاكتراث للوزارة/الدولة ما كان ليكون بهذا القدر وهذا الوقع لو أنه كانت هناك جهة مقابلة توازن وتحتجّ وتبلّغ رأي الناشرين/المواطنين مثلما تفعل جميع الكارتيلات المهنية، ومثلما كان يجب أن يفعل اتحاد الناشرين وغيره. ولكنهم التهوا بأنفسهم!
ولتفادي الاصطدام بالنظام كانوا يتفادون أي مطالب تساعد على استقلالية المهنة وأهلها، مثل التي أشرنا إليها، والتي كانت ستحيل ضرورة على استقلالية المادة المقدمة، ومن ثم على ترقية المواطنين. وكان ذلك سيضعهم في خانة المناضلين، عفاهم الله. وقد آثرت هذه الجماعات المهنية الصمت عن كل ما يقع داخل مهنة النشر وعن سلبية الدولة. واكتفى أهلها بالاحتجاجات المطلبية النقابية داخل مهنهم الأساسية، من أجل ترفيع رواتبهم وتنظيرها بمثيلاتها في أوروبا. ولم يكن النشر في أعينهم المتواطئة منصّة للدفاع عن الحريات وعن الإنسان، ولكن فقط باب رزق آخر أنيق، لا يُضيرهم في النهاية أن يضيع المهم أن تبقى امتيازاتهم الأصلية.
وحتى لا يتزعزع نظامهم الكهنوتي فقد قصروه على أنفسهم، فغدا أقرب إلى النادي المغلق لا يدخله إلا من التزم مثلهم بالصمت وعدم المطالبة بأي شيء يساعد النشر والإبداع عامة على الخروج من الدائرة الجمعياتية الأفلاطونية التي تحبسه فيها الوزارة/الدولة، إلى الحرية، والتي لا تكون إلا باستقلاله المالي.
ولا نتصور أنهم، باعتبار ثقافتهم، لا يدركون أن عدم الاستقلال المالي للنشر والإبداع عامة يجعله قطاعا هشّا إلى درجة الموت، تابعا، مضطرا لأن يتغذى من ثنايا أخرى مثل منح الدولة ومثل الاتكاء على مهن أخرى، وهي وضعية غير سوية، ولكنهم لا يكترثون، وقد اختاروا بملء وعيهم وإرادتهم أن يكونوا إلى جانب أنفسهم win-win ، لا إلى جانب الوطن والشعب. فيكونوا بذلك مشاركين في الجرم التاريخي، ولا إعفاء للوزارة/الدولة من مسؤوليتها.
غيـــــــاب للجمهوريـــــــة أم غيـــــاب للثقافـــــــة
وبعد، فما كان أحوجنا إلى هذه الكلمات وهذا الألم الذي لا زلنا نعانيه ونجترّه منذ سنوات، لو أن الوزارة/الدولة استمعت إلينا وعملت على حل المشاكل التي كنا نتحدث عنها، وهي بسيطة ولا تتطلب مجهودا كبيرا. فقط اعتراف بنا ورغبة في خدمتنا. ولكنها لا تفعل، لأنها ترى أن ما يأتي من الشعب غير هامّ حتى وإن كان يتعلق بالألم الذي هو يعيشه، وأن ما يأتي منها هي هو الأهم حتى وإن كان دواء لغير داء، وحلاّ لغير المشكل الحقيقي. فمثلا حديث السيد وزير الثقافة عن دعمه لألف (1000) جمعية قد يشعره هو بالامتلاء، ولكنه لا يحلّ أي شيء، وشخصيا ما زالت إلى الآن ومنذ سنين أعاني من كل المشاكل المزمنة التي ذكرتها، لأن الدول لا تقوم بالجمعيات ولكن بالمؤسسات والاستثمارات الحقيقية. ومثال ذلك كثير في أنحاء الدولة الأخرى، يأتون بحلول لمشاكل في أذهانهم هم وليست في الواقع، لأنهم ابتعدوا عن الواقع إذ ابتعدوا عنا. ولما أضحى إدراكهم له/لنا باهتا غدوا يبتدعون ويستنبطون حلولهم من أنفسهم لأنفسهم.
ولعل هذا التعامل المتعالي للوزارة/الدولة تجاهنا، آت من عدم اعترافهم أساسا بأنهم جزء من الشعب متمأسس ليسيّر شؤونه. وعوض كينونة اجتماعية واحدة متناغمة بعضها يخدم – يرفع بعضا، غدت لدينا كينونتين، واحدة نخبوية سلطوية منغلقة على مصالحها وتفرض منطقها، والأخرى اجتماعية لا يزال الشعب فيها كما هو يناضل من أجل أشيائه البسيطة ويحاول ألاّ يموت من جهل الكينونة العليّة بما يجب أن يكون، ومن تجاهلها له.
فمن أين تأتي سلطويتها وساديتها. هل تكون من خوفها المرضي sadomasochisme أن يتملّك الشعب المعرفة – القدرة، فيتملّك معها السلطة، ويتاح الأمر لصاحب الأمر ولا تعود هناك كهنوتية ونخبوية. قد يكون ذلك صحيحا، ولعلنا نعود إليه مرة أخرى، ولكن الأكيد اليوم أن فعل الوزارة/الدولة، أو بالأحرى غياب فعلها يضرّ بنا كثيرا، ولا ندري..ما العمل!

بقلم: المنصف قفصاوي
مقترح مبادرة وطنية موجهة إلى الأغلبية الوطنية المنحازة لقضية فلسطين
19 ماي 2018 السّاعة 17:30
الشروق اون لاين – محمد الطاهر: كتب الاستاذ الجامعة التونسية والمنسق العلمي لشبكة باب المغاربة للدراسات...
المزيد >>
المدرسة والبلدية :علاقات استراتيجية أهملتها البرامج الانتخابية
14 ماي 2018 السّاعة 21:00
تتجه الأنظار في تونس الى الانتخابات البلدية القادمة التي تحظى باهتمام واسع من مختلف الشرائح الاجتماعية ومن...
المزيد >>
ما أشبـه اليــوم بالبارحـــة
14 ماي 2018 السّاعة 21:00
والتاريخ يعيد نفسه أو نستنطقونه أحيانا وهو صورة طبق الأصل من الماضي السحيق الضارب في القدم ويتشابه في...
المزيد >>
حربوشـــة ثقيلــــة الــوزن معبــــــرة ومدوية وصريحة
14 ماي 2018 السّاعة 21:00
شعبنا الأبي الوفي الذكي المسالم الواعي والمثقف وصاحب المواعيد الحاسمة بعد أن جرب وأعطى الفرصة لمدة 4 أعوام...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
خالد الحدّاد
سياسة التشكيك والمغالطات
يُنجز جزء كبير من الحراك السياسي في بلادنا بعيدا عن الشفافيّة المطلوبة وفي إطار صراعات الأهواء والمصالح وحروب التموقع التي لم تتخلّص منها الحياة الوطنية على الرغم من الخطوات...
المزيد >>