بورقيبة المجاهد الأكبر
خالد الحدّاد
سياسة التشكيك والمغالطات
يُنجز جزء كبير من الحراك السياسي في بلادنا بعيدا عن الشفافيّة المطلوبة وفي إطار صراعات الأهواء والمصالح وحروب التموقع التي لم تتخلّص منها الحياة الوطنية على الرغم من الخطوات...
المزيد >>
بورقيبة المجاهد الأكبر
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 05 مارس 2018

كثير من الذين يتحدّثون أو يكتبون عن بورقيبة لا يعرفونه معرفة عميقة وعندما أقول لا يعرفونه فلا أعني أنهم لم يسمعوا به أو لم يروه ولكنّي أقصد أنهم لم يسبروا أغواره ولم يغوصوا في أسرار حياته وأسباب انخراطه في العمل النضالي وتفانيه في حبّ تونس وقبول كل التضحيات من أجل عزّتها وكرامتها.
بورقيبة لم يحكم تونس ولم يكن يشعر بأنه الحاكم فيها أو بأنه رئيسها بل كان يؤمن إيمانا صادقا حنينيا بأنه أب التونسيين جميعا وأنه واحد منهم وأنه إنما لاقى الصعاب وذاق مرارة السجون وتحمل قسوة المنافي والابعاد من أجلهم.
هو رآهم وعاشرهم في تجواله واتصالاته المباشرة بهم في الأرياف والمدن والقرى والصحاري والجبال واطّلع عن أحوالهم وشاهد كيف يفعل المستعمر بهم يقهرهم ويذلّهم ويعتدي عليهم ظلما وقهرا واستعبادا يتحكّم في أرزاقهم ويتصرّف في أراضيهم بينما أصحاب الأرض ومالكوها الأصليون مستسلمون معتقدون أنه القضاء والقدر ولا حول لهم ولا قوة في تغيير واقعهم وتحسين أوضاعهم.
عايش بورقيبة كل هذه المآسي ومارسها وتغلّب فيها وتدبّرها فقرّر تغييرها وتبديلها إيمانا وحسا واعتقادا وثورة ـ وهو أمر ليس باليسير ولا قريب المنال ولا مستحيلا كذلك حسب اعتقاده. ولذلك ألقى عصا التسيار وبدأ يخطّط لانجاز ما أوحت له به قريحته من تعبير الظلم عدلا والجهل علما والتواكل توكّلا والمذلّة شموخا والانهزام صمودا والنوايا أفعالا.
وقد يكون أن بورقيبة قال إن تونس يصعب أن تنتج رجلا مثلي باعتباره عايش شعبها جنبا الى جنب مدّة أربعين عاما تقريبا. وهذا صحيح لأن الذين يتصوّرون أنهم في خدمة تونس ليس في امكانهم معاشرة شعبها مدّة أربعين عاما في الوقت الحاضر لأن العصر غير العصر والأوضاع غير الأوضاع.
ولذلك عندما يتحدث الناس وحتى الدستوريون عن بورقيبة ويقولون إنه لم يكن يؤمن بالديمقراطية وكان متفرّدا بالحكم ولا يقبل الرأي المخالف فإنهم يجانبون الحقيقة ويعتدون على الواقع وعلى الرجل نفسه.
فبورقيبة الذي ضحى بحريته ومصالحه الشخصية وقدّم نفسه في كثير من المناسبات إلى الموت وأنقذ البلاد من الظلم والاستبداد وحقق لها العزّة والمناعة ـ كان ضغينا عليها بمن لم يقدم التضحية من أجلها او يبذل نشاط لفائدتها ـ ولذلك فهو لم يكن يفكّر أبدا في جمع المال ولا في أبهة السلطة بل كان يعتبر نفسه أبا للشعب التونسي يسهر على تعليمه وتكوينه وتثقيفه وتحسين مستوى عيشه بمعية أعضاده الوزراء الذين كانوا معه والذين كان يعتبرهم ابناءه ويشكلون معه أسرة واحدة غايتها خدمة الشعب.
وقد يكون هذا الشعور لدى بورقيبة هو الذي جعله لا يميل الى التعددية السياسية وبروز أفكار متباينة وآراء متخالفة خوفا عن الدولة الحديثة التي بدأ في انشائها من الانزلاق الى متاهة الخلافات والتحالفات وظهور النزعات والنزاعات بما قد يؤثر سلبا على بناء الدولة الحديثة ويعطل مسيرتها وارساءها على قواعد ثابتة نحو النمو والتقدم.
هذا ما جعل الحديث عن الديمقراطية والتعددية غير ذي موضوع في ذلك الوقت الى جانب ان بورقيبة لم يكن يرفض مطلقا اي رأي وجيه بدليل أنه في النهاية أوصلت البلاد الى شبه افلاس. ثم إن بورقيبة اذا كان لا يقبل التعدد ولا يستهويه فلأن أصحاب المذاهب والنظريات لم يقدّموا لتونس ما ييسر العمل معهم. ومن أجل ذلك كان بورقيبة يكتفي بالعلم والتنسيق مع المتعاطفين معه الذين خبر حبّهم لتونس وكفاءتهم وإخلاصهم لخدمتها بصدق وتفان.
فموضوع ما يُسمى اليوم بالديمقراطية لم يكن وقتها مطروحا ولا يشغل بال بورقيبة ولا الذين يعملون معه لأن همّهم الوحيد كان العمل من اجل بناء تونس جديدة متطورة خالية من الفقر والجهل والمرض، وهو أمر يتطلب وحدة الكلمة وشرف المقصد بعيدا عن المواضيع الأخرى كالتعددية والديمقراطية وحرية الرأي وغيرها مما قد يعطل ويعرقل.
إن ما يقال بأن بورقيبة كان رائدا في منجزه الاجتماعي مثل مقاومة الفقر والجهل والمرض وكذلك تحرير المرأة وتعصير الادارة وتطوير القضاء وانشاء هياكل الامن وإقامة جهاز الجيش والدفاع ولكنه لم يكن رائدا في المجال السياسي أمر عنيد واقعي ومرفوض عن الاطلاق ناهيك ان بورقيبة قبل الحكم الذاتي باعتباره يجعل التونسيين مسؤولين وحدهم على شؤون بلادهم رغم بعض الثغرات والنقائص في حين ان رفيقه في الحزب وأمينه العام كان رافضا لهذا التوجه ما أدى الى اندلاع فتنة في البلاد وانقسام التونسيين الى فريقين. ورغم ان بورقيبة قبل تحكيم مؤتمر الحزب وهو وحده الفصل في هذا الخلاف الا ان منافسه رفض حتى الحضور وبقي على موقفه الرافض رغ التفاف المؤتمرين بالإجماع حول موقف بورقيبة وكان يقول صراحة إما أنا وإما بورقيبة. فهل هذا معناه التعددية والرأي والرأي المخاف؟ لا حول ولا قوة الا بالله.
بعد حصول البلاد على الاستقلال الكامل وقيام النظام الجمهوري وتحقيق أشواط هامة على درب التقدم والبناء والتعمير عمدت مجموعة مما يسمونهم بالمعارضين لتوجهات بورقيبة لا الى ازاحته بل الى قتله. هل هذه هي الديمقراطية؟ ليس م حق الذين يدّعون تحليل التاريخ والحكم على الاشخاص ان ينسبوا الى بورقيبة الدكتاتورية، بل الحق هو ان الذين سعوا الى قتله هم الدكتاتوريون.
وليس من حق الدستوريين وليس مقبولا منهم ان يقولوا إن بورقيبة فعلا لم يكن ناجحا في ميدان الحريات مثل نجاحه في ميدان الاجتماع الدستوريون هم كانوا كما كان زعيمهم وقائدهم بورقيبة رجال المرحلة وكان متوجبا عليهم المحافظة على وحدة الصف وعلى الانسجام تحقيقا للأهداف المتفق عليها وهي بناء تونس جديدة ونشر العدل وتحقيق التنمية، وكل صوت نشاز في تلك المنظومة المتألقة المتضامنة يكون غير مقبول محافظة على التواصل. ومن هنا جاءت فكرة بورقيبة في عدم الاستماع الى الرأي المخالف لا لاستنقاص أصحابه او اقصائهم بل لأن تونس الجديدة مازالت في مرحلة التكوين ولا يمكن نسب هذا الموقف الى الدكتاتورية بل هو في صميم المصلحة. ثم أوليس بورقيبة عندما اتفقت جماعته وهم في المنفى على تقديم اعتذار للمقيم العام قصد اطلاق سراحهم أمضى معهم على الوثيقة نزولا عند رأي الأغلبية ومحافظة على وحدة الكلمة وفي ذلك نظرة بعيدة الى المصلحة وقبول الرأي المخالف.
وفي خصوص موقف بورقيبة من جامع الزيتونة فإنه لم يلغه بل طوّره الى جامعة علما بأن الزيتونيين أنفسهم لم يكونوا راضين لا على البرامج ولا على الطرق. وليس في هذا الموقف تقليل من قيمة الزيتونة ومن اللغة العربية وحتى من شؤون الدين. بل العكس هو الصواب فكثيرا مها كان بورقيبة يعتلي المنبر ويلقي بعض الخطب الدينية كما كان بورقيبة يتقن اللغة العربية بصفة جيدة تكلّما وكتابة أليس هو متحصلا على البروفي العربي (Brevet d'arabe) والديبلوم العالي للغة العربية (Diplome supérieur d'arabe) واذا كان هو يقدّر اللغة الفرنسية لكونها لغة العلم والحضارة فليس ذلك دليلا على إيلائه قيمة لها أكبر من لغة البلاد الأصلية.
وفيما يلي أنموذج من تحرير بورقيبة باللغة العربية وتبيان لفكره في خدمة الوطن والتضحية من أجله ونكران للذات.
فقد بعث رسالة الى الدكتور الماطري بتاريخ 1951 من مدنية سان فرانسيسكو (San Francisco) بالولايات المتحدة الامريكية التي سافر اليها بدعوة من النقابات الأمريكية جاء فيها:
«وان قضيت نحبي في المعركة القادمة فستكون أنت جاهزا مع كثيرين غيرك لتشهد أني أحببت هذا الشعب التونسي وضحيت في سبيله بكل شيء وخدمته بشجاعة ونزاهة. إني لا أرى ما يخبّئه لي المستقبل، ومهما كان الأمر فسيبقى لي الشعور بأني قمت بواجبي ولا أنتظر جزاء أو أجرا. وقل لنفسك إن الحياة لا تستحق أن يحياها الإنسان إلا بشرط أن يسخرها لقضية وهي تحرير وطنه. وأرجو أن تكون الحياة التي عشتها مثالا وعبرة لكل الذين سيأتون من بعدي ـ وبهذا الشرط ستسترجع تونس طال الزمان أو قصر حريتها وكرامتها وشرفها».
هذا تحرير بورقيبة بالعربية وفيه بيان واضح بما كان يعتمل في نفسه من حبّ لتونس وتسخير حياته لخدمتها صابرا على تحمّل الأذى والمكروه، غير راغب من وراء ذلك في منصب ولا جاه ولا سلطان، بل هو لا يعرف ما يخبّئه له المستقبل. أفي كل هذا ولو مقدار ذرّة من الدكتاتورية؟
وبعد فإن نضال بورقيبة لم يكن قولا وخطابة واتصالا بالمواطنين فقط بل كان عقيدة راسخة وسلوكا مبينا ما أدى إلى قضاء جزء غير يسير من حياته في السّجون والمنافي في البحار والجبال والصحاري داخل الوطن وخارجه.

عمر عبد الباري
مقترح مبادرة وطنية موجهة إلى الأغلبية الوطنية المنحازة لقضية فلسطين
19 ماي 2018 السّاعة 17:30
الشروق اون لاين – محمد الطاهر: كتب الاستاذ الجامعة التونسية والمنسق العلمي لشبكة باب المغاربة للدراسات...
المزيد >>
المدرسة والبلدية :علاقات استراتيجية أهملتها البرامج الانتخابية
14 ماي 2018 السّاعة 21:00
تتجه الأنظار في تونس الى الانتخابات البلدية القادمة التي تحظى باهتمام واسع من مختلف الشرائح الاجتماعية ومن...
المزيد >>
ما أشبـه اليــوم بالبارحـــة
14 ماي 2018 السّاعة 21:00
والتاريخ يعيد نفسه أو نستنطقونه أحيانا وهو صورة طبق الأصل من الماضي السحيق الضارب في القدم ويتشابه في...
المزيد >>
حربوشـــة ثقيلــــة الــوزن معبــــــرة ومدوية وصريحة
14 ماي 2018 السّاعة 21:00
شعبنا الأبي الوفي الذكي المسالم الواعي والمثقف وصاحب المواعيد الحاسمة بعد أن جرب وأعطى الفرصة لمدة 4 أعوام...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
بورقيبة المجاهد الأكبر
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 05 مارس 2018

كثير من الذين يتحدّثون أو يكتبون عن بورقيبة لا يعرفونه معرفة عميقة وعندما أقول لا يعرفونه فلا أعني أنهم لم يسمعوا به أو لم يروه ولكنّي أقصد أنهم لم يسبروا أغواره ولم يغوصوا في أسرار حياته وأسباب انخراطه في العمل النضالي وتفانيه في حبّ تونس وقبول كل التضحيات من أجل عزّتها وكرامتها.
بورقيبة لم يحكم تونس ولم يكن يشعر بأنه الحاكم فيها أو بأنه رئيسها بل كان يؤمن إيمانا صادقا حنينيا بأنه أب التونسيين جميعا وأنه واحد منهم وأنه إنما لاقى الصعاب وذاق مرارة السجون وتحمل قسوة المنافي والابعاد من أجلهم.
هو رآهم وعاشرهم في تجواله واتصالاته المباشرة بهم في الأرياف والمدن والقرى والصحاري والجبال واطّلع عن أحوالهم وشاهد كيف يفعل المستعمر بهم يقهرهم ويذلّهم ويعتدي عليهم ظلما وقهرا واستعبادا يتحكّم في أرزاقهم ويتصرّف في أراضيهم بينما أصحاب الأرض ومالكوها الأصليون مستسلمون معتقدون أنه القضاء والقدر ولا حول لهم ولا قوة في تغيير واقعهم وتحسين أوضاعهم.
عايش بورقيبة كل هذه المآسي ومارسها وتغلّب فيها وتدبّرها فقرّر تغييرها وتبديلها إيمانا وحسا واعتقادا وثورة ـ وهو أمر ليس باليسير ولا قريب المنال ولا مستحيلا كذلك حسب اعتقاده. ولذلك ألقى عصا التسيار وبدأ يخطّط لانجاز ما أوحت له به قريحته من تعبير الظلم عدلا والجهل علما والتواكل توكّلا والمذلّة شموخا والانهزام صمودا والنوايا أفعالا.
وقد يكون أن بورقيبة قال إن تونس يصعب أن تنتج رجلا مثلي باعتباره عايش شعبها جنبا الى جنب مدّة أربعين عاما تقريبا. وهذا صحيح لأن الذين يتصوّرون أنهم في خدمة تونس ليس في امكانهم معاشرة شعبها مدّة أربعين عاما في الوقت الحاضر لأن العصر غير العصر والأوضاع غير الأوضاع.
ولذلك عندما يتحدث الناس وحتى الدستوريون عن بورقيبة ويقولون إنه لم يكن يؤمن بالديمقراطية وكان متفرّدا بالحكم ولا يقبل الرأي المخالف فإنهم يجانبون الحقيقة ويعتدون على الواقع وعلى الرجل نفسه.
فبورقيبة الذي ضحى بحريته ومصالحه الشخصية وقدّم نفسه في كثير من المناسبات إلى الموت وأنقذ البلاد من الظلم والاستبداد وحقق لها العزّة والمناعة ـ كان ضغينا عليها بمن لم يقدم التضحية من أجلها او يبذل نشاط لفائدتها ـ ولذلك فهو لم يكن يفكّر أبدا في جمع المال ولا في أبهة السلطة بل كان يعتبر نفسه أبا للشعب التونسي يسهر على تعليمه وتكوينه وتثقيفه وتحسين مستوى عيشه بمعية أعضاده الوزراء الذين كانوا معه والذين كان يعتبرهم ابناءه ويشكلون معه أسرة واحدة غايتها خدمة الشعب.
وقد يكون هذا الشعور لدى بورقيبة هو الذي جعله لا يميل الى التعددية السياسية وبروز أفكار متباينة وآراء متخالفة خوفا عن الدولة الحديثة التي بدأ في انشائها من الانزلاق الى متاهة الخلافات والتحالفات وظهور النزعات والنزاعات بما قد يؤثر سلبا على بناء الدولة الحديثة ويعطل مسيرتها وارساءها على قواعد ثابتة نحو النمو والتقدم.
هذا ما جعل الحديث عن الديمقراطية والتعددية غير ذي موضوع في ذلك الوقت الى جانب ان بورقيبة لم يكن يرفض مطلقا اي رأي وجيه بدليل أنه في النهاية أوصلت البلاد الى شبه افلاس. ثم إن بورقيبة اذا كان لا يقبل التعدد ولا يستهويه فلأن أصحاب المذاهب والنظريات لم يقدّموا لتونس ما ييسر العمل معهم. ومن أجل ذلك كان بورقيبة يكتفي بالعلم والتنسيق مع المتعاطفين معه الذين خبر حبّهم لتونس وكفاءتهم وإخلاصهم لخدمتها بصدق وتفان.
فموضوع ما يُسمى اليوم بالديمقراطية لم يكن وقتها مطروحا ولا يشغل بال بورقيبة ولا الذين يعملون معه لأن همّهم الوحيد كان العمل من اجل بناء تونس جديدة متطورة خالية من الفقر والجهل والمرض، وهو أمر يتطلب وحدة الكلمة وشرف المقصد بعيدا عن المواضيع الأخرى كالتعددية والديمقراطية وحرية الرأي وغيرها مما قد يعطل ويعرقل.
إن ما يقال بأن بورقيبة كان رائدا في منجزه الاجتماعي مثل مقاومة الفقر والجهل والمرض وكذلك تحرير المرأة وتعصير الادارة وتطوير القضاء وانشاء هياكل الامن وإقامة جهاز الجيش والدفاع ولكنه لم يكن رائدا في المجال السياسي أمر عنيد واقعي ومرفوض عن الاطلاق ناهيك ان بورقيبة قبل الحكم الذاتي باعتباره يجعل التونسيين مسؤولين وحدهم على شؤون بلادهم رغم بعض الثغرات والنقائص في حين ان رفيقه في الحزب وأمينه العام كان رافضا لهذا التوجه ما أدى الى اندلاع فتنة في البلاد وانقسام التونسيين الى فريقين. ورغم ان بورقيبة قبل تحكيم مؤتمر الحزب وهو وحده الفصل في هذا الخلاف الا ان منافسه رفض حتى الحضور وبقي على موقفه الرافض رغ التفاف المؤتمرين بالإجماع حول موقف بورقيبة وكان يقول صراحة إما أنا وإما بورقيبة. فهل هذا معناه التعددية والرأي والرأي المخاف؟ لا حول ولا قوة الا بالله.
بعد حصول البلاد على الاستقلال الكامل وقيام النظام الجمهوري وتحقيق أشواط هامة على درب التقدم والبناء والتعمير عمدت مجموعة مما يسمونهم بالمعارضين لتوجهات بورقيبة لا الى ازاحته بل الى قتله. هل هذه هي الديمقراطية؟ ليس م حق الذين يدّعون تحليل التاريخ والحكم على الاشخاص ان ينسبوا الى بورقيبة الدكتاتورية، بل الحق هو ان الذين سعوا الى قتله هم الدكتاتوريون.
وليس من حق الدستوريين وليس مقبولا منهم ان يقولوا إن بورقيبة فعلا لم يكن ناجحا في ميدان الحريات مثل نجاحه في ميدان الاجتماع الدستوريون هم كانوا كما كان زعيمهم وقائدهم بورقيبة رجال المرحلة وكان متوجبا عليهم المحافظة على وحدة الصف وعلى الانسجام تحقيقا للأهداف المتفق عليها وهي بناء تونس جديدة ونشر العدل وتحقيق التنمية، وكل صوت نشاز في تلك المنظومة المتألقة المتضامنة يكون غير مقبول محافظة على التواصل. ومن هنا جاءت فكرة بورقيبة في عدم الاستماع الى الرأي المخالف لا لاستنقاص أصحابه او اقصائهم بل لأن تونس الجديدة مازالت في مرحلة التكوين ولا يمكن نسب هذا الموقف الى الدكتاتورية بل هو في صميم المصلحة. ثم أوليس بورقيبة عندما اتفقت جماعته وهم في المنفى على تقديم اعتذار للمقيم العام قصد اطلاق سراحهم أمضى معهم على الوثيقة نزولا عند رأي الأغلبية ومحافظة على وحدة الكلمة وفي ذلك نظرة بعيدة الى المصلحة وقبول الرأي المخالف.
وفي خصوص موقف بورقيبة من جامع الزيتونة فإنه لم يلغه بل طوّره الى جامعة علما بأن الزيتونيين أنفسهم لم يكونوا راضين لا على البرامج ولا على الطرق. وليس في هذا الموقف تقليل من قيمة الزيتونة ومن اللغة العربية وحتى من شؤون الدين. بل العكس هو الصواب فكثيرا مها كان بورقيبة يعتلي المنبر ويلقي بعض الخطب الدينية كما كان بورقيبة يتقن اللغة العربية بصفة جيدة تكلّما وكتابة أليس هو متحصلا على البروفي العربي (Brevet d'arabe) والديبلوم العالي للغة العربية (Diplome supérieur d'arabe) واذا كان هو يقدّر اللغة الفرنسية لكونها لغة العلم والحضارة فليس ذلك دليلا على إيلائه قيمة لها أكبر من لغة البلاد الأصلية.
وفيما يلي أنموذج من تحرير بورقيبة باللغة العربية وتبيان لفكره في خدمة الوطن والتضحية من أجله ونكران للذات.
فقد بعث رسالة الى الدكتور الماطري بتاريخ 1951 من مدنية سان فرانسيسكو (San Francisco) بالولايات المتحدة الامريكية التي سافر اليها بدعوة من النقابات الأمريكية جاء فيها:
«وان قضيت نحبي في المعركة القادمة فستكون أنت جاهزا مع كثيرين غيرك لتشهد أني أحببت هذا الشعب التونسي وضحيت في سبيله بكل شيء وخدمته بشجاعة ونزاهة. إني لا أرى ما يخبّئه لي المستقبل، ومهما كان الأمر فسيبقى لي الشعور بأني قمت بواجبي ولا أنتظر جزاء أو أجرا. وقل لنفسك إن الحياة لا تستحق أن يحياها الإنسان إلا بشرط أن يسخرها لقضية وهي تحرير وطنه. وأرجو أن تكون الحياة التي عشتها مثالا وعبرة لكل الذين سيأتون من بعدي ـ وبهذا الشرط ستسترجع تونس طال الزمان أو قصر حريتها وكرامتها وشرفها».
هذا تحرير بورقيبة بالعربية وفيه بيان واضح بما كان يعتمل في نفسه من حبّ لتونس وتسخير حياته لخدمتها صابرا على تحمّل الأذى والمكروه، غير راغب من وراء ذلك في منصب ولا جاه ولا سلطان، بل هو لا يعرف ما يخبّئه له المستقبل. أفي كل هذا ولو مقدار ذرّة من الدكتاتورية؟
وبعد فإن نضال بورقيبة لم يكن قولا وخطابة واتصالا بالمواطنين فقط بل كان عقيدة راسخة وسلوكا مبينا ما أدى إلى قضاء جزء غير يسير من حياته في السّجون والمنافي في البحار والجبال والصحاري داخل الوطن وخارجه.

عمر عبد الباري
مقترح مبادرة وطنية موجهة إلى الأغلبية الوطنية المنحازة لقضية فلسطين
19 ماي 2018 السّاعة 17:30
الشروق اون لاين – محمد الطاهر: كتب الاستاذ الجامعة التونسية والمنسق العلمي لشبكة باب المغاربة للدراسات...
المزيد >>
المدرسة والبلدية :علاقات استراتيجية أهملتها البرامج الانتخابية
14 ماي 2018 السّاعة 21:00
تتجه الأنظار في تونس الى الانتخابات البلدية القادمة التي تحظى باهتمام واسع من مختلف الشرائح الاجتماعية ومن...
المزيد >>
ما أشبـه اليــوم بالبارحـــة
14 ماي 2018 السّاعة 21:00
والتاريخ يعيد نفسه أو نستنطقونه أحيانا وهو صورة طبق الأصل من الماضي السحيق الضارب في القدم ويتشابه في...
المزيد >>
حربوشـــة ثقيلــــة الــوزن معبــــــرة ومدوية وصريحة
14 ماي 2018 السّاعة 21:00
شعبنا الأبي الوفي الذكي المسالم الواعي والمثقف وصاحب المواعيد الحاسمة بعد أن جرب وأعطى الفرصة لمدة 4 أعوام...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
خالد الحدّاد
سياسة التشكيك والمغالطات
يُنجز جزء كبير من الحراك السياسي في بلادنا بعيدا عن الشفافيّة المطلوبة وفي إطار صراعات الأهواء والمصالح وحروب التموقع التي لم تتخلّص منها الحياة الوطنية على الرغم من الخطوات...
المزيد >>