بكل موضوعيّة:جدية الرّهان على الثقافة العالمة
خالد الحدّاد
سياسة التشكيك والمغالطات
يُنجز جزء كبير من الحراك السياسي في بلادنا بعيدا عن الشفافيّة المطلوبة وفي إطار صراعات الأهواء والمصالح وحروب التموقع التي لم تتخلّص منها الحياة الوطنية على الرغم من الخطوات...
المزيد >>
بكل موضوعيّة:جدية الرّهان على الثقافة العالمة
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 21 فيفري 2018

نعتقد أن التفكير في واقع الممارسات الثّقافية في مجتمعاتنا من المسائل المهمة باعتبار أنّها تمكننا من تحصين الناشئة جماليا من الظواهر المعادية للحياة أولا ولقيم الحوار والتسامح في مستوياته كافة.

إن تنشئة أطفالنا على الشغف بالمطالعة والموسيقى والرسم والمسرح والممارسات الثقافية العالمة بشكل عام هو أكثر عمل جدي ومثمر يمكن أن نقوم به وذلك لأنه عمل يصب في عملية البناء الإنساني وكيفية تأصيل كيان الذات العربية بالجمال والضوء وإشباعها بالهواء النّقي الذي تجود به كتب الأدب والفكر ومعارض الفنون التشكيلية والأفلام وأغاني الزمن الجميل الماضي منه والمنتظر أيضا: هواءٌ يقينا شرور الجهل العدو الأكبر للإنسان.
المشكلة أن النظرة إلى الثقافة العالمة ممارسة وإقبالا وإنتاجا مازالت تخضع إلى مقاربة نخبوية، كما أن التعاطي معها كشأن نخبوي لا يشمل الفئات الاجتماعية كافة ولم تبلغ مرتبة ما هو حيوي في المعيش الاجتماعي اليومي حيث إننا نعتبر أن الثقافة العالمة ترف والحال أنها ضرورة. لم نقطع خطوات مهمة في مجال الانتقال من طور الترف إلى الضرورة رغم ارتفاع نسبة التّمدرس والانتشار النسبي للمسارح ودور السينما وأروقة الفنون التشكيلية والمكتبات للمطالعة. هناك فجوة بين نسبة التمدرس والمؤشرات الكميّة للممارسات الثقافية.
ويبدو لنا أن هذا الخلل يعود إلى ضعف الايمان بدور الثقافة العالمة في عملية التغيير الاجتماعي القيمي وهو ضعف عبرت عنه غالبية السياسات التونسية والعربية التي لم تكن الثقافة هدفا من أهدافها بقدر ما تم توظيفها كآلية لمضامين أحيانا تبدو هادمة لطبيعة مضمون المنتوجات الثقافية.
فالثّقافة ليست من أولويات الأطر الاجتماعيّة في المجتمعات العربيّة وهي حاضرة بنسبة ضئيلة لا تمنحها قوة الفعل والتغيير في العقليات والتّصورات. وهذا في الحقيقة نقص ونقطة ضعف لأن الفرد ينشأ على حبّ الثقافة وينمو الشغف عنده بالقدر الذي ينمو في العمر والجسد. فهو شغف يرافقنا منذ الصغر ويكبر معنا وفينا، وهو الذي يقوم بتشكيلنا على نحو نكون فيه متصالحين مع أنفسنا والآخر ومقبلين على الحياة بعشق وانفتاح الشيء الذي يجعل مساحات الداخل الإنساني شاسعة ومتسامحة ومرنة.
إن الفرد الذي ينشأ على حب الفن والثقافة والقراءة ومولع بارتشاف الجمال والإبداع لا يمكن أن يكون ضيقا في روحه ونفسه ولا محدودا في تفكيره. فالويلات التي نعاني منها اليوم في ثقافتنا في معانيها المختلفة وأشدّها معناها الحضاري إنّما هي ويلات نتاج تربية لم تول أهمية تذكر للثقافة العالمة والتّربية التي تفتقر إلى أثر الثّقافة العالمة هي تربيّة فقيرة وفاقدة لموارد التنشئة الحقة.
يمكن أن نطرح السؤال بأكثر بساطة ومباشراتيّة: كيف يمكن أن تكون علاقة الطفل عندما يكبر بالحياة والآخرين ونفسه والثقافات والرؤى المختلفة للأشياء والعالم وهو الذي كبر دون استمتاع بالمطالعة ولا قراءة لفكر يأخذه إلى لذة الحيرة ودون أن تزهر روحه بأعذب الألحان وأروع الكلمات والصور؟
هل يمكن الاطمئنان لجيل تربى على علاقة ضعيفة وهامشيّة مع الجمال والإنساني الرحب وتذوق نجاحات المبدعين والمفكرين في صنع الدهشة وغربال العقل كي يعيد جمع شتاته وتقليب أفكاره وبلوغ الاستقرار في حالة فكرية لا ترضى بغير التفكير المتواصل مستقرا؟
ما ينقصنا فعلا هو جدية الرّهان على الثقافة العالمة في الأسرة والمدرسة ووسائل الإعلام باعتبار أهمية دور هذه المؤسسات في التربية على الممارسات الثقافية العالمة وتعويد الطفل وايقاع الطفل في الشغف بها قبل أن تتحدد شخصيته بعيدا عن تأثيرها وعن ايلائها الموقع اللازم في حياته اليومية.
يظهر لنا أن معالجة ظواهر العنف والتّشدد والانغلاق وعراقيل التواصل مع الذات والآخر تبدأ منذ الصغر من خلال العلاج بالوقاية أي العلاج قبل ظهور المرض كما يجدر بالمجتمعات العريقة حضاريا وثقافيا أن تفعل. فالحضارة التي قامت على الشعر الجامع في عظمته لكل الفنون والثقافة التي توسدت عشق اللغة في إثبات جدارة الوجود والاستمرارية لا يليق بها أن تهمش الفنون والثقافة في اختياراتها واستراتيجياتها الهادفة الى بناء فرد تونسي بصحة نفسية ووجدانية وفكرية جيدة وإيجابية وتجيد التفاعل الخلاق. تحصن الثقافة العالمة أطفالنا وشبابنا وتمكنهم من قضاء عمر حقيقي في الحياة والعطاء والإبداع في الأداء الإنساني.
هكذا يُنتج المجتمع جيلا قادرا على مواصلة قيادة قطار التنمية وخاصة جيلا ينعم بحياة حقيقية.

د. آمال موسى
أولا وأخيرا:لا حســـــــــاب تحـت التوتــــــة
20 ماي 2018 السّاعة 21:00
بالأمس القريب في ذاك الزمن الجميل رغم الفقر والفاقة والحاجة يوم كانت السعادة تغمرنا لأبسط مكسب ولو كان ثمن...
المزيد >>
إشراقات 2:صورة أخرى
20 ماي 2018 السّاعة 21:00
اقرؤوا معي هذه الفقرة ثمّ سأذكر لكم من أين اخترتها لكم: «أمّا السكن فلم نتمتّع مع الأسف بالسكن الجامعي بل...
المزيد >>
حدث وحديث:«وقتاش اتجي كار الـعشرة ؟»
19 ماي 2018 السّاعة 21:00
على كامل مدى الأسبوع المنقضي ووسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي لا تكفّ تذكر حادثة القطار الياباني الذي...
المزيد >>
ردّ من المدرسة الخاصة على ولاية تونس
19 ماي 2018 السّاعة 21:00
..وبعد ما ورد من توضيحات من ولاية تونس حول الأسباب الحقيقية لعدم منح رخصة لفائدة مدرسة ابتدائية نفيدكم أن...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
بكل موضوعيّة:جدية الرّهان على الثقافة العالمة
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 21 فيفري 2018

نعتقد أن التفكير في واقع الممارسات الثّقافية في مجتمعاتنا من المسائل المهمة باعتبار أنّها تمكننا من تحصين الناشئة جماليا من الظواهر المعادية للحياة أولا ولقيم الحوار والتسامح في مستوياته كافة.

إن تنشئة أطفالنا على الشغف بالمطالعة والموسيقى والرسم والمسرح والممارسات الثقافية العالمة بشكل عام هو أكثر عمل جدي ومثمر يمكن أن نقوم به وذلك لأنه عمل يصب في عملية البناء الإنساني وكيفية تأصيل كيان الذات العربية بالجمال والضوء وإشباعها بالهواء النّقي الذي تجود به كتب الأدب والفكر ومعارض الفنون التشكيلية والأفلام وأغاني الزمن الجميل الماضي منه والمنتظر أيضا: هواءٌ يقينا شرور الجهل العدو الأكبر للإنسان.
المشكلة أن النظرة إلى الثقافة العالمة ممارسة وإقبالا وإنتاجا مازالت تخضع إلى مقاربة نخبوية، كما أن التعاطي معها كشأن نخبوي لا يشمل الفئات الاجتماعية كافة ولم تبلغ مرتبة ما هو حيوي في المعيش الاجتماعي اليومي حيث إننا نعتبر أن الثقافة العالمة ترف والحال أنها ضرورة. لم نقطع خطوات مهمة في مجال الانتقال من طور الترف إلى الضرورة رغم ارتفاع نسبة التّمدرس والانتشار النسبي للمسارح ودور السينما وأروقة الفنون التشكيلية والمكتبات للمطالعة. هناك فجوة بين نسبة التمدرس والمؤشرات الكميّة للممارسات الثقافية.
ويبدو لنا أن هذا الخلل يعود إلى ضعف الايمان بدور الثقافة العالمة في عملية التغيير الاجتماعي القيمي وهو ضعف عبرت عنه غالبية السياسات التونسية والعربية التي لم تكن الثقافة هدفا من أهدافها بقدر ما تم توظيفها كآلية لمضامين أحيانا تبدو هادمة لطبيعة مضمون المنتوجات الثقافية.
فالثّقافة ليست من أولويات الأطر الاجتماعيّة في المجتمعات العربيّة وهي حاضرة بنسبة ضئيلة لا تمنحها قوة الفعل والتغيير في العقليات والتّصورات. وهذا في الحقيقة نقص ونقطة ضعف لأن الفرد ينشأ على حبّ الثقافة وينمو الشغف عنده بالقدر الذي ينمو في العمر والجسد. فهو شغف يرافقنا منذ الصغر ويكبر معنا وفينا، وهو الذي يقوم بتشكيلنا على نحو نكون فيه متصالحين مع أنفسنا والآخر ومقبلين على الحياة بعشق وانفتاح الشيء الذي يجعل مساحات الداخل الإنساني شاسعة ومتسامحة ومرنة.
إن الفرد الذي ينشأ على حب الفن والثقافة والقراءة ومولع بارتشاف الجمال والإبداع لا يمكن أن يكون ضيقا في روحه ونفسه ولا محدودا في تفكيره. فالويلات التي نعاني منها اليوم في ثقافتنا في معانيها المختلفة وأشدّها معناها الحضاري إنّما هي ويلات نتاج تربية لم تول أهمية تذكر للثقافة العالمة والتّربية التي تفتقر إلى أثر الثّقافة العالمة هي تربيّة فقيرة وفاقدة لموارد التنشئة الحقة.
يمكن أن نطرح السؤال بأكثر بساطة ومباشراتيّة: كيف يمكن أن تكون علاقة الطفل عندما يكبر بالحياة والآخرين ونفسه والثقافات والرؤى المختلفة للأشياء والعالم وهو الذي كبر دون استمتاع بالمطالعة ولا قراءة لفكر يأخذه إلى لذة الحيرة ودون أن تزهر روحه بأعذب الألحان وأروع الكلمات والصور؟
هل يمكن الاطمئنان لجيل تربى على علاقة ضعيفة وهامشيّة مع الجمال والإنساني الرحب وتذوق نجاحات المبدعين والمفكرين في صنع الدهشة وغربال العقل كي يعيد جمع شتاته وتقليب أفكاره وبلوغ الاستقرار في حالة فكرية لا ترضى بغير التفكير المتواصل مستقرا؟
ما ينقصنا فعلا هو جدية الرّهان على الثقافة العالمة في الأسرة والمدرسة ووسائل الإعلام باعتبار أهمية دور هذه المؤسسات في التربية على الممارسات الثقافية العالمة وتعويد الطفل وايقاع الطفل في الشغف بها قبل أن تتحدد شخصيته بعيدا عن تأثيرها وعن ايلائها الموقع اللازم في حياته اليومية.
يظهر لنا أن معالجة ظواهر العنف والتّشدد والانغلاق وعراقيل التواصل مع الذات والآخر تبدأ منذ الصغر من خلال العلاج بالوقاية أي العلاج قبل ظهور المرض كما يجدر بالمجتمعات العريقة حضاريا وثقافيا أن تفعل. فالحضارة التي قامت على الشعر الجامع في عظمته لكل الفنون والثقافة التي توسدت عشق اللغة في إثبات جدارة الوجود والاستمرارية لا يليق بها أن تهمش الفنون والثقافة في اختياراتها واستراتيجياتها الهادفة الى بناء فرد تونسي بصحة نفسية ووجدانية وفكرية جيدة وإيجابية وتجيد التفاعل الخلاق. تحصن الثقافة العالمة أطفالنا وشبابنا وتمكنهم من قضاء عمر حقيقي في الحياة والعطاء والإبداع في الأداء الإنساني.
هكذا يُنتج المجتمع جيلا قادرا على مواصلة قيادة قطار التنمية وخاصة جيلا ينعم بحياة حقيقية.

د. آمال موسى
أولا وأخيرا:لا حســـــــــاب تحـت التوتــــــة
20 ماي 2018 السّاعة 21:00
بالأمس القريب في ذاك الزمن الجميل رغم الفقر والفاقة والحاجة يوم كانت السعادة تغمرنا لأبسط مكسب ولو كان ثمن...
المزيد >>
إشراقات 2:صورة أخرى
20 ماي 2018 السّاعة 21:00
اقرؤوا معي هذه الفقرة ثمّ سأذكر لكم من أين اخترتها لكم: «أمّا السكن فلم نتمتّع مع الأسف بالسكن الجامعي بل...
المزيد >>
حدث وحديث:«وقتاش اتجي كار الـعشرة ؟»
19 ماي 2018 السّاعة 21:00
على كامل مدى الأسبوع المنقضي ووسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي لا تكفّ تذكر حادثة القطار الياباني الذي...
المزيد >>
ردّ من المدرسة الخاصة على ولاية تونس
19 ماي 2018 السّاعة 21:00
..وبعد ما ورد من توضيحات من ولاية تونس حول الأسباب الحقيقية لعدم منح رخصة لفائدة مدرسة ابتدائية نفيدكم أن...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
خالد الحدّاد
سياسة التشكيك والمغالطات
يُنجز جزء كبير من الحراك السياسي في بلادنا بعيدا عن الشفافيّة المطلوبة وفي إطار صراعات الأهواء والمصالح وحروب التموقع التي لم تتخلّص منها الحياة الوطنية على الرغم من الخطوات...
المزيد >>