من الآخر :لماذا نخجل من تاريخنا؟
خالد الحدّاد
سياسة التشكيك والمغالطات
يُنجز جزء كبير من الحراك السياسي في بلادنا بعيدا عن الشفافيّة المطلوبة وفي إطار صراعات الأهواء والمصالح وحروب التموقع التي لم تتخلّص منها الحياة الوطنية على الرغم من الخطوات...
المزيد >>
من الآخر :لماذا نخجل من تاريخنا؟
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 17 فيفري 2018

قرأت منذ أيام مقالا أو تقريرا صحفيا في موقع جريدة «السفير» اللبنانية، عن الحانات في تونس. وهو موضوع يتحاشى التونسيون والباحثون خصوصا، الكتابة أو حتى التحدث فيه خشية ردود الفعل الاخلاقاوية السلبية، في حين أن الحانات وغيرها من الفضاءات والاعلام والمعالم الحضرية هي من خاصيات التراث التونسي. فلماذا نخجل من تراثنا وثقافتنا وأصولنا الضاربة في التاريخ؟

لم يتناول التقرير الصحفي الذي نشره موقع الجريدة اللبنانية موضوع الحانات من زاوية النظرة الدونية أو الصورة النمطية التي ألصقت لها بحجة التحريم الديني، وإنما من زاوية البعد الحضري والحضاري، والدور الثقافي والسياسي الذي لعبته هذه الفضاءات في فترات من تاريخ البلاد حتى أنها كانت ملاذا للأدباء والمثقفين والمعارضين السياسيين اليساريين منذ سبعينيات القرن الماضي يلجؤون اليها للتعبير عن أفكارهم وآرائهم المناهضة للنظام بعد أن سدت أمامهم الفضاءات الرسمية .
وتؤكد عديد المراجع التاريخية أن تاريخ الحانات أو «الطبرنة» (taverne) في تونس يعود الى العهد القرطاجني قبل قدوم الرومان الذين دمروا قرطاج. وأتلفوا كل معالمها الحضرية. إذ تعد الحانات في مفهوم المدينة الذي أسس له الرومان بعد قرطاج، كأساس أو ركيزة من ركائز أو تركيبة المدينة مثلها مثل المعابد والمسارح والمتاجر أو الأسواق ودور المتعة، بدونها لا يمكن الحديث عن مدينة ( la cité ).
كما عرفت مدينة تونس العتيقة خلال القرن السادس عشر بعث أولى الحانات عن طريق الإيطاليين الذين كان يختطفهم القراصنة في حوض المتوسط ثم يبيعونهم في الأسواق كعبيد. ويذكر أن أحد أعيان المدينة اشترى عبدا إيطاليا اكتشف أن لديه موهبة في تحضير الجلسات الخمرية التي كان يقيمها في منزله داخل المدينة العتيقة. وبعد أن توطدت العلاقة بينهما عرض عليه العبد بعث حانة وسط المدينة لما توفره من متعة وترفيه إضافة الى الإيرادات المالية الوفيرة. ولما كان بعث الحانات وتناول الخمر محظورين ومحرمين في ذلك الوقت قام السيد بإنشاء خمارة على ملك العبد على أن تعود كل المرابيح اليه. ويذكر أحد الرحالة الفرنسيين (Jean Thevenot) زار تونس خلال القرن السابع عشر أن من الأشياء الغريبة التي اكتشفها في حانات مدينة تونس ( العتيقة ) في ذلك الوقت تقديم، ما يعرف بـ "الكمية" الى جانب الخمر. وهي حسب وصف الرحالة، أطباق صغيرة من اللحم والسمك والخبز توزع على الزبائن بلا مقابل مالي.
ويؤكد الباحث أحمد السعداوي من خلال وثائق تاريخية عدة عثر عليها، أن مدينة تونس عرفت بعث العديد من الحانات خلال القرن السابع عشر. وكانت تديرها جاليات مسيحية ويهودية. وكان عدد من زبائنها، الى جانب اليهود والمسيحيين، من المسلمين ومن أعيان المدينة. ويذكر الباحث أن أصحاب هذه الحانات كانوا يدفعون الضرائب مقابل نشاطهم. وفي القرن الثامن عشر، يضيف الباحث، أن البايات الحسينيين الأوائل أمروا بهدم العديد من هذه الحانات والكباريهات كانت موزعة بين القصبة والسراجين والصباغين وأنشؤوا بدلها زوايا.
كما عرفت مدينة تونس الحديثة منذ نشأتها الى حدود ستينيات القرن الماضي عشرات الحانات كانت تمثل جزءا من المدينة ودليلا على تحضر أهلها الذين كانوا يلتقون، ليس من أجل السكر والعربدة مثلما يشاع وانما من أجل الحديث والنقاش والاستمتاع والترفيه. ورغم غلق أو اندثار أغلب هذه الحانات فقد ظلت أسماء بعضها راسخة الى اليوم على غرار «chez Paul» و«chez les negres» و«Brasilia» و«Triomphe» و«Normandie» و«prado» و«l›univers» و« chez nous « التي مر منها أشهر الفنانين العالميين والشخصيات السياسية على غرار الوزير الأول الفرنسي الأسبق ريمون بار. وكان جل زبائنها من نجوم المسرح البلدي:
واذا ظلت هذه الحانات أو على الأقل أسماؤها خالدة الى اليوم تتناقلها الأجيال، فلأنها تمثل جزءا من تاريخ وتراث هذه البلاد، ويكفي انها مدونة في العديد من الكتابات الأدبية والتاريخية وكان لها دور كبير في نهضة البلاد وإنتاج أدباء ومفكرين ومناضلين سياسيين ونقابيين. فلماذا نخجل من كل هذا التراث، أليس جزءا من تاريخنا؟

كتب محسن عبدالرحمان
أولا وأخيرا:لا حســـــــــاب تحـت التوتــــــة
20 ماي 2018 السّاعة 21:00
بالأمس القريب في ذاك الزمن الجميل رغم الفقر والفاقة والحاجة يوم كانت السعادة تغمرنا لأبسط مكسب ولو كان ثمن...
المزيد >>
إشراقات 2:صورة أخرى
20 ماي 2018 السّاعة 21:00
اقرؤوا معي هذه الفقرة ثمّ سأذكر لكم من أين اخترتها لكم: «أمّا السكن فلم نتمتّع مع الأسف بالسكن الجامعي بل...
المزيد >>
حدث وحديث:«وقتاش اتجي كار الـعشرة ؟»
19 ماي 2018 السّاعة 21:00
على كامل مدى الأسبوع المنقضي ووسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي لا تكفّ تذكر حادثة القطار الياباني الذي...
المزيد >>
ردّ من المدرسة الخاصة على ولاية تونس
19 ماي 2018 السّاعة 21:00
..وبعد ما ورد من توضيحات من ولاية تونس حول الأسباب الحقيقية لعدم منح رخصة لفائدة مدرسة ابتدائية نفيدكم أن...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
من الآخر :لماذا نخجل من تاريخنا؟
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 17 فيفري 2018

قرأت منذ أيام مقالا أو تقريرا صحفيا في موقع جريدة «السفير» اللبنانية، عن الحانات في تونس. وهو موضوع يتحاشى التونسيون والباحثون خصوصا، الكتابة أو حتى التحدث فيه خشية ردود الفعل الاخلاقاوية السلبية، في حين أن الحانات وغيرها من الفضاءات والاعلام والمعالم الحضرية هي من خاصيات التراث التونسي. فلماذا نخجل من تراثنا وثقافتنا وأصولنا الضاربة في التاريخ؟

لم يتناول التقرير الصحفي الذي نشره موقع الجريدة اللبنانية موضوع الحانات من زاوية النظرة الدونية أو الصورة النمطية التي ألصقت لها بحجة التحريم الديني، وإنما من زاوية البعد الحضري والحضاري، والدور الثقافي والسياسي الذي لعبته هذه الفضاءات في فترات من تاريخ البلاد حتى أنها كانت ملاذا للأدباء والمثقفين والمعارضين السياسيين اليساريين منذ سبعينيات القرن الماضي يلجؤون اليها للتعبير عن أفكارهم وآرائهم المناهضة للنظام بعد أن سدت أمامهم الفضاءات الرسمية .
وتؤكد عديد المراجع التاريخية أن تاريخ الحانات أو «الطبرنة» (taverne) في تونس يعود الى العهد القرطاجني قبل قدوم الرومان الذين دمروا قرطاج. وأتلفوا كل معالمها الحضرية. إذ تعد الحانات في مفهوم المدينة الذي أسس له الرومان بعد قرطاج، كأساس أو ركيزة من ركائز أو تركيبة المدينة مثلها مثل المعابد والمسارح والمتاجر أو الأسواق ودور المتعة، بدونها لا يمكن الحديث عن مدينة ( la cité ).
كما عرفت مدينة تونس العتيقة خلال القرن السادس عشر بعث أولى الحانات عن طريق الإيطاليين الذين كان يختطفهم القراصنة في حوض المتوسط ثم يبيعونهم في الأسواق كعبيد. ويذكر أن أحد أعيان المدينة اشترى عبدا إيطاليا اكتشف أن لديه موهبة في تحضير الجلسات الخمرية التي كان يقيمها في منزله داخل المدينة العتيقة. وبعد أن توطدت العلاقة بينهما عرض عليه العبد بعث حانة وسط المدينة لما توفره من متعة وترفيه إضافة الى الإيرادات المالية الوفيرة. ولما كان بعث الحانات وتناول الخمر محظورين ومحرمين في ذلك الوقت قام السيد بإنشاء خمارة على ملك العبد على أن تعود كل المرابيح اليه. ويذكر أحد الرحالة الفرنسيين (Jean Thevenot) زار تونس خلال القرن السابع عشر أن من الأشياء الغريبة التي اكتشفها في حانات مدينة تونس ( العتيقة ) في ذلك الوقت تقديم، ما يعرف بـ "الكمية" الى جانب الخمر. وهي حسب وصف الرحالة، أطباق صغيرة من اللحم والسمك والخبز توزع على الزبائن بلا مقابل مالي.
ويؤكد الباحث أحمد السعداوي من خلال وثائق تاريخية عدة عثر عليها، أن مدينة تونس عرفت بعث العديد من الحانات خلال القرن السابع عشر. وكانت تديرها جاليات مسيحية ويهودية. وكان عدد من زبائنها، الى جانب اليهود والمسيحيين، من المسلمين ومن أعيان المدينة. ويذكر الباحث أن أصحاب هذه الحانات كانوا يدفعون الضرائب مقابل نشاطهم. وفي القرن الثامن عشر، يضيف الباحث، أن البايات الحسينيين الأوائل أمروا بهدم العديد من هذه الحانات والكباريهات كانت موزعة بين القصبة والسراجين والصباغين وأنشؤوا بدلها زوايا.
كما عرفت مدينة تونس الحديثة منذ نشأتها الى حدود ستينيات القرن الماضي عشرات الحانات كانت تمثل جزءا من المدينة ودليلا على تحضر أهلها الذين كانوا يلتقون، ليس من أجل السكر والعربدة مثلما يشاع وانما من أجل الحديث والنقاش والاستمتاع والترفيه. ورغم غلق أو اندثار أغلب هذه الحانات فقد ظلت أسماء بعضها راسخة الى اليوم على غرار «chez Paul» و«chez les negres» و«Brasilia» و«Triomphe» و«Normandie» و«prado» و«l›univers» و« chez nous « التي مر منها أشهر الفنانين العالميين والشخصيات السياسية على غرار الوزير الأول الفرنسي الأسبق ريمون بار. وكان جل زبائنها من نجوم المسرح البلدي:
واذا ظلت هذه الحانات أو على الأقل أسماؤها خالدة الى اليوم تتناقلها الأجيال، فلأنها تمثل جزءا من تاريخ وتراث هذه البلاد، ويكفي انها مدونة في العديد من الكتابات الأدبية والتاريخية وكان لها دور كبير في نهضة البلاد وإنتاج أدباء ومفكرين ومناضلين سياسيين ونقابيين. فلماذا نخجل من كل هذا التراث، أليس جزءا من تاريخنا؟

كتب محسن عبدالرحمان
أولا وأخيرا:لا حســـــــــاب تحـت التوتــــــة
20 ماي 2018 السّاعة 21:00
بالأمس القريب في ذاك الزمن الجميل رغم الفقر والفاقة والحاجة يوم كانت السعادة تغمرنا لأبسط مكسب ولو كان ثمن...
المزيد >>
إشراقات 2:صورة أخرى
20 ماي 2018 السّاعة 21:00
اقرؤوا معي هذه الفقرة ثمّ سأذكر لكم من أين اخترتها لكم: «أمّا السكن فلم نتمتّع مع الأسف بالسكن الجامعي بل...
المزيد >>
حدث وحديث:«وقتاش اتجي كار الـعشرة ؟»
19 ماي 2018 السّاعة 21:00
على كامل مدى الأسبوع المنقضي ووسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي لا تكفّ تذكر حادثة القطار الياباني الذي...
المزيد >>
ردّ من المدرسة الخاصة على ولاية تونس
19 ماي 2018 السّاعة 21:00
..وبعد ما ورد من توضيحات من ولاية تونس حول الأسباب الحقيقية لعدم منح رخصة لفائدة مدرسة ابتدائية نفيدكم أن...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
خالد الحدّاد
سياسة التشكيك والمغالطات
يُنجز جزء كبير من الحراك السياسي في بلادنا بعيدا عن الشفافيّة المطلوبة وفي إطار صراعات الأهواء والمصالح وحروب التموقع التي لم تتخلّص منها الحياة الوطنية على الرغم من الخطوات...
المزيد >>