محاضرات الشيخ محمد الفاضل بن عاشور .. الاسلام دين العلم ( 7 )
خالد الحدّاد
سياسة التشكيك والمغالطات
يُنجز جزء كبير من الحراك السياسي في بلادنا بعيدا عن الشفافيّة المطلوبة وفي إطار صراعات الأهواء والمصالح وحروب التموقع التي لم تتخلّص منها الحياة الوطنية على الرغم من الخطوات...
المزيد >>
محاضرات الشيخ محمد الفاضل بن عاشور .. الاسلام دين العلم ( 7 )
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 16 فيفري 2018

الاصل الاول في مسألة البدع والمحادثات ما هو معلوم مشهور من ذم البدعة وحدثات الامور ، وهو المعنى الذي جعل البدعة كلمة ذميمة في لسان الشرع وبني على ذلك نسبة اهل العقائد الباطلة الزائغة الى البدع فسموا اهل البدع او « المبتدعة « وجعل ذلك في مقابلة اهل السنة او « السنيين « وعلى ذلك اقام العلماء التحذير من البدع والتحذير من المحدثات كما قال الشيخ في الرسالة « وترك كل ما احدثه المحدثون « وكما وضع الامام الطرطوشي كتابه في البدع وكما استعمل البدعة الامام ابو اسحاق الشاطبي في كتاب الاعتصام فهؤلاء جميعا جعلوا البدعة امرا شرعيا ذميما منكرا بلسان الدين .
والاصل الثاني الذي يقابل هذا الاصل هو انه قد حدثت محادثات واقرت واستحسنت، وانعقد على بعضها الاجماع فقد جمع المصحف ولم يكن مجموعا واعجم ولم يكن معجما . واسس عمر رضي الله عنه بيت المال كما اسس الديوان واسس الخراج واسس امير المؤمنين علي ابن ابي طالب السجن . واستمر احداث الامور الى العصور التي هي عصور الاجتهاد المطلق كما قال مالك « بضرب المتهم حتى يقر « وفيما بعد عصور الاجتهاد المطلق كما قالوا في بناء المدارس وكما افتى ابن عبد السلام في القرن الثامن بالزام الحاجز الفقير بتأمين ما تحت يده من المال الراجع لمحجوره وهذا في الحقيقة معنى يرجع الى الصنف الذي لا ينقطع من الاجتهاد كما بينه الامام الشاطبي وهو ما يعبر عنه بتحقيق المناط .
وعلى ذلك بنيت اختيارات كثيرة جاء الفقه فيها مخالفا للمنصوص منها ما بني عليه العمل في الاندلس مما اشار الى كثير منه ابن عاصم وفي فاس مما تكفل ببيانه العلامة الزقاق في لاميته ثم الشيخ سيدي محمد ابن القاسم السجلماسي في العمليات العامة ثم الشيخ سيدي عبد الرحمان الفاسي في العمليات الفاسية الى غير ذلك مما يرجع كله الى مراعاة العرف والعادة ويؤول الى الاصل الذي هو احد الاصول التي بنيت عليها الشريعة في مقال القاضي الحسين وهو اصل العادة محكمة وقد وضع الفقيه الحنفي الكبير من المتأخرين في القرن الثالث عشر وهو الشيخ ابن عابدين رسالة سماها « طيب العرف في بناء كثير من الاحكام الشرعية على العرف « وجعل مدارها على البيت من الرجز الذي نظمه لذلك وهو « العرف في الشرع له اعتبار لذا عليه الحكم قد يدار «.
فبناء على هذين الاصلين وعلى ضرورة الجمع بينها بان البدعة منكرة وان بعض المحدثات مستحسنة مال الناس جميعا الى الاعتماد على كلمة امير المؤمنين عمر ابن عبد العزيز وهي قوله « تحدث للناس اقضية بقدر ما احدثوا من الفجور « وهي التي اوردها الشيخ في الرسالة في ختامها ومال شراحه في محاولة الجمع بينها وبين الكلمة الاولى وهي ترك ما احدثه المحدثون الى ان يرجع الى التفصيل بين ما له مستند ومن ادلة الشرع وما لا مستند له من ادلة الشرع .
وهو التحقيق الذي اقام عليه شيخ الاسلام تقي الدين ابن تيمية نظرته في مسألة التفصيل في البدع فبين ان ما اتى من ذم المحدثات لا ينبغي ان يكون على الاطلاق وانه ينبغي ان يكون النظر فيها على اعتبار الرجوع بها الى ادلتها من الدين فما كان راجعا الى دليل يستند اليه فهو محمود وليس بمذموم وما لم يكن راجعا الى دليل فهو الذي يسمى ابتداعا .
وبهذا يتضح ان لفظ البدعة قد اصبح مستعملا في معنيين : فله معناه اللغوي الاصلي وهو كل شيء حادث وهذا عام ويشمل المحمود والمذموم ثم ان اللفظ قد نقل من معناه اللغوي الاصلي الى معنى شرعي اصطلاحي استعمل فيه على الحقيقة العرفية فاصبحت دلالته تنصرف اليه عند عدم القرائن ولا تحمل على المعنى الاصلي الا عند قيام القرينة كما هو الشان في الحقيقة العرفية على ما بينه شهاب الدين القرافي في التنقيح .
وبذلك ورد استعمال البدعة في لسان بعضهم مرادا بها المعنى اللغوي كما وردت في اقوال امير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما جمع الناس على امام واحد في صلاة التراويح فقال « نعمة البدعة هذه «. ووردت مستعملة في معنى الذم كما استعملت عند الكثيرين ولاجل ذلك فان الامام الشاطبي في كتاب « الاعتصام « لما اطلق في ذم البدعة لزمه ان يرجع الى النظر فيما هو مستحدث غير منكر من المستحدثات فحاول ان يرجع ذلك الى غير معنى البدعة وان يجعله امرا راجعا الى الادلة من المصالح الرسلة او بالاستحسان او غير ذلك وهو معني الى تخالف الاصطلاحين ولا مشاحة في اصطلاح .
وبذلك يكون ما اشار اليه الامام البخاري هنا وفي كل ما يرجع الى مناهج التعليم امرا راجعا الى انه يجوز ان تحدث في مناهج التعليم صور واساليب تكون محدثات مستحسنة ومطالب شرعية اذا الت الى ادلة تقتضيها كما يمكن ان تؤول تخصيص الفصول الى ما يشهد بتخصيص قوم دون قوم مخافة عدم الفهم وكما يمكن ان يستشهد لترسيم الطلبة بما ورد من الدلالة على جعل يوم للرجال ويوم للنساء . وكما يمكن ان يستدل على توخي وسائل الاقتصار والاختصار في القاء المعاني والتنبيه اليها بحديث « كلمتان الى الرحمان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان ، سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم « .

يتبع

(إمساكية رمضان 1439 - 2018) هدية الشروق الورقية
16 ماي 2018 السّاعة 12:35
أوقات الإمساك والإفطار بجميع ولايات الجمهورية - (إمساكية 1439 - 2018) هدية الشروق الورقية اليوم الأربعاء 16 ماي 2018...
المزيد >>
أسبـاب النزول
11 ماي 2018 السّاعة 21:00
قال الله تَعَالَى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ...
المزيد >>
خطبة الجمعة ..العبادة سبب وجود الانسان
11 ماي 2018 السّاعة 21:00
العِبَادَةَ هِيَ حَقُّ اللهِ الأَوَّلُ الَّذِي أَنْزَلَ كُتُبَهَ وَأَرْسَلَ رُسُلَهُ لِدَعْوَةِ النَّاسِ...
المزيد >>
تدريب النفس على الطاعات واجب
11 ماي 2018 السّاعة 21:00
جميع الطاعات بمشهد من الخلق ومرأى منهم ولكنّ الصوم لا يراه إلاّ الله عزّ وجلّ ، قال رسول الله صلى الله عليه...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
محاضرات الشيخ محمد الفاضل بن عاشور .. الاسلام دين العلم ( 7 )
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 16 فيفري 2018

الاصل الاول في مسألة البدع والمحادثات ما هو معلوم مشهور من ذم البدعة وحدثات الامور ، وهو المعنى الذي جعل البدعة كلمة ذميمة في لسان الشرع وبني على ذلك نسبة اهل العقائد الباطلة الزائغة الى البدع فسموا اهل البدع او « المبتدعة « وجعل ذلك في مقابلة اهل السنة او « السنيين « وعلى ذلك اقام العلماء التحذير من البدع والتحذير من المحدثات كما قال الشيخ في الرسالة « وترك كل ما احدثه المحدثون « وكما وضع الامام الطرطوشي كتابه في البدع وكما استعمل البدعة الامام ابو اسحاق الشاطبي في كتاب الاعتصام فهؤلاء جميعا جعلوا البدعة امرا شرعيا ذميما منكرا بلسان الدين .
والاصل الثاني الذي يقابل هذا الاصل هو انه قد حدثت محادثات واقرت واستحسنت، وانعقد على بعضها الاجماع فقد جمع المصحف ولم يكن مجموعا واعجم ولم يكن معجما . واسس عمر رضي الله عنه بيت المال كما اسس الديوان واسس الخراج واسس امير المؤمنين علي ابن ابي طالب السجن . واستمر احداث الامور الى العصور التي هي عصور الاجتهاد المطلق كما قال مالك « بضرب المتهم حتى يقر « وفيما بعد عصور الاجتهاد المطلق كما قالوا في بناء المدارس وكما افتى ابن عبد السلام في القرن الثامن بالزام الحاجز الفقير بتأمين ما تحت يده من المال الراجع لمحجوره وهذا في الحقيقة معنى يرجع الى الصنف الذي لا ينقطع من الاجتهاد كما بينه الامام الشاطبي وهو ما يعبر عنه بتحقيق المناط .
وعلى ذلك بنيت اختيارات كثيرة جاء الفقه فيها مخالفا للمنصوص منها ما بني عليه العمل في الاندلس مما اشار الى كثير منه ابن عاصم وفي فاس مما تكفل ببيانه العلامة الزقاق في لاميته ثم الشيخ سيدي محمد ابن القاسم السجلماسي في العمليات العامة ثم الشيخ سيدي عبد الرحمان الفاسي في العمليات الفاسية الى غير ذلك مما يرجع كله الى مراعاة العرف والعادة ويؤول الى الاصل الذي هو احد الاصول التي بنيت عليها الشريعة في مقال القاضي الحسين وهو اصل العادة محكمة وقد وضع الفقيه الحنفي الكبير من المتأخرين في القرن الثالث عشر وهو الشيخ ابن عابدين رسالة سماها « طيب العرف في بناء كثير من الاحكام الشرعية على العرف « وجعل مدارها على البيت من الرجز الذي نظمه لذلك وهو « العرف في الشرع له اعتبار لذا عليه الحكم قد يدار «.
فبناء على هذين الاصلين وعلى ضرورة الجمع بينها بان البدعة منكرة وان بعض المحدثات مستحسنة مال الناس جميعا الى الاعتماد على كلمة امير المؤمنين عمر ابن عبد العزيز وهي قوله « تحدث للناس اقضية بقدر ما احدثوا من الفجور « وهي التي اوردها الشيخ في الرسالة في ختامها ومال شراحه في محاولة الجمع بينها وبين الكلمة الاولى وهي ترك ما احدثه المحدثون الى ان يرجع الى التفصيل بين ما له مستند ومن ادلة الشرع وما لا مستند له من ادلة الشرع .
وهو التحقيق الذي اقام عليه شيخ الاسلام تقي الدين ابن تيمية نظرته في مسألة التفصيل في البدع فبين ان ما اتى من ذم المحدثات لا ينبغي ان يكون على الاطلاق وانه ينبغي ان يكون النظر فيها على اعتبار الرجوع بها الى ادلتها من الدين فما كان راجعا الى دليل يستند اليه فهو محمود وليس بمذموم وما لم يكن راجعا الى دليل فهو الذي يسمى ابتداعا .
وبهذا يتضح ان لفظ البدعة قد اصبح مستعملا في معنيين : فله معناه اللغوي الاصلي وهو كل شيء حادث وهذا عام ويشمل المحمود والمذموم ثم ان اللفظ قد نقل من معناه اللغوي الاصلي الى معنى شرعي اصطلاحي استعمل فيه على الحقيقة العرفية فاصبحت دلالته تنصرف اليه عند عدم القرائن ولا تحمل على المعنى الاصلي الا عند قيام القرينة كما هو الشان في الحقيقة العرفية على ما بينه شهاب الدين القرافي في التنقيح .
وبذلك ورد استعمال البدعة في لسان بعضهم مرادا بها المعنى اللغوي كما وردت في اقوال امير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما جمع الناس على امام واحد في صلاة التراويح فقال « نعمة البدعة هذه «. ووردت مستعملة في معنى الذم كما استعملت عند الكثيرين ولاجل ذلك فان الامام الشاطبي في كتاب « الاعتصام « لما اطلق في ذم البدعة لزمه ان يرجع الى النظر فيما هو مستحدث غير منكر من المستحدثات فحاول ان يرجع ذلك الى غير معنى البدعة وان يجعله امرا راجعا الى الادلة من المصالح الرسلة او بالاستحسان او غير ذلك وهو معني الى تخالف الاصطلاحين ولا مشاحة في اصطلاح .
وبذلك يكون ما اشار اليه الامام البخاري هنا وفي كل ما يرجع الى مناهج التعليم امرا راجعا الى انه يجوز ان تحدث في مناهج التعليم صور واساليب تكون محدثات مستحسنة ومطالب شرعية اذا الت الى ادلة تقتضيها كما يمكن ان تؤول تخصيص الفصول الى ما يشهد بتخصيص قوم دون قوم مخافة عدم الفهم وكما يمكن ان يستشهد لترسيم الطلبة بما ورد من الدلالة على جعل يوم للرجال ويوم للنساء . وكما يمكن ان يستدل على توخي وسائل الاقتصار والاختصار في القاء المعاني والتنبيه اليها بحديث « كلمتان الى الرحمان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان ، سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم « .

يتبع

(إمساكية رمضان 1439 - 2018) هدية الشروق الورقية
16 ماي 2018 السّاعة 12:35
أوقات الإمساك والإفطار بجميع ولايات الجمهورية - (إمساكية 1439 - 2018) هدية الشروق الورقية اليوم الأربعاء 16 ماي 2018...
المزيد >>
أسبـاب النزول
11 ماي 2018 السّاعة 21:00
قال الله تَعَالَى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ...
المزيد >>
خطبة الجمعة ..العبادة سبب وجود الانسان
11 ماي 2018 السّاعة 21:00
العِبَادَةَ هِيَ حَقُّ اللهِ الأَوَّلُ الَّذِي أَنْزَلَ كُتُبَهَ وَأَرْسَلَ رُسُلَهُ لِدَعْوَةِ النَّاسِ...
المزيد >>
تدريب النفس على الطاعات واجب
11 ماي 2018 السّاعة 21:00
جميع الطاعات بمشهد من الخلق ومرأى منهم ولكنّ الصوم لا يراه إلاّ الله عزّ وجلّ ، قال رسول الله صلى الله عليه...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
خالد الحدّاد
سياسة التشكيك والمغالطات
يُنجز جزء كبير من الحراك السياسي في بلادنا بعيدا عن الشفافيّة المطلوبة وفي إطار صراعات الأهواء والمصالح وحروب التموقع التي لم تتخلّص منها الحياة الوطنية على الرغم من الخطوات...
المزيد >>