محاضرات الشيخ محمد الفاضل بن عاشور .. الإسلام دين العلم (2)
خالد الحدّاد
سياسة التشكيك والمغالطات
يُنجز جزء كبير من الحراك السياسي في بلادنا بعيدا عن الشفافيّة المطلوبة وفي إطار صراعات الأهواء والمصالح وحروب التموقع التي لم تتخلّص منها الحياة الوطنية على الرغم من الخطوات...
المزيد >>
محاضرات الشيخ محمد الفاضل بن عاشور .. الإسلام دين العلم (2)
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 12 جانفي 2018

أصبحت الدعوة الاسلامية متجهة الى تصحيح المعارف البشرية وتمحيصها. وهذا التصحيح والتمحيص انما يرجع الى فحص مناشئ جميع القضايا التي تتعلق بها الاذهان البشرية تصورا او تصديقا . وهذا الفحص انما يكون بفحص مناشئها والبحث من الجهات التي اتت منها ووزن ذلك كله بميزان النظر الصحيح الذي هو عبارة عن عمل الفكر الذي يطلب به علم صحيح او ظن غالب . فاتجهت الدعوة الاسلامية الى مقاومة المسلمات وابطال مناشئها وهدم الاسس التي قامت عليها مبانيها وذلك باخراجها عما كان يحوطها من التزام وبالعدول بها عما كان يفرض فيها من استثنائها من محيط النظر فارجعتها الى المحيط التي جاءت الفطر المنحرفة تخرج بها عنه فوضعت جميع القضايا في محيط النظر للبحث عن منشئها وابطال ما هو منكر منها فاصبح كل مبني على التقليد بدون امكان النظر في الحجة امرا منكرا مهزوما . واصبحت تلك القضايا التي هي من امثال قضية ان للدين مجالا وللعقل مجال اخر او قضية ان ما لله لله وما لقيصر لقيصر، هذه كلها اصبحت قضايا مهزومة لان الدين وجه الى النظر في مناشئها ومبانيها، ولما وضعت مناشئها ومبانيها تحت ضوء النظر تبين انه لا وجه لما كان النسا يلتزمون منها.
وبذلك خصص منهج جديد، وثبتت طريقة محدثة هي الطريقة الاسلامية في النظر الذي يحصل به العلم وفي المقاييس التي يمكن ان تسلم بها الحقائق وان تثبت بها القضايا ثبوتا عقليا لا يمكن ان يقوم في وجهه ما تعلق بها من التقليد او من الالتزام او من التفكيك بين الواقع والنظر.
فجاء هذا المنهج الاسلامي الجديد الذي دعا الى النظر على هذه الصورة ووضع القضايا المشهورة المسلمة موضع الشك والبحث والفحص والتمحيص اصبح منهجا جديدا مبنيا على طريقة تختلف عن جميع الطرائق التي كانت مسلوكة يومئذ ما سلكته الدعوات الحكمية وبين ما سلكته الدعوات الدينية . وقد طهر استقلال هذا المنهج الاسلامي ومخالفته لجميع المناهج التي كانت معروفة يومئذ بين مناهج حكمية ومناهج دينية ظهر ذلك في الاسلوب التربوي الذي اخذت به الدعوة الاسلامية الجيل الاول الصالح من المسلمين وهو الاسلوب الذي تناول وذلك الجيل الفاضل بتربية مبنية على تكرر الجزئيات حتى يحصل من تكررها الانطباعات الكلية الشاملة للمعاني المفرقة بين تلك الجزئيات وذلك بما تأتي به للناس كلمة الوحي وما يرشدهم اليه الهدي النبوي القويم . وبذلك اصبحت هذه الطريقة التي سارت على المنهج التربوي في التعلق اولا بالجزئيات والتمرين عليها حتى تخلص منها المعاني الكلية التي هي مشتركة بين تلك الجزئيات اصبح هذا المنهج مبينا على جزئيات هي مبثوثة منثورة في عضون الوحي الذي اتى به كلام الله تعالى واتت به سنة النبي صلى الله عليه وسلم .
فكان من الذين اتوا بعد الجيل الاول الذين لم يتكونوا يتلك العوامل التربوية التي جعلت الحقائق الاسلامية في نفوسهم ملكات وسلائق، جعلتهم محتاجين الى ان يرجعوا الى تلك المعاني ليبحثوا عنها ويتتبعوا جزئياتها ويستخلصوا من تلك الجزئيات المعاني الكلية الجامعة حتى يقيموا بطريقة التعليم والتلقين ما فاتهم ان يقيموا في انفسهم مما قام عند الجيل الاول الفاضل بطريقة التربية والسليقة ورسوخ الملكات . فذهبوا يتتبعون موارد الادلة التي تضمنت ما جاء به كلام الله تعالى وسنة النبي صلى الله عليه وسلم من اصول وادلة تدل على المعاني التربوية التي تكون بها الجيل الاول ولا سيما فيما يرجع الى هذه الناحية وهي ناحية حقيقة العلم وماهيته التي هي طريقة تكوين المدارس الاسلامية . وذهبوا في هذه القضية على الطريقة التي ذهبوا عليها في تحصيل العلوم . فكما بحثوا في الاحكام المتعلقة بالعبادات والاحكام المتعلقة بالعادات والاحكام المتعلقة بالمعاملات بحثوا في الاحكام المتعلقة بالتعليم او التكوين الذهني الذي هو باب او هو الباب الاول من ابواب التربية الاسلامية . فاتجهوا قبل كل شيء الى استقصاء ما ورد من كلم الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم مما يتضمن ادلة اجمالية من شأنها ان تستخرج منها القواعد التفصيلية المتعلقة بهذه الحقائق العلمية وبتلك النواحي التكوينية الادراكية، وساروا في ذلك على طريقتهم التي درجوا عليها في تحصيل الاحكام وهي طريقة الاستنباط واستخراج الحكم الجزئي التفصيلي من الدليل الاجمالي وبذلك خططوا المنهج العلمي الاسلامي على الاصول التي جاء بها الوحي وبالمدارك التي وجدت في الكتاب والسنة ولكنهم عبروا عن ذلك بتعابير وضبطوه بضوابط ولخصوه في قواعد ليست هي التي اتت في لسان الوحي كما وقع ذلك بالنسبة الى سائر العلوم الاسلامية .
فاتجهوا اولا الى اثبات العلم وهي قضية كبرى ومن معضلات القضايا الحكمية التي اختلفت فيها الطرائق الفلسفية قبل ذلك قددا . فقرروا ان العلم الذي هو عبارة عن ادراك حقائق الاشياء او التوصل الى معرفة الحقائق هو امر ثابت وان للاشياء حقائق ثابتة لا سبيل الى نكرانها وان انكشاف تلك الحقائق للمدارك الانسانية هو امر ميسر مستطاع بل هو امر ثابت ومفروض فبينوا المنهج العلمي الاسلامي قبل كل شيء على اثبات حقائق الاشياء وعلى ان العلم بها متحقق وسلكوا في ذلك مسلك مقاومة المذاهب الفكرية الهدامة من قبل التي هي مذاهب السفسطائية وهي التي تنكر المعلومات ولا تثبت حقيقة العلم وتدعي ان حقيقة العلم اما معدومة واما حقيقة اضافية وليست حقيقة ثابتة ذاتية قارة . ولما نظروا في اثبات العلم وقرروا انه لا بد لكل موجود من حقيقة وان الذهن الانساني لا بد من ان يدرك تلك الحقيقة خلافا للسفسطائية فانهم بذلك قد انحازوا الى المنهج الذي يسمى المنهج الذي يسمى المنهج الواقعي وهو الذي كان يسير عليه حكماء التاريخ القديم الذين بنوا مذاهبهم على مقاومة السفسطائية وانكارها .
يتبع

(إمساكية رمضان 1439 - 2018) هدية الشروق الورقية
16 ماي 2018 السّاعة 12:35
أوقات الإمساك والإفطار بجميع ولايات الجمهورية - (إمساكية 1439 - 2018) هدية الشروق الورقية اليوم الأربعاء 16 ماي 2018...
المزيد >>
أسبـاب النزول
11 ماي 2018 السّاعة 21:00
قال الله تَعَالَى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ...
المزيد >>
خطبة الجمعة ..العبادة سبب وجود الانسان
11 ماي 2018 السّاعة 21:00
العِبَادَةَ هِيَ حَقُّ اللهِ الأَوَّلُ الَّذِي أَنْزَلَ كُتُبَهَ وَأَرْسَلَ رُسُلَهُ لِدَعْوَةِ النَّاسِ...
المزيد >>
تدريب النفس على الطاعات واجب
11 ماي 2018 السّاعة 21:00
جميع الطاعات بمشهد من الخلق ومرأى منهم ولكنّ الصوم لا يراه إلاّ الله عزّ وجلّ ، قال رسول الله صلى الله عليه...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
محاضرات الشيخ محمد الفاضل بن عاشور .. الإسلام دين العلم (2)
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 12 جانفي 2018

أصبحت الدعوة الاسلامية متجهة الى تصحيح المعارف البشرية وتمحيصها. وهذا التصحيح والتمحيص انما يرجع الى فحص مناشئ جميع القضايا التي تتعلق بها الاذهان البشرية تصورا او تصديقا . وهذا الفحص انما يكون بفحص مناشئها والبحث من الجهات التي اتت منها ووزن ذلك كله بميزان النظر الصحيح الذي هو عبارة عن عمل الفكر الذي يطلب به علم صحيح او ظن غالب . فاتجهت الدعوة الاسلامية الى مقاومة المسلمات وابطال مناشئها وهدم الاسس التي قامت عليها مبانيها وذلك باخراجها عما كان يحوطها من التزام وبالعدول بها عما كان يفرض فيها من استثنائها من محيط النظر فارجعتها الى المحيط التي جاءت الفطر المنحرفة تخرج بها عنه فوضعت جميع القضايا في محيط النظر للبحث عن منشئها وابطال ما هو منكر منها فاصبح كل مبني على التقليد بدون امكان النظر في الحجة امرا منكرا مهزوما . واصبحت تلك القضايا التي هي من امثال قضية ان للدين مجالا وللعقل مجال اخر او قضية ان ما لله لله وما لقيصر لقيصر، هذه كلها اصبحت قضايا مهزومة لان الدين وجه الى النظر في مناشئها ومبانيها، ولما وضعت مناشئها ومبانيها تحت ضوء النظر تبين انه لا وجه لما كان النسا يلتزمون منها.
وبذلك خصص منهج جديد، وثبتت طريقة محدثة هي الطريقة الاسلامية في النظر الذي يحصل به العلم وفي المقاييس التي يمكن ان تسلم بها الحقائق وان تثبت بها القضايا ثبوتا عقليا لا يمكن ان يقوم في وجهه ما تعلق بها من التقليد او من الالتزام او من التفكيك بين الواقع والنظر.
فجاء هذا المنهج الاسلامي الجديد الذي دعا الى النظر على هذه الصورة ووضع القضايا المشهورة المسلمة موضع الشك والبحث والفحص والتمحيص اصبح منهجا جديدا مبنيا على طريقة تختلف عن جميع الطرائق التي كانت مسلوكة يومئذ ما سلكته الدعوات الحكمية وبين ما سلكته الدعوات الدينية . وقد طهر استقلال هذا المنهج الاسلامي ومخالفته لجميع المناهج التي كانت معروفة يومئذ بين مناهج حكمية ومناهج دينية ظهر ذلك في الاسلوب التربوي الذي اخذت به الدعوة الاسلامية الجيل الاول الصالح من المسلمين وهو الاسلوب الذي تناول وذلك الجيل الفاضل بتربية مبنية على تكرر الجزئيات حتى يحصل من تكررها الانطباعات الكلية الشاملة للمعاني المفرقة بين تلك الجزئيات وذلك بما تأتي به للناس كلمة الوحي وما يرشدهم اليه الهدي النبوي القويم . وبذلك اصبحت هذه الطريقة التي سارت على المنهج التربوي في التعلق اولا بالجزئيات والتمرين عليها حتى تخلص منها المعاني الكلية التي هي مشتركة بين تلك الجزئيات اصبح هذا المنهج مبينا على جزئيات هي مبثوثة منثورة في عضون الوحي الذي اتى به كلام الله تعالى واتت به سنة النبي صلى الله عليه وسلم .
فكان من الذين اتوا بعد الجيل الاول الذين لم يتكونوا يتلك العوامل التربوية التي جعلت الحقائق الاسلامية في نفوسهم ملكات وسلائق، جعلتهم محتاجين الى ان يرجعوا الى تلك المعاني ليبحثوا عنها ويتتبعوا جزئياتها ويستخلصوا من تلك الجزئيات المعاني الكلية الجامعة حتى يقيموا بطريقة التعليم والتلقين ما فاتهم ان يقيموا في انفسهم مما قام عند الجيل الاول الفاضل بطريقة التربية والسليقة ورسوخ الملكات . فذهبوا يتتبعون موارد الادلة التي تضمنت ما جاء به كلام الله تعالى وسنة النبي صلى الله عليه وسلم من اصول وادلة تدل على المعاني التربوية التي تكون بها الجيل الاول ولا سيما فيما يرجع الى هذه الناحية وهي ناحية حقيقة العلم وماهيته التي هي طريقة تكوين المدارس الاسلامية . وذهبوا في هذه القضية على الطريقة التي ذهبوا عليها في تحصيل العلوم . فكما بحثوا في الاحكام المتعلقة بالعبادات والاحكام المتعلقة بالعادات والاحكام المتعلقة بالمعاملات بحثوا في الاحكام المتعلقة بالتعليم او التكوين الذهني الذي هو باب او هو الباب الاول من ابواب التربية الاسلامية . فاتجهوا قبل كل شيء الى استقصاء ما ورد من كلم الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم مما يتضمن ادلة اجمالية من شأنها ان تستخرج منها القواعد التفصيلية المتعلقة بهذه الحقائق العلمية وبتلك النواحي التكوينية الادراكية، وساروا في ذلك على طريقتهم التي درجوا عليها في تحصيل الاحكام وهي طريقة الاستنباط واستخراج الحكم الجزئي التفصيلي من الدليل الاجمالي وبذلك خططوا المنهج العلمي الاسلامي على الاصول التي جاء بها الوحي وبالمدارك التي وجدت في الكتاب والسنة ولكنهم عبروا عن ذلك بتعابير وضبطوه بضوابط ولخصوه في قواعد ليست هي التي اتت في لسان الوحي كما وقع ذلك بالنسبة الى سائر العلوم الاسلامية .
فاتجهوا اولا الى اثبات العلم وهي قضية كبرى ومن معضلات القضايا الحكمية التي اختلفت فيها الطرائق الفلسفية قبل ذلك قددا . فقرروا ان العلم الذي هو عبارة عن ادراك حقائق الاشياء او التوصل الى معرفة الحقائق هو امر ثابت وان للاشياء حقائق ثابتة لا سبيل الى نكرانها وان انكشاف تلك الحقائق للمدارك الانسانية هو امر ميسر مستطاع بل هو امر ثابت ومفروض فبينوا المنهج العلمي الاسلامي قبل كل شيء على اثبات حقائق الاشياء وعلى ان العلم بها متحقق وسلكوا في ذلك مسلك مقاومة المذاهب الفكرية الهدامة من قبل التي هي مذاهب السفسطائية وهي التي تنكر المعلومات ولا تثبت حقيقة العلم وتدعي ان حقيقة العلم اما معدومة واما حقيقة اضافية وليست حقيقة ثابتة ذاتية قارة . ولما نظروا في اثبات العلم وقرروا انه لا بد لكل موجود من حقيقة وان الذهن الانساني لا بد من ان يدرك تلك الحقيقة خلافا للسفسطائية فانهم بذلك قد انحازوا الى المنهج الذي يسمى المنهج الذي يسمى المنهج الواقعي وهو الذي كان يسير عليه حكماء التاريخ القديم الذين بنوا مذاهبهم على مقاومة السفسطائية وانكارها .
يتبع

(إمساكية رمضان 1439 - 2018) هدية الشروق الورقية
16 ماي 2018 السّاعة 12:35
أوقات الإمساك والإفطار بجميع ولايات الجمهورية - (إمساكية 1439 - 2018) هدية الشروق الورقية اليوم الأربعاء 16 ماي 2018...
المزيد >>
أسبـاب النزول
11 ماي 2018 السّاعة 21:00
قال الله تَعَالَى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ...
المزيد >>
خطبة الجمعة ..العبادة سبب وجود الانسان
11 ماي 2018 السّاعة 21:00
العِبَادَةَ هِيَ حَقُّ اللهِ الأَوَّلُ الَّذِي أَنْزَلَ كُتُبَهَ وَأَرْسَلَ رُسُلَهُ لِدَعْوَةِ النَّاسِ...
المزيد >>
تدريب النفس على الطاعات واجب
11 ماي 2018 السّاعة 21:00
جميع الطاعات بمشهد من الخلق ومرأى منهم ولكنّ الصوم لا يراه إلاّ الله عزّ وجلّ ، قال رسول الله صلى الله عليه...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
خالد الحدّاد
سياسة التشكيك والمغالطات
يُنجز جزء كبير من الحراك السياسي في بلادنا بعيدا عن الشفافيّة المطلوبة وفي إطار صراعات الأهواء والمصالح وحروب التموقع التي لم تتخلّص منها الحياة الوطنية على الرغم من الخطوات...
المزيد >>