الحريّة المسؤولة الغائبة
خالد الحدّاد
سياسة التشكيك والمغالطات
يُنجز جزء كبير من الحراك السياسي في بلادنا بعيدا عن الشفافيّة المطلوبة وفي إطار صراعات الأهواء والمصالح وحروب التموقع التي لم تتخلّص منها الحياة الوطنية على الرغم من الخطوات...
المزيد >>
الحريّة المسؤولة الغائبة
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 07 جانفي 2018

الحريّة لا تعني مُطلقا غياب المحاذير وانفلات العقال عن أيّ قيد أو كابح، الحريّة مفهوم يُحيل إلى تحرّر الإنسان في اتّجاه الفعل الايجابي وانطلاق ملكاته المختلفة صوب صنوف الإبداع والخلق والابتكار وممارسة حقّه الطبيعي في التعبير والتنظّم والعمل الفكري والسياسي، المدني السلمي.
إنّ الحريّة المنفلتة، وهي مغلوطة بالتأكيد، مدخل إلى عالم الغاب والفوضى والهدم والتخريب، ولقد أمكن للعقل البشري بعد عقود من التجريب والاختبار الحدّ من تلك الاطلاقيّة ودفع الحريّة إلى الاعتدال والاتّصاف أساسا بروح المسؤوليّة، مسؤوليّة تجاه النفس أوّلا وتجاه المجتمع والدولة أيضا، ذلك أنّ الحقوق لا تُلغي واجبات العيش المشترك واحترام الآخر المُختلف ومحوريّة أداء الرسالة الإنسانية الكونيّة النبيلة في البناء والتعمير وتعزيز القيم النبيلة.
إنّ الحريّة المسؤولة هي الوسط بين تكبيلها وإطلاقيّتها، فمع رفض أنماط العيش التسلطيّة والاستبداديّة يتعيّن على المرء أن يرفض أيضا الانخراط في مسارات الانفلات وفعل اي شيء تحت ذريعة الحريّة لقد خصّ الفكر الإنساني الحريّة المسؤولة بقسط وافر من جهده ووضع لها أطرا ومحدّدات، ففي العلوم السياسيّة وقع ضبط مناهج للديمقراطية والتعددية والتنافس النزيه والسلمي على السلطة، ونظَّر علماء الاجتماع إلى الأنساق والنُظم المجتمعيّة المتوازنة والعادلة والتمثّلات الجمعيّة الّتي تستدعي هضم مقولات العيش المشترك والاختلاف والتنوّع، وفي علوم الإعلام والاتصال تمّ استحداث نظريّة كاملة تحت مسمّى «الحريّة المسؤولة» والعديد من المفاهيم الأخرى منها مفهوم الفضاء العام الحاضن للجميع دون استثناء أو إقصاء، وتمّ أيضا استحضار فرضيات مُرعبة ناجمة عن غياب التواصل الإيجابي والعلاقات المُتساوية والتفاعل الجدي والمُثمر، فغيابهُ يعني ضرورة الاحتراب الأهلي والصدام.
وتبعا لكلّ ذلك أدّت تطبيقات الحريّة المسؤولة إلى مظاهر التقدّم والتنمية والازدهار ويُواصل غيابها في بعض المجتمعات إلى ما نراه من حروب، وما ينتجُ عنها من خسائر مادية وبشريّة وفقر وتمييز عنصري واختلال لمظاهر التنمية والعدالة الاجتماعية ودوس على الحقوق الفرديّة والمجتمعيّة. وفي ظلّ إقرارنا جميعا بأنّ الوضع في بلادنا صعب ودقيق وأنّ المستقبل بات مُخيفا، هل يُوجد من حلّ غير الدعوة إلى أن يلتزم الجميع بفلسفة الحريّة المسؤولة التي تضعُ في صدارة أولويّاتها استنهاض المجتمع بما فيه من قوى وطاقات وإلزام الفاعلين السياسيّين والاجتماعيين برعاية المصلحة الوطنيّة العليا في مناعة الدولة والانسجام المجتمعي بعيدا عن المطامح الذاتيّة الفردانيّة والمصالح الفئويّة الضيّقة.
فللأسف، تعيشُ بلادنا منذ عقود، وليس سنوات، غيابا للحريّة المسؤولة ممّا أوقعنا في الكثير من المطبّات أضعنا بسببها فرصا للتقدّم الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والسياسي، ويبدو أنّ وضعنا سيزدادُ تعقيدا وسوءا إذا واصلنا انتهاج نفس المنهج في انغماس مبتذل ورديء في حريّة منفلتة لا ضوابط لها ولا محرّك لها إلاّ البحث عن الاطاحة بالخصوم شرّ إطاحة، عِوَض هزمهم فكريّا أو انتخابيا، وهتك أعراض الناس وخصوصياتهم، عِوَض حمايتها وصيانتها والابتعاد بها عن سوق المزايدات السياسويّة والشعبويّة، وممارسة أشكال من التعبير البدائي والمنحط الذي لا هدف له إلاّ الكذب والنفاق ونشر الاحقاد والضغائن وإحداث الفتن والتشهير والتشويه والسعي المحموم لتحقيق المنافع والربح المادي الرخيص.
الحريّة المسؤولة فرضٌ واجبٌ وقاعدة محورية للإعلام وصنوف التعبير المختلفة، وهي ايضا المدخل الوحيد والأوحد لنخبة سياسيّة غير أنانيّة، متبصّرة، منضبطة، غير فوضويّة، واعية بما لها من ادوار حاسمة في مناعة الدولة ونهضة المجتمع وتماسكه.

خالد الحدّاد
سياسة التشكيك والمغالطات
20 ماي 2018 السّاعة 21:00
يُنجز جزء كبير من الحراك السياسي في بلادنا بعيدا عن الشفافيّة المطلوبة وفي إطار صراعات الأهواء والمصالح...
المزيد >>
رمضـــان... والأسعــار
19 ماي 2018 السّاعة 21:00
في تونس عادة ما يكون شهر رمضان اختبارا حقيقيا للحكومة في مجال التحكم في الأسعار ... منذ سنوات الأسعار في تونس...
المزيد >>
القدس...و دموع التماسيح
18 ماي 2018 السّاعة 21:00
المواقف والتصريحات التي أطلقها الرئيس التركي رجب طيب اردوغان من نقل سفارة أمريكا الى القدس و رغم «الحماسة»...
المزيد >>
شهر الرحمة... وجنون الأسعار !
17 ماي 2018 السّاعة 21:00
يحتفل التونسيون بداية من اليوم بشهر الرحمة رمضان الكريم وسط مشاعر فيها الكثير من الأمل والخوف من المستقبل ،...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
الحريّة المسؤولة الغائبة
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 07 جانفي 2018

الحريّة لا تعني مُطلقا غياب المحاذير وانفلات العقال عن أيّ قيد أو كابح، الحريّة مفهوم يُحيل إلى تحرّر الإنسان في اتّجاه الفعل الايجابي وانطلاق ملكاته المختلفة صوب صنوف الإبداع والخلق والابتكار وممارسة حقّه الطبيعي في التعبير والتنظّم والعمل الفكري والسياسي، المدني السلمي.
إنّ الحريّة المنفلتة، وهي مغلوطة بالتأكيد، مدخل إلى عالم الغاب والفوضى والهدم والتخريب، ولقد أمكن للعقل البشري بعد عقود من التجريب والاختبار الحدّ من تلك الاطلاقيّة ودفع الحريّة إلى الاعتدال والاتّصاف أساسا بروح المسؤوليّة، مسؤوليّة تجاه النفس أوّلا وتجاه المجتمع والدولة أيضا، ذلك أنّ الحقوق لا تُلغي واجبات العيش المشترك واحترام الآخر المُختلف ومحوريّة أداء الرسالة الإنسانية الكونيّة النبيلة في البناء والتعمير وتعزيز القيم النبيلة.
إنّ الحريّة المسؤولة هي الوسط بين تكبيلها وإطلاقيّتها، فمع رفض أنماط العيش التسلطيّة والاستبداديّة يتعيّن على المرء أن يرفض أيضا الانخراط في مسارات الانفلات وفعل اي شيء تحت ذريعة الحريّة لقد خصّ الفكر الإنساني الحريّة المسؤولة بقسط وافر من جهده ووضع لها أطرا ومحدّدات، ففي العلوم السياسيّة وقع ضبط مناهج للديمقراطية والتعددية والتنافس النزيه والسلمي على السلطة، ونظَّر علماء الاجتماع إلى الأنساق والنُظم المجتمعيّة المتوازنة والعادلة والتمثّلات الجمعيّة الّتي تستدعي هضم مقولات العيش المشترك والاختلاف والتنوّع، وفي علوم الإعلام والاتصال تمّ استحداث نظريّة كاملة تحت مسمّى «الحريّة المسؤولة» والعديد من المفاهيم الأخرى منها مفهوم الفضاء العام الحاضن للجميع دون استثناء أو إقصاء، وتمّ أيضا استحضار فرضيات مُرعبة ناجمة عن غياب التواصل الإيجابي والعلاقات المُتساوية والتفاعل الجدي والمُثمر، فغيابهُ يعني ضرورة الاحتراب الأهلي والصدام.
وتبعا لكلّ ذلك أدّت تطبيقات الحريّة المسؤولة إلى مظاهر التقدّم والتنمية والازدهار ويُواصل غيابها في بعض المجتمعات إلى ما نراه من حروب، وما ينتجُ عنها من خسائر مادية وبشريّة وفقر وتمييز عنصري واختلال لمظاهر التنمية والعدالة الاجتماعية ودوس على الحقوق الفرديّة والمجتمعيّة. وفي ظلّ إقرارنا جميعا بأنّ الوضع في بلادنا صعب ودقيق وأنّ المستقبل بات مُخيفا، هل يُوجد من حلّ غير الدعوة إلى أن يلتزم الجميع بفلسفة الحريّة المسؤولة التي تضعُ في صدارة أولويّاتها استنهاض المجتمع بما فيه من قوى وطاقات وإلزام الفاعلين السياسيّين والاجتماعيين برعاية المصلحة الوطنيّة العليا في مناعة الدولة والانسجام المجتمعي بعيدا عن المطامح الذاتيّة الفردانيّة والمصالح الفئويّة الضيّقة.
فللأسف، تعيشُ بلادنا منذ عقود، وليس سنوات، غيابا للحريّة المسؤولة ممّا أوقعنا في الكثير من المطبّات أضعنا بسببها فرصا للتقدّم الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والسياسي، ويبدو أنّ وضعنا سيزدادُ تعقيدا وسوءا إذا واصلنا انتهاج نفس المنهج في انغماس مبتذل ورديء في حريّة منفلتة لا ضوابط لها ولا محرّك لها إلاّ البحث عن الاطاحة بالخصوم شرّ إطاحة، عِوَض هزمهم فكريّا أو انتخابيا، وهتك أعراض الناس وخصوصياتهم، عِوَض حمايتها وصيانتها والابتعاد بها عن سوق المزايدات السياسويّة والشعبويّة، وممارسة أشكال من التعبير البدائي والمنحط الذي لا هدف له إلاّ الكذب والنفاق ونشر الاحقاد والضغائن وإحداث الفتن والتشهير والتشويه والسعي المحموم لتحقيق المنافع والربح المادي الرخيص.
الحريّة المسؤولة فرضٌ واجبٌ وقاعدة محورية للإعلام وصنوف التعبير المختلفة، وهي ايضا المدخل الوحيد والأوحد لنخبة سياسيّة غير أنانيّة، متبصّرة، منضبطة، غير فوضويّة، واعية بما لها من ادوار حاسمة في مناعة الدولة ونهضة المجتمع وتماسكه.

خالد الحدّاد
سياسة التشكيك والمغالطات
20 ماي 2018 السّاعة 21:00
يُنجز جزء كبير من الحراك السياسي في بلادنا بعيدا عن الشفافيّة المطلوبة وفي إطار صراعات الأهواء والمصالح...
المزيد >>
رمضـــان... والأسعــار
19 ماي 2018 السّاعة 21:00
في تونس عادة ما يكون شهر رمضان اختبارا حقيقيا للحكومة في مجال التحكم في الأسعار ... منذ سنوات الأسعار في تونس...
المزيد >>
القدس...و دموع التماسيح
18 ماي 2018 السّاعة 21:00
المواقف والتصريحات التي أطلقها الرئيس التركي رجب طيب اردوغان من نقل سفارة أمريكا الى القدس و رغم «الحماسة»...
المزيد >>
شهر الرحمة... وجنون الأسعار !
17 ماي 2018 السّاعة 21:00
يحتفل التونسيون بداية من اليوم بشهر الرحمة رمضان الكريم وسط مشاعر فيها الكثير من الأمل والخوف من المستقبل ،...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
خالد الحدّاد
سياسة التشكيك والمغالطات
يُنجز جزء كبير من الحراك السياسي في بلادنا بعيدا عن الشفافيّة المطلوبة وفي إطار صراعات الأهواء والمصالح وحروب التموقع التي لم تتخلّص منها الحياة الوطنية على الرغم من الخطوات...
المزيد >>