تحاليل «الشروق»:هل من الممكن الحديث عن هُدنة سياسيّة؟
خالد الحدّاد
سياسة التشكيك والمغالطات
يُنجز جزء كبير من الحراك السياسي في بلادنا بعيدا عن الشفافيّة المطلوبة وفي إطار صراعات الأهواء والمصالح وحروب التموقع التي لم تتخلّص منها الحياة الوطنية على الرغم من الخطوات...
المزيد >>
تحاليل «الشروق»:هل من الممكن الحديث عن هُدنة سياسيّة؟
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 03 جانفي 2018

تونس - الشروق :
من أكثر ما اعتادت النخبة السياسية طرحه منذ قيام الثورة هو حديثها عن الهدنة، فتقريبا جاءت العبارة على لسان جميع من تقلّد مسؤولية رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة.
واقترن هذا الطرح مع محطّات أو أحداث وطنيّة لافتة، ولبست الهدنة رداءات عديدة من أبرزها خارطة طريق الرباعي الراعي للحوار الوطني وتجربة التوافق بين الشيخين السبسي والغنوشي وحزبي النداء والنهضة وكان آخر شكل لها حكومة الوحدة الوطنية التي انبثقت عن وثيقة قرطاج التي طرحها رئيس الجمهورية.
دونما شكّ، عرفت مختلف تلك المحطات هدوءا نسبيا وحققت معه البلاد نتائج إيجابية منها أساسا المصادقة على الدستور والمضي في استكمال المسار الانتخابي الذي كان شبه معطَّل غداة اغتيال الفقيدين شكري بلعيد والحاج محمّد البراهمي وبدء جملة من الإصلاحات في ظل الحكومة الحالية.
نظريا مطلب الهدنة السياسية أو الاجتماعية يتعارض مع مبدإ التنافس بين الأحزاب ولا ينسجم مطلقا مع ما هو مطروح على عاتق النقابات من التزام بالدفاع عن حقوق الشغالين والعمّال، ولكن موضوعيا واستراتيجيا، وبالنظر الى المرحلة الانتقالية المتواصلة التي تعيشها بلادنا، فإنّ الهدنة تكاد تكون لازمة بل ومؤكّدة، إذ من الصعب أن يتحقّق مكسب دون تفاهمات بين الفاعلين السياسيّين الاجتماعيين الكبار، تفاهمات تنتهي الى توافقات كبرى حول قوانين اللعبة السياسية عبر القبول بتنازلات متبادلة.
التجربة السياسية الناشئة في بلادنا تؤكّد الحاجة إلى مثل هذه الهدنة ولكن ارتهان هذه الورقة إلى منازع شخصية وحزبية وخضوعها إلى الأهواء والرغبة في كسب النقاط في ساحة المنافسة أفقدها الكثير من بريقها وجاذبيّتها.
اليوم، ليس عجبا أن يُعيد رئيس الحكومة هذا المطلب القديم الجديد، فالقناعة راسخة ومؤكّدة أنّه لن يكون من الممكن الحديث عن انقاذ اقتصادي أو حركيّة تنموية وتشغيل في ظل غياب حالة من الاستقرار تبتعد بالحياة الوطنية عن منطق المغالبة والتجاذب السياسوي ومنطق الأجندات والاصطفافات الإيديولوجيّة المحلية والإقليمية وتصفية الحسابات والولاءات للخارج أو نوايا البحث عن تموقع سياسي راهن أو تهيئة الارضيّة لاستحقاق سياسي أو انتخابي قادم.
للأسف، الممارسة السياسية المهزوزة التي تعيش على وقعها النخبة والأحزاب لوّثت مطلبا ملحّا ولازما واستحقاقا وطنيا نبيلا وهاما في تعزيز الاستقرار السياسي والاجتماعي وإتاحة الفرصة للنهضة الاقتصاديّة والتنمويّة المأمولة.
فبعيدا عن قراءة ما في النوايا، فإنّ منطوق الخطابات السياسية المتتالية منذ المرزوقي والجبالي إلى السبسي والشاهد اليوم ومشاهد الأحداث وتطورات الاوضاع تشي بمنازع لجعل الهدنة مطيّة لكسب سياسوي وتكشف عن مخفيات لخلط أوراق العملية السياسية والرد على مناورات الخصوم أو المنافسين.
لكن هل يعني ذلك اليأس من هدنة مَّا تعيد بارقة الأمل وتفتح الطريق ولو بشكل صغير لرؤية منجزات تنموية واقتصادية على وجه الخصوص؟
الأمل موجود حتما، ولكن شروطه قد تكون مجحفة في نظر بعض الاطراف التي اعتادت ركوب الأحداث وتوظيف الاحتجاجات وحتى الكوارث لتحقيق استمراريتها في المشهد، الهدنة ستقضي حتما على أحلام الكثير من الفوضويين والثورجيين الذين لا يَرَوْن حظا لهم إلاّ في الفوضى وفي الإبقاء على جذوة الاحتقان والاحقاد والتباغض.
للأسف مرّة أخرى، يُواصل العقل السياسي والحزبي التونسي دورانه في دوَّامة عدميّة تدفع بالبلاد نحو المزيد من الأزمات والمزيد من المؤشرات السلبيّة، دوَّامة يغيب عنها المنطق والسلوك الحكيم وتضمحلّ فيها روح المسؤولية الوطنية.
آن لنخبتنا أن تنهض عمّا هي واقعة فيه من غوغاء انهكت الاقتصاد الوطني وأضرّت بالقيم المجتمعيّة وأوصلت المالية العموميّة إلى مطبات خطيرة جدا وفاقمت من تعب المواطنين وقلقهم وزادت من الضغوط على قدرتهم الشرائيّة.
أليس بإمكان النخبة أن تُقيم فاصلة بين نوازعها السياسية والمصالح الاقتصاديّة والاجتماعية والوطنية؟
إلى متى سيتواصل تأجيج المشاعر والتلاعب بها؟
إلى متى ستغيب الرؤية الوطنية الواحدة الباحثة عن حلول للأزمات الاقتصاديّة والاجتماعية وانقاذ البلاد بعيدا عن الاهواء والمصالح الضيّقة؟
دعوا الاقتصاد والتنمية والمصالح العليا للدولة وعلاقاتها الخارجية وشأنها، ابتعدوا عن المتاجرة بآلام الناس أو التلاعب بمشاعرهم؟
ابتعدوا عن الوعود الكاذبة وتزييف الحقائق واعملوا بصدق لكسب ودّ الناس وتعاطفهم ودعمهم؟
الهدنة المطلوبة الآن هي هذه، التحلّي بروح الجديّة والمسؤولية والكفّ عن الإيديولوجيات العمياء والغوغائية وتلبيس الحق بالباطل وممارسة الرياء والكذب والنفاق والتقاذف بالاتهامات ونشر الغسيل الوسخ ومزيد إنهاك مؤسّسات الدولة والقَدْح في رموزها والحط من قيمتها.
الهدنة المأمولة هدنة قيميّة أخلاقيّة بالأساس، هدنة تضع مصالح الوطن العليا وقضايا الشعب الملحّة والعاجلة موضع الاولوية المطلقة.
دون هذا الحد الأخلاقي، المتشبّع بروح الوطنية والولاء المطلق لتونس وشعبها، لن يكون هناك معنى لحديث عن هدنة سياسية أو اجتماعية أو غيرها.

بقلم: خالد الحدّاد
أولا وأخيرا:لا حســـــــــاب تحـت التوتــــــة
20 ماي 2018 السّاعة 21:00
بالأمس القريب في ذاك الزمن الجميل رغم الفقر والفاقة والحاجة يوم كانت السعادة تغمرنا لأبسط مكسب ولو كان ثمن...
المزيد >>
إشراقات 2:صورة أخرى
20 ماي 2018 السّاعة 21:00
اقرؤوا معي هذه الفقرة ثمّ سأذكر لكم من أين اخترتها لكم: «أمّا السكن فلم نتمتّع مع الأسف بالسكن الجامعي بل...
المزيد >>
حدث وحديث:«وقتاش اتجي كار الـعشرة ؟»
19 ماي 2018 السّاعة 21:00
على كامل مدى الأسبوع المنقضي ووسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي لا تكفّ تذكر حادثة القطار الياباني الذي...
المزيد >>
ردّ من المدرسة الخاصة على ولاية تونس
19 ماي 2018 السّاعة 21:00
..وبعد ما ورد من توضيحات من ولاية تونس حول الأسباب الحقيقية لعدم منح رخصة لفائدة مدرسة ابتدائية نفيدكم أن...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
تحاليل «الشروق»:هل من الممكن الحديث عن هُدنة سياسيّة؟
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 03 جانفي 2018

تونس - الشروق :
من أكثر ما اعتادت النخبة السياسية طرحه منذ قيام الثورة هو حديثها عن الهدنة، فتقريبا جاءت العبارة على لسان جميع من تقلّد مسؤولية رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة.
واقترن هذا الطرح مع محطّات أو أحداث وطنيّة لافتة، ولبست الهدنة رداءات عديدة من أبرزها خارطة طريق الرباعي الراعي للحوار الوطني وتجربة التوافق بين الشيخين السبسي والغنوشي وحزبي النداء والنهضة وكان آخر شكل لها حكومة الوحدة الوطنية التي انبثقت عن وثيقة قرطاج التي طرحها رئيس الجمهورية.
دونما شكّ، عرفت مختلف تلك المحطات هدوءا نسبيا وحققت معه البلاد نتائج إيجابية منها أساسا المصادقة على الدستور والمضي في استكمال المسار الانتخابي الذي كان شبه معطَّل غداة اغتيال الفقيدين شكري بلعيد والحاج محمّد البراهمي وبدء جملة من الإصلاحات في ظل الحكومة الحالية.
نظريا مطلب الهدنة السياسية أو الاجتماعية يتعارض مع مبدإ التنافس بين الأحزاب ولا ينسجم مطلقا مع ما هو مطروح على عاتق النقابات من التزام بالدفاع عن حقوق الشغالين والعمّال، ولكن موضوعيا واستراتيجيا، وبالنظر الى المرحلة الانتقالية المتواصلة التي تعيشها بلادنا، فإنّ الهدنة تكاد تكون لازمة بل ومؤكّدة، إذ من الصعب أن يتحقّق مكسب دون تفاهمات بين الفاعلين السياسيّين الاجتماعيين الكبار، تفاهمات تنتهي الى توافقات كبرى حول قوانين اللعبة السياسية عبر القبول بتنازلات متبادلة.
التجربة السياسية الناشئة في بلادنا تؤكّد الحاجة إلى مثل هذه الهدنة ولكن ارتهان هذه الورقة إلى منازع شخصية وحزبية وخضوعها إلى الأهواء والرغبة في كسب النقاط في ساحة المنافسة أفقدها الكثير من بريقها وجاذبيّتها.
اليوم، ليس عجبا أن يُعيد رئيس الحكومة هذا المطلب القديم الجديد، فالقناعة راسخة ومؤكّدة أنّه لن يكون من الممكن الحديث عن انقاذ اقتصادي أو حركيّة تنموية وتشغيل في ظل غياب حالة من الاستقرار تبتعد بالحياة الوطنية عن منطق المغالبة والتجاذب السياسوي ومنطق الأجندات والاصطفافات الإيديولوجيّة المحلية والإقليمية وتصفية الحسابات والولاءات للخارج أو نوايا البحث عن تموقع سياسي راهن أو تهيئة الارضيّة لاستحقاق سياسي أو انتخابي قادم.
للأسف، الممارسة السياسية المهزوزة التي تعيش على وقعها النخبة والأحزاب لوّثت مطلبا ملحّا ولازما واستحقاقا وطنيا نبيلا وهاما في تعزيز الاستقرار السياسي والاجتماعي وإتاحة الفرصة للنهضة الاقتصاديّة والتنمويّة المأمولة.
فبعيدا عن قراءة ما في النوايا، فإنّ منطوق الخطابات السياسية المتتالية منذ المرزوقي والجبالي إلى السبسي والشاهد اليوم ومشاهد الأحداث وتطورات الاوضاع تشي بمنازع لجعل الهدنة مطيّة لكسب سياسوي وتكشف عن مخفيات لخلط أوراق العملية السياسية والرد على مناورات الخصوم أو المنافسين.
لكن هل يعني ذلك اليأس من هدنة مَّا تعيد بارقة الأمل وتفتح الطريق ولو بشكل صغير لرؤية منجزات تنموية واقتصادية على وجه الخصوص؟
الأمل موجود حتما، ولكن شروطه قد تكون مجحفة في نظر بعض الاطراف التي اعتادت ركوب الأحداث وتوظيف الاحتجاجات وحتى الكوارث لتحقيق استمراريتها في المشهد، الهدنة ستقضي حتما على أحلام الكثير من الفوضويين والثورجيين الذين لا يَرَوْن حظا لهم إلاّ في الفوضى وفي الإبقاء على جذوة الاحتقان والاحقاد والتباغض.
للأسف مرّة أخرى، يُواصل العقل السياسي والحزبي التونسي دورانه في دوَّامة عدميّة تدفع بالبلاد نحو المزيد من الأزمات والمزيد من المؤشرات السلبيّة، دوَّامة يغيب عنها المنطق والسلوك الحكيم وتضمحلّ فيها روح المسؤولية الوطنية.
آن لنخبتنا أن تنهض عمّا هي واقعة فيه من غوغاء انهكت الاقتصاد الوطني وأضرّت بالقيم المجتمعيّة وأوصلت المالية العموميّة إلى مطبات خطيرة جدا وفاقمت من تعب المواطنين وقلقهم وزادت من الضغوط على قدرتهم الشرائيّة.
أليس بإمكان النخبة أن تُقيم فاصلة بين نوازعها السياسية والمصالح الاقتصاديّة والاجتماعية والوطنية؟
إلى متى سيتواصل تأجيج المشاعر والتلاعب بها؟
إلى متى ستغيب الرؤية الوطنية الواحدة الباحثة عن حلول للأزمات الاقتصاديّة والاجتماعية وانقاذ البلاد بعيدا عن الاهواء والمصالح الضيّقة؟
دعوا الاقتصاد والتنمية والمصالح العليا للدولة وعلاقاتها الخارجية وشأنها، ابتعدوا عن المتاجرة بآلام الناس أو التلاعب بمشاعرهم؟
ابتعدوا عن الوعود الكاذبة وتزييف الحقائق واعملوا بصدق لكسب ودّ الناس وتعاطفهم ودعمهم؟
الهدنة المطلوبة الآن هي هذه، التحلّي بروح الجديّة والمسؤولية والكفّ عن الإيديولوجيات العمياء والغوغائية وتلبيس الحق بالباطل وممارسة الرياء والكذب والنفاق والتقاذف بالاتهامات ونشر الغسيل الوسخ ومزيد إنهاك مؤسّسات الدولة والقَدْح في رموزها والحط من قيمتها.
الهدنة المأمولة هدنة قيميّة أخلاقيّة بالأساس، هدنة تضع مصالح الوطن العليا وقضايا الشعب الملحّة والعاجلة موضع الاولوية المطلقة.
دون هذا الحد الأخلاقي، المتشبّع بروح الوطنية والولاء المطلق لتونس وشعبها، لن يكون هناك معنى لحديث عن هدنة سياسية أو اجتماعية أو غيرها.

بقلم: خالد الحدّاد
أولا وأخيرا:لا حســـــــــاب تحـت التوتــــــة
20 ماي 2018 السّاعة 21:00
بالأمس القريب في ذاك الزمن الجميل رغم الفقر والفاقة والحاجة يوم كانت السعادة تغمرنا لأبسط مكسب ولو كان ثمن...
المزيد >>
إشراقات 2:صورة أخرى
20 ماي 2018 السّاعة 21:00
اقرؤوا معي هذه الفقرة ثمّ سأذكر لكم من أين اخترتها لكم: «أمّا السكن فلم نتمتّع مع الأسف بالسكن الجامعي بل...
المزيد >>
حدث وحديث:«وقتاش اتجي كار الـعشرة ؟»
19 ماي 2018 السّاعة 21:00
على كامل مدى الأسبوع المنقضي ووسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي لا تكفّ تذكر حادثة القطار الياباني الذي...
المزيد >>
ردّ من المدرسة الخاصة على ولاية تونس
19 ماي 2018 السّاعة 21:00
..وبعد ما ورد من توضيحات من ولاية تونس حول الأسباب الحقيقية لعدم منح رخصة لفائدة مدرسة ابتدائية نفيدكم أن...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
خالد الحدّاد
سياسة التشكيك والمغالطات
يُنجز جزء كبير من الحراك السياسي في بلادنا بعيدا عن الشفافيّة المطلوبة وفي إطار صراعات الأهواء والمصالح وحروب التموقع التي لم تتخلّص منها الحياة الوطنية على الرغم من الخطوات...
المزيد >>