رسالة مفتوحة الى المعلمين والأساتذة:أنتم المسؤولون عن الوطن
خالد الحدّاد
سياسة التشكيك والمغالطات
يُنجز جزء كبير من الحراك السياسي في بلادنا بعيدا عن الشفافيّة المطلوبة وفي إطار صراعات الأهواء والمصالح وحروب التموقع التي لم تتخلّص منها الحياة الوطنية على الرغم من الخطوات...
المزيد >>
رسالة مفتوحة الى المعلمين والأساتذة:أنتم المسؤولون عن الوطن
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 01 جانفي 2018

كان جان جوراس أستاذا وسياسيا فرنسيا معروفا بحبه المفرط للمدرسة العمومية ولوطنه فتوجه في رسالة للمعلمين بتاريخ 15 جانفي 1888 يقول لهم ضمنها : “أيها المعلمون، تمسكون بين أيديكم ذكاء الأطفال وقدراتهم على الخيال فأنتم المسؤولون إذن على الوطن” .
فلا يكفي أن يعلًّم المعلم الأطفال القراءة والكتابة بصفة جيدة، إنما من واجبه أيضا أن يعلمهم تاريخ وجغرافية فرنسا لأنهم فرنسيون ، ويزرع في قلوبهم حب الوطن والمواطنة والعمل والاتقان والنظام والحرية والكرامة والإنسانية والعدالة والمساواة. فينبغي على المعلم أن يكون في المستوى المطلوب ذامعرفة وكفاءة تسمح للتلميذ أن لا يتعلم تهجئة الحروف فحسب بل يتمكن التلميذ أيضا من القراءة بسهولة تامة دون أي تردد فيكتسب القدرة الفكرية لفهم تاريخ الإنسان والبنية الكونية ودور فرنسا الإنساني في العالم كما ينبغي على المعلم أن يلقن للتلميذ معرفة الجزء قبل الكل. وعندما يتمكن التلميذ من القراءة والكتابة بصفة جيدة، يعرض له المعلم في ذلك الحين أفكارا تهم المعرفة والضمير البشري…ويكون المعلم قد فاز في مهنته إذا استطاع أن يبعث في التلاميذ القدرة على التفكير والرغبة في المعرفة وزرع الديمقراطية في أذهانهم لحماية السيادة الوطنية…
فدفاعا عن المدرسة وجودتها خاطب جان جوراس المعلمين الفرنسيين يحثهم على تعليم الأطفال تعليما ممتازا لإنشاء هوية فرنسية قوية تجعلهم يحبون وطنهم حبا قادرا على تحقيق التقدم والرقي والحرية والديمقراطية والابداع.
فمضيت أتساءل لماذا انحدر إلى الحضيض مستوى التعليم والمعرفة في مدارسنا؟ وكيف أصبحنا شعبا لا يقرأ؟ لا يستطيع تسمية الأشياء وتركيب الجمل بلغتنا العربية الوطنية؟ ولماذا لم تنجح المدرسة في رفع شأن الانسان وأخلاقه في بلادنا ؟وما هي الأسباب التي جعلت الشباب في بلادنا يسخر من اصوله وينفر من لغته وتاريخه وماضيه؟ ولماذا لم تتمكن المدرسة من زرع الحس الوطني والقومي في عقول أطفالنا ولم تنجح في تعليم أطفالنا لغة سليمة تساعدهم على الحديث والحوار والمناقشة واستيعاب العلوم بلغتهم الوطنية الرسمية ،اللغة العربية ؟ فطرقت باب المنهج التربوي عند ابن خلدون عسى أن أعرف أسباب تدهور التعليم في مدارسنا.
قد تناول ابن خلدون في مقدمته عديدا من العلوم أهمها علوم اللسان العربي التي بناها على أربعة أركان وهي اللغة والنحووالبيان والأدب ومعرفتها ضرورية للمعرفة، جاعلا النحوأولها : ” إذ به يتبين أصول المقاصد بالدلالة فيعرف الفاعل من المفعول، والمبتدأ من الخبر، ولولاه لجهل أصل الإفادة “. فالنحوهوالركن الأساسي لفصاحة الرأي وطلاقة النطق وهوالمؤدي لفهم جميع العلوم”.
يحدد ابن خلدون شروطا حتى تكون عملية التعليم ناجحة ومثمرة :

أولا : شروط المعلم ( المربي ) :
*الإحاطة بمبادئ التعليم وعدم الشدة على المتعلمين : (التلاميذ)
يعد المعلم العنصر الأساسي في العملية التربوية، فهوبمثابة الطبيب المعالج للنفس من مرضها وجهلها بالعلوم، مهمته أعظم من مهمة الطبيب لأن الأول متصرف في العقول والقلوب في حين أن الثاني متصرف في الأبدان. فينبغي على المعلم أن يكون قادراعلى التعليم وذا كفاءة، دون الاستبداد والقسوة مع التلميذ لكي لا يجره للكذب والكسل والخبث كما يرى أبوحامد الغزالي.
* الإيجاز المفيد في تقديم المسائل العلمية وحسن الإنتقاء ( الاختيار) :
فمثلا لا ينبغي التوسع في علم النحولأن الهدف الأسمى منه هومعرفة صواب الكلام من أخطائه وإصلاح الألسنة من اللحن أواللكنة. ونبه ابن خلدون “أن الاختصار المخل سيحدث لا محالة ضررا في إيصال المعاني والإكثار منها في العلوم يخل بالتعليم.”
* المتابعة والاستمرار في تلقين العلم وعدم الخلط بين الفنون :
يلح ابن خلدون على عدم الانتقال من مسألة علمية إلى مسألة أخرى قبل فهم التلميذ للمسألة الأولى، ولذا يجب الاستمرار في تلقين المسألة الواحدة إلى أن ينتهي منها ويتحقق أن المتعلم قد استوعبها. كما نبه إلى عدم الخلط بين المسائل ومن واجب المعلم أن لا يخلط علمين معا لأن ذلك من شأنه يؤدي إلى خيبة الأمل لدى التلميذ.
* مراعاة الفروق الفردية بين المتعلمين : (التلاميذ)
ينبه ابن خلدون إلى الإقرار بمراعاة الفروق الفردية بين المتعلمين لأن العوامل النفسية والبدنية والبيئية ترتبط ربطا متينا في تحديد حجم التعليم وحكمة المعلم أن يخاطب تلاميذه على قدر عقولهم.
* الحث على الممارسة والتحلي بالتدرج والتكرار في عرض المادة :
يجب على المعلم أن يعلم تلاميذه بصفة تدريجية ويركز على التكرار والحث على الممارسة في تلقين العلوم ويكون ذلك ببدء تعليم الشيء الواضح من العلم قبل الغامض وبالبسيط قبل الصعب وبالجزء قبل الكل وبالعملي قبل النظري وبالمحسوس قبل المجرد كما ينبغي على المعلم الاستيفاء أي تناوله للدرس بالشرح والبيان حتى يصبح العلم للتلميذ واضحا تمام الوضوح. فالتكرار إذن مبدأ ضروري لتكوين المَلَكَةُ عند التلميذ أي الاستعداد العقلي الخاص لتناول أعمال معينة بمهارة. وكثرة التكرار تؤدي إلى الحفظ الذي يزيد صاحب المَلَكَة رسوخا، لكن المَلَكَة لا تحصل إلا بممارسة التلميذ اللغة العربية ممارسة جيدة.
ثانيا : شروط المتعلم (التلميذ)
* الإصغاء ( السمع ) :
إن المتعلم مطالب في بداية تعليمه بالإصغاء لمعلمه واستيعاب العلوم المختلفة، ذلك أن السمع والانصات هوأبو المَلَكَات اللسانية في نظر ابن خلدون. وبفضل المحاورة والكلام والسمع والمناظرة يستطيع التلميذ الانغماس الكلي في وسط لغوي عفوي. فتحصل المَلَكَة في رأي ابن خلدون بممارسة اللغة العربية والسمع والتفطن لخواص تركيبها وليست تحصل بمعرفة القوانين العلمية في ذلك.
* الاستعداد :
على المتعلم الاستعداد للتعلم والتفرغ للعلم والابتعاد عن كل ما يشغله عن الدراسة. إن الاستعداد ينشأ تدريجيا وذلك بعد دراسة نفسية التلميذ واستعداداته العقلية من طرف المعلم وإقامة علاقة عاطفية بينهما وعلى قدر تشويق التلميذ للمادة المراد تلقينها يرتفع مستوى معرفته للعلوم.
* مرافقة وملازمة شيوخ ( أساتذة ) العلم والرحلة في طلب العلم :
إن ترسيخ مَلَكَة العلم يكون بملازمة رجال العلم لأن طريقة المعلمين متعددة وعلى المتعلم الذي يريد الاستزادة من العلم ملازمة الشيوخ ( الأساتذة ) والرحلة تقتضي اللقاء بشيوخ (بأساتذة ) العلم . وعلى قدر كثرة الشيوخ ( الأساتذة )ترتفع جدارة وكفاءة التلميذ ورسوخ العلوم في ذاكرته …كما أن لقاء أهل العلوم وتعدد المشايخ ( الأساتذة ) يفيد المتعلم تمييز الاصطلاحات بما يراه من اختلاف طرقهم فيها.
يمكننا القول أن العلامة ابن خلدون له سابقة في بعث طريقة تدريس لا تقل أهمية على المناهج التربوية الحديثة المعاصرة ترتكز على الأركان التالية :
– 1) توخي التدرج والتكرار في عرض المادة العلمية
– 2) التشويق
– 3) مراعاة استعدادات التلميذ
– 4) الأخذ بعين الاعتبار الفروق الفردية بين التلاميذ أثناء تلقين العلوم
– 5) المعلومات الخاصة بالمَلَكَة أي الاستعداد العقلي الخاص لتناول أعمال معينة بمهارة
– 6) السمع عند ابن خلدون هوأبوالمَلَكَات لأن الإنسان يسمع قبل أن يتكلم
– 7) معرفة اللغة كلاما وفهما لا تتحصل إلا بالتكرار،
يمثل التعليم بالنسبة لابن خلدون الحجر الأساسي لبناء المجتمع ويرى المعلمين سند التعليم الجيد الذي يحصل إلا بالمحاورة والمناظرة والمفاوضة وليس بالحفظ. ويعتبر أيضا أن التعليم صناعة لا تكتسب إلا بالجهد المتواصل والخبرة والممارسة.
وإذا كان المتعلم مقصرا في اللغة العربية ودلالاتها اللفظية والخطية صعب عليه فهم المعاني منها.
ويربط ابن خلدون جودة التعليم بتكوين الأستاذ فعلى قدر ما ترتفع كفاءة المعلم يكون مستوى حذق المتعلم في الصناعة ( المعرفة الفكرية، العلمية أوالمهارة اليدوية ) أقوى ويتمكن التلميذ من الحصول على المَلَكَة ( أي الاستعداد العقلي الخاص لتناول أعمال معينة بمهارة ) التي تنير فكره وعقله كما ترتفع جودة التعليم بتقليل الفجوة بين الطالب وأستاذه وفرض علاقة إنسانية خالية من سوء الأخلاق والتوبيخ بينهما، كلها لطفا ورحمة.
يحدد ابن خلدون جملة من الوظائف الخاصة بالتعليم أهمها :
* وظيفة تقوية العقل :
التعليم يزيد الانسان ذكاء في عقله وإضاءة في فكره.
* وظيفة رسوخ الحضارة :
العلم يزهوويزدهر كلما كانت حضارة ذلك البلد مزدهرة لأن العلم والمعرفة وشتى الصنائع مرتبطة بقوة الحضارة وتجذرها في المجتمع.
* وظيفة كسب المعاش :
إذا لم تكن الصناعة مطلوبة فلا يوجد قصد لتعلمها فتترك ويقع إهمالها.وبعد الاطلاع على المنهج التربوي لابن خلدون تأكد أن موروثنا الثقافي لا يقل امتيازا على المناهج التربوية الحديثة والمعاصرة. فإذا أردنا أن نرفع من شأننا في التربية والتعليم فلا بد من إعادة قراءة التاريخ لأن التاريخ يحمل في طياته عبرا على لسان ابن خلدون وأمثاله، تنبع من واقع اجتماعي وحضاري عربي اللغة ما زلنا ننتمي إليه . فعلينا أن نثابر في الرجوع إليه عوض أن نحاول نقل المنظومات التربوية الخاصة بالدول الغربية ، يخيل إلينا أنها القول الفصل لكسب العلوم والمعرفة.ولا بد أيضا أن نتيقن أن مواكبة الحداثة لا تتحقق بطمس اللغة العربية وتعويضها باللغة الفرنسية أوالبريطانية بل بالعكس على قدر ما نحسن لغتنا العربية يرتفع حفظنا الجيد للغات الأجنبية.إن اللغة أحد وجهي الفكر، فإذا لم نحسن لغتنا العربية على أحسن وجه فلا يمكن لنا اكتساب الفكر التام الصحيح والتعليم الممتاز باللغة العربية هوالذي يسمح للتلميذ استيعاب العلوم والمعرفة والابداع والابتكار.

بقلم د. محمد الناصر بن عرب
مقترح مبادرة وطنية موجهة إلى الأغلبية الوطنية المنحازة لقضية فلسطين
19 ماي 2018 السّاعة 17:30
الشروق اون لاين – محمد الطاهر: كتب الاستاذ الجامعة التونسية والمنسق العلمي لشبكة باب المغاربة للدراسات...
المزيد >>
المدرسة والبلدية :علاقات استراتيجية أهملتها البرامج الانتخابية
14 ماي 2018 السّاعة 21:00
تتجه الأنظار في تونس الى الانتخابات البلدية القادمة التي تحظى باهتمام واسع من مختلف الشرائح الاجتماعية ومن...
المزيد >>
ما أشبـه اليــوم بالبارحـــة
14 ماي 2018 السّاعة 21:00
والتاريخ يعيد نفسه أو نستنطقونه أحيانا وهو صورة طبق الأصل من الماضي السحيق الضارب في القدم ويتشابه في...
المزيد >>
حربوشـــة ثقيلــــة الــوزن معبــــــرة ومدوية وصريحة
14 ماي 2018 السّاعة 21:00
شعبنا الأبي الوفي الذكي المسالم الواعي والمثقف وصاحب المواعيد الحاسمة بعد أن جرب وأعطى الفرصة لمدة 4 أعوام...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
رسالة مفتوحة الى المعلمين والأساتذة:أنتم المسؤولون عن الوطن
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 01 جانفي 2018

كان جان جوراس أستاذا وسياسيا فرنسيا معروفا بحبه المفرط للمدرسة العمومية ولوطنه فتوجه في رسالة للمعلمين بتاريخ 15 جانفي 1888 يقول لهم ضمنها : “أيها المعلمون، تمسكون بين أيديكم ذكاء الأطفال وقدراتهم على الخيال فأنتم المسؤولون إذن على الوطن” .
فلا يكفي أن يعلًّم المعلم الأطفال القراءة والكتابة بصفة جيدة، إنما من واجبه أيضا أن يعلمهم تاريخ وجغرافية فرنسا لأنهم فرنسيون ، ويزرع في قلوبهم حب الوطن والمواطنة والعمل والاتقان والنظام والحرية والكرامة والإنسانية والعدالة والمساواة. فينبغي على المعلم أن يكون في المستوى المطلوب ذامعرفة وكفاءة تسمح للتلميذ أن لا يتعلم تهجئة الحروف فحسب بل يتمكن التلميذ أيضا من القراءة بسهولة تامة دون أي تردد فيكتسب القدرة الفكرية لفهم تاريخ الإنسان والبنية الكونية ودور فرنسا الإنساني في العالم كما ينبغي على المعلم أن يلقن للتلميذ معرفة الجزء قبل الكل. وعندما يتمكن التلميذ من القراءة والكتابة بصفة جيدة، يعرض له المعلم في ذلك الحين أفكارا تهم المعرفة والضمير البشري…ويكون المعلم قد فاز في مهنته إذا استطاع أن يبعث في التلاميذ القدرة على التفكير والرغبة في المعرفة وزرع الديمقراطية في أذهانهم لحماية السيادة الوطنية…
فدفاعا عن المدرسة وجودتها خاطب جان جوراس المعلمين الفرنسيين يحثهم على تعليم الأطفال تعليما ممتازا لإنشاء هوية فرنسية قوية تجعلهم يحبون وطنهم حبا قادرا على تحقيق التقدم والرقي والحرية والديمقراطية والابداع.
فمضيت أتساءل لماذا انحدر إلى الحضيض مستوى التعليم والمعرفة في مدارسنا؟ وكيف أصبحنا شعبا لا يقرأ؟ لا يستطيع تسمية الأشياء وتركيب الجمل بلغتنا العربية الوطنية؟ ولماذا لم تنجح المدرسة في رفع شأن الانسان وأخلاقه في بلادنا ؟وما هي الأسباب التي جعلت الشباب في بلادنا يسخر من اصوله وينفر من لغته وتاريخه وماضيه؟ ولماذا لم تتمكن المدرسة من زرع الحس الوطني والقومي في عقول أطفالنا ولم تنجح في تعليم أطفالنا لغة سليمة تساعدهم على الحديث والحوار والمناقشة واستيعاب العلوم بلغتهم الوطنية الرسمية ،اللغة العربية ؟ فطرقت باب المنهج التربوي عند ابن خلدون عسى أن أعرف أسباب تدهور التعليم في مدارسنا.
قد تناول ابن خلدون في مقدمته عديدا من العلوم أهمها علوم اللسان العربي التي بناها على أربعة أركان وهي اللغة والنحووالبيان والأدب ومعرفتها ضرورية للمعرفة، جاعلا النحوأولها : ” إذ به يتبين أصول المقاصد بالدلالة فيعرف الفاعل من المفعول، والمبتدأ من الخبر، ولولاه لجهل أصل الإفادة “. فالنحوهوالركن الأساسي لفصاحة الرأي وطلاقة النطق وهوالمؤدي لفهم جميع العلوم”.
يحدد ابن خلدون شروطا حتى تكون عملية التعليم ناجحة ومثمرة :

أولا : شروط المعلم ( المربي ) :
*الإحاطة بمبادئ التعليم وعدم الشدة على المتعلمين : (التلاميذ)
يعد المعلم العنصر الأساسي في العملية التربوية، فهوبمثابة الطبيب المعالج للنفس من مرضها وجهلها بالعلوم، مهمته أعظم من مهمة الطبيب لأن الأول متصرف في العقول والقلوب في حين أن الثاني متصرف في الأبدان. فينبغي على المعلم أن يكون قادراعلى التعليم وذا كفاءة، دون الاستبداد والقسوة مع التلميذ لكي لا يجره للكذب والكسل والخبث كما يرى أبوحامد الغزالي.
* الإيجاز المفيد في تقديم المسائل العلمية وحسن الإنتقاء ( الاختيار) :
فمثلا لا ينبغي التوسع في علم النحولأن الهدف الأسمى منه هومعرفة صواب الكلام من أخطائه وإصلاح الألسنة من اللحن أواللكنة. ونبه ابن خلدون “أن الاختصار المخل سيحدث لا محالة ضررا في إيصال المعاني والإكثار منها في العلوم يخل بالتعليم.”
* المتابعة والاستمرار في تلقين العلم وعدم الخلط بين الفنون :
يلح ابن خلدون على عدم الانتقال من مسألة علمية إلى مسألة أخرى قبل فهم التلميذ للمسألة الأولى، ولذا يجب الاستمرار في تلقين المسألة الواحدة إلى أن ينتهي منها ويتحقق أن المتعلم قد استوعبها. كما نبه إلى عدم الخلط بين المسائل ومن واجب المعلم أن لا يخلط علمين معا لأن ذلك من شأنه يؤدي إلى خيبة الأمل لدى التلميذ.
* مراعاة الفروق الفردية بين المتعلمين : (التلاميذ)
ينبه ابن خلدون إلى الإقرار بمراعاة الفروق الفردية بين المتعلمين لأن العوامل النفسية والبدنية والبيئية ترتبط ربطا متينا في تحديد حجم التعليم وحكمة المعلم أن يخاطب تلاميذه على قدر عقولهم.
* الحث على الممارسة والتحلي بالتدرج والتكرار في عرض المادة :
يجب على المعلم أن يعلم تلاميذه بصفة تدريجية ويركز على التكرار والحث على الممارسة في تلقين العلوم ويكون ذلك ببدء تعليم الشيء الواضح من العلم قبل الغامض وبالبسيط قبل الصعب وبالجزء قبل الكل وبالعملي قبل النظري وبالمحسوس قبل المجرد كما ينبغي على المعلم الاستيفاء أي تناوله للدرس بالشرح والبيان حتى يصبح العلم للتلميذ واضحا تمام الوضوح. فالتكرار إذن مبدأ ضروري لتكوين المَلَكَةُ عند التلميذ أي الاستعداد العقلي الخاص لتناول أعمال معينة بمهارة. وكثرة التكرار تؤدي إلى الحفظ الذي يزيد صاحب المَلَكَة رسوخا، لكن المَلَكَة لا تحصل إلا بممارسة التلميذ اللغة العربية ممارسة جيدة.
ثانيا : شروط المتعلم (التلميذ)
* الإصغاء ( السمع ) :
إن المتعلم مطالب في بداية تعليمه بالإصغاء لمعلمه واستيعاب العلوم المختلفة، ذلك أن السمع والانصات هوأبو المَلَكَات اللسانية في نظر ابن خلدون. وبفضل المحاورة والكلام والسمع والمناظرة يستطيع التلميذ الانغماس الكلي في وسط لغوي عفوي. فتحصل المَلَكَة في رأي ابن خلدون بممارسة اللغة العربية والسمع والتفطن لخواص تركيبها وليست تحصل بمعرفة القوانين العلمية في ذلك.
* الاستعداد :
على المتعلم الاستعداد للتعلم والتفرغ للعلم والابتعاد عن كل ما يشغله عن الدراسة. إن الاستعداد ينشأ تدريجيا وذلك بعد دراسة نفسية التلميذ واستعداداته العقلية من طرف المعلم وإقامة علاقة عاطفية بينهما وعلى قدر تشويق التلميذ للمادة المراد تلقينها يرتفع مستوى معرفته للعلوم.
* مرافقة وملازمة شيوخ ( أساتذة ) العلم والرحلة في طلب العلم :
إن ترسيخ مَلَكَة العلم يكون بملازمة رجال العلم لأن طريقة المعلمين متعددة وعلى المتعلم الذي يريد الاستزادة من العلم ملازمة الشيوخ ( الأساتذة ) والرحلة تقتضي اللقاء بشيوخ (بأساتذة ) العلم . وعلى قدر كثرة الشيوخ ( الأساتذة )ترتفع جدارة وكفاءة التلميذ ورسوخ العلوم في ذاكرته …كما أن لقاء أهل العلوم وتعدد المشايخ ( الأساتذة ) يفيد المتعلم تمييز الاصطلاحات بما يراه من اختلاف طرقهم فيها.
يمكننا القول أن العلامة ابن خلدون له سابقة في بعث طريقة تدريس لا تقل أهمية على المناهج التربوية الحديثة المعاصرة ترتكز على الأركان التالية :
– 1) توخي التدرج والتكرار في عرض المادة العلمية
– 2) التشويق
– 3) مراعاة استعدادات التلميذ
– 4) الأخذ بعين الاعتبار الفروق الفردية بين التلاميذ أثناء تلقين العلوم
– 5) المعلومات الخاصة بالمَلَكَة أي الاستعداد العقلي الخاص لتناول أعمال معينة بمهارة
– 6) السمع عند ابن خلدون هوأبوالمَلَكَات لأن الإنسان يسمع قبل أن يتكلم
– 7) معرفة اللغة كلاما وفهما لا تتحصل إلا بالتكرار،
يمثل التعليم بالنسبة لابن خلدون الحجر الأساسي لبناء المجتمع ويرى المعلمين سند التعليم الجيد الذي يحصل إلا بالمحاورة والمناظرة والمفاوضة وليس بالحفظ. ويعتبر أيضا أن التعليم صناعة لا تكتسب إلا بالجهد المتواصل والخبرة والممارسة.
وإذا كان المتعلم مقصرا في اللغة العربية ودلالاتها اللفظية والخطية صعب عليه فهم المعاني منها.
ويربط ابن خلدون جودة التعليم بتكوين الأستاذ فعلى قدر ما ترتفع كفاءة المعلم يكون مستوى حذق المتعلم في الصناعة ( المعرفة الفكرية، العلمية أوالمهارة اليدوية ) أقوى ويتمكن التلميذ من الحصول على المَلَكَة ( أي الاستعداد العقلي الخاص لتناول أعمال معينة بمهارة ) التي تنير فكره وعقله كما ترتفع جودة التعليم بتقليل الفجوة بين الطالب وأستاذه وفرض علاقة إنسانية خالية من سوء الأخلاق والتوبيخ بينهما، كلها لطفا ورحمة.
يحدد ابن خلدون جملة من الوظائف الخاصة بالتعليم أهمها :
* وظيفة تقوية العقل :
التعليم يزيد الانسان ذكاء في عقله وإضاءة في فكره.
* وظيفة رسوخ الحضارة :
العلم يزهوويزدهر كلما كانت حضارة ذلك البلد مزدهرة لأن العلم والمعرفة وشتى الصنائع مرتبطة بقوة الحضارة وتجذرها في المجتمع.
* وظيفة كسب المعاش :
إذا لم تكن الصناعة مطلوبة فلا يوجد قصد لتعلمها فتترك ويقع إهمالها.وبعد الاطلاع على المنهج التربوي لابن خلدون تأكد أن موروثنا الثقافي لا يقل امتيازا على المناهج التربوية الحديثة والمعاصرة. فإذا أردنا أن نرفع من شأننا في التربية والتعليم فلا بد من إعادة قراءة التاريخ لأن التاريخ يحمل في طياته عبرا على لسان ابن خلدون وأمثاله، تنبع من واقع اجتماعي وحضاري عربي اللغة ما زلنا ننتمي إليه . فعلينا أن نثابر في الرجوع إليه عوض أن نحاول نقل المنظومات التربوية الخاصة بالدول الغربية ، يخيل إلينا أنها القول الفصل لكسب العلوم والمعرفة.ولا بد أيضا أن نتيقن أن مواكبة الحداثة لا تتحقق بطمس اللغة العربية وتعويضها باللغة الفرنسية أوالبريطانية بل بالعكس على قدر ما نحسن لغتنا العربية يرتفع حفظنا الجيد للغات الأجنبية.إن اللغة أحد وجهي الفكر، فإذا لم نحسن لغتنا العربية على أحسن وجه فلا يمكن لنا اكتساب الفكر التام الصحيح والتعليم الممتاز باللغة العربية هوالذي يسمح للتلميذ استيعاب العلوم والمعرفة والابداع والابتكار.

بقلم د. محمد الناصر بن عرب
مقترح مبادرة وطنية موجهة إلى الأغلبية الوطنية المنحازة لقضية فلسطين
19 ماي 2018 السّاعة 17:30
الشروق اون لاين – محمد الطاهر: كتب الاستاذ الجامعة التونسية والمنسق العلمي لشبكة باب المغاربة للدراسات...
المزيد >>
المدرسة والبلدية :علاقات استراتيجية أهملتها البرامج الانتخابية
14 ماي 2018 السّاعة 21:00
تتجه الأنظار في تونس الى الانتخابات البلدية القادمة التي تحظى باهتمام واسع من مختلف الشرائح الاجتماعية ومن...
المزيد >>
ما أشبـه اليــوم بالبارحـــة
14 ماي 2018 السّاعة 21:00
والتاريخ يعيد نفسه أو نستنطقونه أحيانا وهو صورة طبق الأصل من الماضي السحيق الضارب في القدم ويتشابه في...
المزيد >>
حربوشـــة ثقيلــــة الــوزن معبــــــرة ومدوية وصريحة
14 ماي 2018 السّاعة 21:00
شعبنا الأبي الوفي الذكي المسالم الواعي والمثقف وصاحب المواعيد الحاسمة بعد أن جرب وأعطى الفرصة لمدة 4 أعوام...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
خالد الحدّاد
سياسة التشكيك والمغالطات
يُنجز جزء كبير من الحراك السياسي في بلادنا بعيدا عن الشفافيّة المطلوبة وفي إطار صراعات الأهواء والمصالح وحروب التموقع التي لم تتخلّص منها الحياة الوطنية على الرغم من الخطوات...
المزيد >>