سياسيّون يكتبون :هل يمكن للديمقراطية أن تخذل أحلامنا الإسلامية والقومية العربية والمغاربية؟
خالد الحدّاد
سياسة التشكيك والمغالطات
يُنجز جزء كبير من الحراك السياسي في بلادنا بعيدا عن الشفافيّة المطلوبة وفي إطار صراعات الأهواء والمصالح وحروب التموقع التي لم تتخلّص منها الحياة الوطنية على الرغم من الخطوات...
المزيد >>
سياسيّون يكتبون :هل يمكن للديمقراطية أن تخذل أحلامنا الإسلامية والقومية العربية والمغاربية؟
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 31 ديسمبر 2017

أريد أن اعترف لكم بالمرارة التي أشعر بها، على الرغم من تمسكي بجذوة الأمل ورهاني الكبير على الأجيال الناشئة، فعندما صدح ثوّار سيدي بوزيد يوم 17 ديسمبر 2010 بمطلب التغيير، الذي سيجتاح في أشهر فضاء العرب، رفعوا الشعارين كبيرين معاً، الشعب يريد إسقاط النظام والشعب يريد تحرير فلسطين، ومنذ وعيت الدنيا سمعت والدي أطال الله في عمره يقول إن الأنظمة القطرية بالنظر الى طبيعتها الاستبدادية قد خانت تباعاً مشاريع الجامعة الإسلامية والوحدة العربية والاتحاد المغاربي، ومن هنا فقد كانت المقاربة عندي بسيطة ـ ربما حدّ السذاجة ـ وهي أن سقوط الأنظمة الاستبدادية وقيام أنظمة ديمقراطية محلّها سيعني بالضرورة إعادة احياء تلك المشاريع العظيمة المؤسسة لأحلام الأمة الكبرى، فأمة دون حلم كبير هي أُمَّة ميّتة بالضرورة.
في ظلِّ ديمقراطية الناشئة، طيلة السبع سنوات الماضية، وجدتني لا أرى غير انحدار متواصل، حتّى إنَّ المقاربة الوطنية أضحت في مرمى النيران، إذ لم يعد للوطن لا حلم ولا مشروع، نسيّر اليومي ونرقع الفتق ونعالج ثقوب القربة المهترئة، فكل يوم ثقب جديد ورقعة جديدة، وهكذا نتراجع ونعود الى ما قبل «الوطنية»، إلى الجهوية والعروشية والقطاعية والغنيمة والأيديولوجيا في ابشع صورها والعقيدة في اشنع تجلياتها، فكل ما هو رديء ومرضي وسيء ارتفع الى سطحنا، وكأن الاستبداد (المستنير نسبيا) كان يمنعه بقوة السلطة والقانون، و أضحينا فجأة في مواجهة جميع أنواع الرداءة، القديم منها والجديد.
قد يكون أهم التحدّيات المطروحة علينا أن نقدِّم الحلم المقنع لأجيالنا الناشئة، التي لا أعرف تحديدًا ان كانت محظوظة بأن ولدت زمن الحرٌية، أو هي منكودة الحظ لأنها ولدت في زمن أسقطت فيه جميع الأحلام الكبرى التي يحتاجها الانسان ليبرر وجوده ويعطي لحياته معنى، فقد جاءت هذه الأجيال لتجد أمامها ثقافة تزدري الحلم الاسلامي والحلم القومي والحلم الشيوعي وحتى الحلم الوطني، ولم يعد أمامها إلا ان تحترق بنيران التطرّف الداعشي أو تتحول أجسادها الغضة طعاما لأسماك المتوسط عبر قوارب الموت اللعينة، فهل الطبقة السياسية الراهنة على وعي بهذا التحدّي؟ أشكّ في ذلك كثيراً.
وشكّي أو تشكيكي في وعي الطبقة السياسية الراهنة بحجم التحديات والمسؤوليات الملقاة عليها، ليس مردّه التحليل النظري فحسب، على أهمية هذا التحليل من حيث هو مادة الفكر الوطني الأولى، بل مردّه كذلك التجربة العملية القائمة على انخراط تام في العملية السياسية والحكومية والحزبية والنيابية، وصدقا أقول إنني لم اجد شيئا من الأحلام الكبرى أو الرؤى أوالمشاريع.. ماوجدته استغراق في صراعات فردية وجماعية ضيقة وتافهة تعبر عن ضحالة فكرية وانحطاط اخلاقي واستجابة لجملة من الغرائز والدوافع والمصالح المحدودة التي لا تليق بالثورة او الدولة، ولا تنسجم مع ما ضحى لأجله الشهداء والمناضلون والزعماء على مر العهود السابقة.
لقد ابتعدت أحزابنا عن مرجعيتها الفكرية بالمعنى الراقي للكلمة، فالأحزاب الوطنية فكت الارتباط بمرجعية حركة التحرر المغاربية وخانت جميعها مقررات مؤتمر طنجة، وأحزابنا الاسلامية لم يعد لها من اجندة حركة النهضة التي أسسها الافغاني ومحمد عبده ورشيد رضا وشكيب ارسلان شيئا، وأحزابنا القومية العربية تخلت عن برامج حركة التحرر العربي الحقيقية واضحت اسيرة أنظمة ذات سيرة مشبوهة، وأحزابنا الشيوعية لم يعد أولويتها العدل الاجتماعي بل هموم «هويايتة» مستغربة، وأحزابنا الليبرالية عادت وكأنها ممثليات محلية لكيانات أجنبية، وخلاصة القول إنه لم يعد لدينا ما نقدمه للاجيال الناشىئة، غير خصومات تافهة وصراعات منحطة وسياسات مترددة بلا برنامج واضح أو أفق يستحقّ التقدير.
هل الديمقراطية قطيعة مع حقبة ماضية من الانحطاط، أم أنها تتمة لهذا الانحطاط بإيصاله الى أدنى حدّ ممكن قبل أن تقطع معه، وهل الديمقراطية هي رفع لغطاء الإناء عن ابشع وأقذر ما ترسب في أعماقنا من أدران وأوساخ قبل ان تتمكن الروح الأصيلة النقية من الكشف عن نفسها، وهل سيسعفنا الزمن من مواصلة التجربة حتى تصل الديمقراطية الى غايتها وتمكن المجتمع من انتخاب أحسن ما عنده للمسؤولية في ظل اوضاع إقليمية ودولية تبدو الى الان غير ملائمة؟ جميعها أسئلة مطروحة تخالج عقول الديمقراطيين في تونس ومجالها المغاربي والعربي والإسلامي دون ان يملكوا الرد عليها الى الان ردّا مقنعاً، ولعل وحدة التشخيص تقودنا الى دواء فعّال قبل ان يفقد جسد الأمة القدرة على المقاومة، ويستسلم كما خطط لذلك في دوائر القرار الدولي التي يهمها أن لا تقوم لنا قائمة ونسلم بأننا لا نصلح للعيش في هذا العصر بهويتنا.

بقلم: خالد شوكات (وزير سابق وقيادي في حركة نداء تونس)
أولا وأخيرا:لا حســـــــــاب تحـت التوتــــــة
20 ماي 2018 السّاعة 21:00
بالأمس القريب في ذاك الزمن الجميل رغم الفقر والفاقة والحاجة يوم كانت السعادة تغمرنا لأبسط مكسب ولو كان ثمن...
المزيد >>
إشراقات 2:صورة أخرى
20 ماي 2018 السّاعة 21:00
اقرؤوا معي هذه الفقرة ثمّ سأذكر لكم من أين اخترتها لكم: «أمّا السكن فلم نتمتّع مع الأسف بالسكن الجامعي بل...
المزيد >>
حدث وحديث:«وقتاش اتجي كار الـعشرة ؟»
19 ماي 2018 السّاعة 21:00
على كامل مدى الأسبوع المنقضي ووسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي لا تكفّ تذكر حادثة القطار الياباني الذي...
المزيد >>
ردّ من المدرسة الخاصة على ولاية تونس
19 ماي 2018 السّاعة 21:00
..وبعد ما ورد من توضيحات من ولاية تونس حول الأسباب الحقيقية لعدم منح رخصة لفائدة مدرسة ابتدائية نفيدكم أن...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
سياسيّون يكتبون :هل يمكن للديمقراطية أن تخذل أحلامنا الإسلامية والقومية العربية والمغاربية؟
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 31 ديسمبر 2017

أريد أن اعترف لكم بالمرارة التي أشعر بها، على الرغم من تمسكي بجذوة الأمل ورهاني الكبير على الأجيال الناشئة، فعندما صدح ثوّار سيدي بوزيد يوم 17 ديسمبر 2010 بمطلب التغيير، الذي سيجتاح في أشهر فضاء العرب، رفعوا الشعارين كبيرين معاً، الشعب يريد إسقاط النظام والشعب يريد تحرير فلسطين، ومنذ وعيت الدنيا سمعت والدي أطال الله في عمره يقول إن الأنظمة القطرية بالنظر الى طبيعتها الاستبدادية قد خانت تباعاً مشاريع الجامعة الإسلامية والوحدة العربية والاتحاد المغاربي، ومن هنا فقد كانت المقاربة عندي بسيطة ـ ربما حدّ السذاجة ـ وهي أن سقوط الأنظمة الاستبدادية وقيام أنظمة ديمقراطية محلّها سيعني بالضرورة إعادة احياء تلك المشاريع العظيمة المؤسسة لأحلام الأمة الكبرى، فأمة دون حلم كبير هي أُمَّة ميّتة بالضرورة.
في ظلِّ ديمقراطية الناشئة، طيلة السبع سنوات الماضية، وجدتني لا أرى غير انحدار متواصل، حتّى إنَّ المقاربة الوطنية أضحت في مرمى النيران، إذ لم يعد للوطن لا حلم ولا مشروع، نسيّر اليومي ونرقع الفتق ونعالج ثقوب القربة المهترئة، فكل يوم ثقب جديد ورقعة جديدة، وهكذا نتراجع ونعود الى ما قبل «الوطنية»، إلى الجهوية والعروشية والقطاعية والغنيمة والأيديولوجيا في ابشع صورها والعقيدة في اشنع تجلياتها، فكل ما هو رديء ومرضي وسيء ارتفع الى سطحنا، وكأن الاستبداد (المستنير نسبيا) كان يمنعه بقوة السلطة والقانون، و أضحينا فجأة في مواجهة جميع أنواع الرداءة، القديم منها والجديد.
قد يكون أهم التحدّيات المطروحة علينا أن نقدِّم الحلم المقنع لأجيالنا الناشئة، التي لا أعرف تحديدًا ان كانت محظوظة بأن ولدت زمن الحرٌية، أو هي منكودة الحظ لأنها ولدت في زمن أسقطت فيه جميع الأحلام الكبرى التي يحتاجها الانسان ليبرر وجوده ويعطي لحياته معنى، فقد جاءت هذه الأجيال لتجد أمامها ثقافة تزدري الحلم الاسلامي والحلم القومي والحلم الشيوعي وحتى الحلم الوطني، ولم يعد أمامها إلا ان تحترق بنيران التطرّف الداعشي أو تتحول أجسادها الغضة طعاما لأسماك المتوسط عبر قوارب الموت اللعينة، فهل الطبقة السياسية الراهنة على وعي بهذا التحدّي؟ أشكّ في ذلك كثيراً.
وشكّي أو تشكيكي في وعي الطبقة السياسية الراهنة بحجم التحديات والمسؤوليات الملقاة عليها، ليس مردّه التحليل النظري فحسب، على أهمية هذا التحليل من حيث هو مادة الفكر الوطني الأولى، بل مردّه كذلك التجربة العملية القائمة على انخراط تام في العملية السياسية والحكومية والحزبية والنيابية، وصدقا أقول إنني لم اجد شيئا من الأحلام الكبرى أو الرؤى أوالمشاريع.. ماوجدته استغراق في صراعات فردية وجماعية ضيقة وتافهة تعبر عن ضحالة فكرية وانحطاط اخلاقي واستجابة لجملة من الغرائز والدوافع والمصالح المحدودة التي لا تليق بالثورة او الدولة، ولا تنسجم مع ما ضحى لأجله الشهداء والمناضلون والزعماء على مر العهود السابقة.
لقد ابتعدت أحزابنا عن مرجعيتها الفكرية بالمعنى الراقي للكلمة، فالأحزاب الوطنية فكت الارتباط بمرجعية حركة التحرر المغاربية وخانت جميعها مقررات مؤتمر طنجة، وأحزابنا الاسلامية لم يعد لها من اجندة حركة النهضة التي أسسها الافغاني ومحمد عبده ورشيد رضا وشكيب ارسلان شيئا، وأحزابنا القومية العربية تخلت عن برامج حركة التحرر العربي الحقيقية واضحت اسيرة أنظمة ذات سيرة مشبوهة، وأحزابنا الشيوعية لم يعد أولويتها العدل الاجتماعي بل هموم «هويايتة» مستغربة، وأحزابنا الليبرالية عادت وكأنها ممثليات محلية لكيانات أجنبية، وخلاصة القول إنه لم يعد لدينا ما نقدمه للاجيال الناشىئة، غير خصومات تافهة وصراعات منحطة وسياسات مترددة بلا برنامج واضح أو أفق يستحقّ التقدير.
هل الديمقراطية قطيعة مع حقبة ماضية من الانحطاط، أم أنها تتمة لهذا الانحطاط بإيصاله الى أدنى حدّ ممكن قبل أن تقطع معه، وهل الديمقراطية هي رفع لغطاء الإناء عن ابشع وأقذر ما ترسب في أعماقنا من أدران وأوساخ قبل ان تتمكن الروح الأصيلة النقية من الكشف عن نفسها، وهل سيسعفنا الزمن من مواصلة التجربة حتى تصل الديمقراطية الى غايتها وتمكن المجتمع من انتخاب أحسن ما عنده للمسؤولية في ظل اوضاع إقليمية ودولية تبدو الى الان غير ملائمة؟ جميعها أسئلة مطروحة تخالج عقول الديمقراطيين في تونس ومجالها المغاربي والعربي والإسلامي دون ان يملكوا الرد عليها الى الان ردّا مقنعاً، ولعل وحدة التشخيص تقودنا الى دواء فعّال قبل ان يفقد جسد الأمة القدرة على المقاومة، ويستسلم كما خطط لذلك في دوائر القرار الدولي التي يهمها أن لا تقوم لنا قائمة ونسلم بأننا لا نصلح للعيش في هذا العصر بهويتنا.

بقلم: خالد شوكات (وزير سابق وقيادي في حركة نداء تونس)
أولا وأخيرا:لا حســـــــــاب تحـت التوتــــــة
20 ماي 2018 السّاعة 21:00
بالأمس القريب في ذاك الزمن الجميل رغم الفقر والفاقة والحاجة يوم كانت السعادة تغمرنا لأبسط مكسب ولو كان ثمن...
المزيد >>
إشراقات 2:صورة أخرى
20 ماي 2018 السّاعة 21:00
اقرؤوا معي هذه الفقرة ثمّ سأذكر لكم من أين اخترتها لكم: «أمّا السكن فلم نتمتّع مع الأسف بالسكن الجامعي بل...
المزيد >>
حدث وحديث:«وقتاش اتجي كار الـعشرة ؟»
19 ماي 2018 السّاعة 21:00
على كامل مدى الأسبوع المنقضي ووسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي لا تكفّ تذكر حادثة القطار الياباني الذي...
المزيد >>
ردّ من المدرسة الخاصة على ولاية تونس
19 ماي 2018 السّاعة 21:00
..وبعد ما ورد من توضيحات من ولاية تونس حول الأسباب الحقيقية لعدم منح رخصة لفائدة مدرسة ابتدائية نفيدكم أن...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
خالد الحدّاد
سياسة التشكيك والمغالطات
يُنجز جزء كبير من الحراك السياسي في بلادنا بعيدا عن الشفافيّة المطلوبة وفي إطار صراعات الأهواء والمصالح وحروب التموقع التي لم تتخلّص منها الحياة الوطنية على الرغم من الخطوات...
المزيد >>