الإعلام وبناء القضايا التربوية في تونس
خالد الحدّاد
سياسة التشكيك والمغالطات
يُنجز جزء كبير من الحراك السياسي في بلادنا بعيدا عن الشفافيّة المطلوبة وفي إطار صراعات الأهواء والمصالح وحروب التموقع التي لم تتخلّص منها الحياة الوطنية على الرغم من الخطوات...
المزيد >>
الإعلام وبناء القضايا التربوية في تونس
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 25 ديسمبر 2017

يمكن أن يتم تناول علاقة وسائل الاتصال الجماهيري بالتربية في تونس حاليا (كالتلفزة والانترنات مثلا) من منظور سوسيولوجي وفي ترابط مع البرامج الدراسية ذلك أن دراسة البرامج والمناهج كثيرا ما تقود إلى تناول دور وسائل الاتصال والأشكال التي يتكون وفقها وعي التلاميذ. ومن ناحية أخرى فإنه يبدو من الأساسي العمل على دراسة تأثير وسائط الاعلام في التنشئة المتوازنة للتلاميذ وقيس هذا الأثر على تحصيلهم الدراسي.

ويعود ذلك الى الأهمية المتزايدة التي يحتلها مفهوم المواطنة في الاهتمامات الحالية لوزارة التربية في تونس باعتماد اختيارات محدّدة في المواضيع المتطرّق إليها. فدراسة وسائط الإعلام (الصحف، والإذاعة، والتلفزة والفايسبوك..) يمكن أن يتمّ الاقتصار في معالجتها من منطلق ما لها من تأثيرات على مستوى الحياة المدرسية. ولكن هذه المقاربة قد تتسم بالنمطية وعدم الشمول. إذ لا تغطي كل المسائل التي يطرحها موضوع دور وسائط الاتصال وعلاقتها بالمدرسة عموما.ذلك أن مختلف الأشكال والمواضيع التي يمكن لرجال الاعلام أن يعتمدوها لبناء الظواهر الاجتماعية داخل المدارس تدعونا إلى التفريق بين وظائف الاتصال الجماهيري في علاقة بالمدرسة والرهانات التي يضعها الاعلاميون لأنفسهم وللمؤسسات التي تشغلهم، من منطلق ما قد يحصل بين الاثنين من انعدام التوافق. فمثلا يمكن للهدف الرئيسي من إحدى حملات مكافحة التدخين وتعاطي المخدرات في الوسط المدرسي أن يشجع التلاميذ على ارتياد المراكز الصحية لاجراء فحص طبي شامل. في حين تكون النتائج الفعلية المحققة في نهاية الحملة غير ذلك أو مختلفة عن ذلك بكثير. كأن تقود هذه الحملة إلى الإساءة إلى صورة المدرسة وإلى تهويل وتضخيم نسب تعاطي التلاميذ للمخدرات بسبب عدم حصول الاعلامي على المعطيات المحينة والدقيقة.
إن وظيفة وسائط الاتصال تتمثل أساسا في لفت انتباه التلاميذ والرأي العام إلى بعض المسائل. فيكون دورها في هذا المجال أشبه بالمفكرة. فلا تقدم للتلاميذ في المدارس أشكال التفكير وإنما تقدم لهم المواضيع التي يجب أن يفكروا فيها.
إذا ما وجهنا اهتمامنا بصفة خاصة إلى التلفزة نظرا الى كثافة جمهورها، فسنسعى إلى البرهنة على مساهمة الاعلاميين في بناء الظواهر الاجتماعية ذات التأثير الكبير على التلاميذ. فالإعلاميون يحرصون على القيام بعمل حقيقي لمعالجة «الاختلالات المدرسية» إن صح التعبير مثلما أظهرت ذلك التقارير الصحفية المنجزة إبان التحركات الاحتجاجية للتلاميذ في عدد من مناطق الجمهورية التونسية.
حيث عايّنا بث عديد الريبورتاجات التي حاولت تفسير «قلق» التلاميذ من عدة مواضيع مثل روزنامة الامتحانات المدرسية وغيرها.
غير أن العمل المتسرع والحرص على السبق الصحفي جعلا عددا محدودا من الاعلاميين لا يقدمون ملاحظات متأنية عن الحياة المدرسية. بل ركّزوا أنظارهم على العنف الاستثنائي. فأظهرت ريبورتاجاتهم كليشيهات جاهزة تتعلق بعمل وزارة التربية ومصالحها الادارية وعلاقتها المتوترة بالنقابات. في حين أن الوزارة شرعت في إعادة النظر في عديد المسائل ذات الصلة بنظام التقييم والامتحانات بعمق. وهي تعتبر الطرف النقابي شريكا أساسيا وجب التفاوض معه ومحاورته.
إننا نرى أن بعض المحطات التلفزية تسهم في تشويه صورة المنظومة التربوية عبر تصوير الأحداث الاستثنائية خاصة، دون إنجاز برامج معمّقة تصوّر الحياة المدرسية بمضامينها وأبعادها ودون النظر مثلا في مدى مساهمة الأنشطة الثقافية في إعادة تشكيل الواقع في عدد من المدارس التونسية نحو الأفضل ومحاولة الحد من العنف في الوسط المدرسي. إن صورة الواقع الذي تعمل التلفزة على بنائه والأحداث الذي تبرزها لا تقوم على رؤية واضحة أو فهم دقيق لعمل المنظومة التربوية. فهي تكرّس في بعض الأحيان صورة نمطية عن وزارة التربية. وهي صورة تكتسي أيضا جوانب سياسية في بعض الأحيان. وهو ما يجعل من العمل على هيكلة منظومة الاتصال الداخلي في مؤسسات وزارة التربية أمرا ضروريا يمكن أن يستجيب لحاجة التنسيق المحلّي لجهود مختلف الادارات المركزية والجهوية. كما يستجيب لحاجة وسائل الاعلام التي تعنى بهذه القضايا من خلال تكليف مخاطب رسمي على مستوى مركزي ومخاطبين رسميين جهويين يقدمون المعلومة المحينة والدقيقة والواضحة في الوقت المناسب بالسرعة الملائمة.
إن الاتصال يلعب دورا حيويا. فهو يمكن أن ينجح برامج وزارة التربية أو يؤدي إلى إفشالها. والواقع أن العلاقة بين الرأي العام والسياسة التربوية للدولة يتحكّم فيها الاتصال.
فما هي حينئذ العلاقة بين الرأي العام والسياسة التربوية؟
إن العلاقة بين الرأي العام والسياسة التربوية في تونس تختلف من قضية إلى أخرى. فتأثير الرأي العام قد يكون حاسما في بعض القضايا وهامشيا في قضايا أخرى.فهناك من يرى أن تعطل برنامج الإصلاح التربوي إلى حد الآن هو من صنع الرأي العام. وهناك من يذهب إلى أن الرأي العام لا يمكنه المشاركة في السياسة التربوية بسبب تعقد القضايا التربوية وتداخلها. وتقوم حينئذ وسائل الاتصال بنقل القرارات والبرامج والتعديلات التي يقرها الخبراء والفنيون والبيداغوجيون وتفسيرها وتوصيلها إلى العائلات والأولياء وبذلك فإن ردّ الفعل إزاء القرارات وصانعيها يتوقّف على ما تختاره وسائل الاتصال وتقدمه للجمهور. فهي إذا تحتلّ موقع الوسيط في صنع السياسة التربوية.
المدرسة والتنشئة الاجتماعية
يشهد مفهوم التنشئة الاجتماعية داخل المدارس تغيرات ابستمولوجية ومعرفية واضحة بحكم ما يشهده العالم المعاصر من تبدّلات جوهرية. لكن ما يهمّنا هو تعدّد مصادر التنشئة الاجتماعية في الوسط المدرسي. حيث لم تعد المدرسة وحدها مصدرا للتنشئة. بل أضحت هناك وسائط أخرى تقوم بهذا العمل من داخل المدرسة ذاتها وخاصة الانترنات وشبكات التواصل الاجتماعي حيث تتضمن المادة الاتصالية المقدمة من طرفها القيم الجمالية والعقائدية والسلوك، والأخلاق وردود الفعل. وكلها مسائل كانت تستمدّ من المدرسة ويمكن القول بأن أغلب ما يقدمه العالم الافتراضي ليس في تكامل مع المدرسة ومع ذلك فهو يحتل حيزا كبيرا داخلها.
التنشئة الاجتماعية ومراجعة المقاربات داخل المدرسة
إن هذه المراجعة اقتضاها دخول متغيرات جديدة غير معهودة إلى المدرسة مثل الانتماء الأسري والاجتماعي والمحدّد الديني ذلك أن الوسائط الاتصالية وفي مقدمتها الفضائيات أصبحت اليوم طرفا رئيسيا في التنشئة الاجتماعية للأجيال. ويتمثل ذلك في المضامين الظاهرة والخفية التي تقوم بتمريرها وبثها.وبغض النظر عن كيفية معالجتنا لهذا الدور فإن التلفزة أصبحت جزءا مركزيا من نسيج المؤسسات المتحكّمة في خيال الشباب أي أن نسبا كبيرة من التلاميذ في المؤسسات التربوية التونسية تتغذى فكريا اعتمادا على النماذج والبرامج التي تقوم ببثها وسائل الإعلام وخاصة منها التلفزة. وبالتالي لا نستغرب نسب الإقبال على برامج الواقع والبرامج المثيرة.فثمة مضامين إعلامية تريد من الشباب أن يكون سياسيا يستهلك الأطروحات الايديولوجية والسياسية وهناك مضامين ثقافية، ومضامين عقائدية غير أننا لا نستطيع الحديث عن دور الاعلام في التنشئة دون الحديث عن علاقة الاعلام بالمدرسة.فنحن نتطلع إلى تأسيس تحالف موضوعي بين النظام الاعلامي والنظام التربوي.
ومهما تباينت المقاربات فالملاحظ أن وسائل الاعلام وفي مقدمتها التلفزة مطالبة بأن تشجع على نشر تنشئة اجتماعية متوازنة تقوم على الملاحظة الدقيقة والتساؤل والنقاش ثم النقد.
التلفزة وتغيير البناء الأخلاقي والقيمي
بعد أن بيّنا مختلف أوجه تأثير التلفزة على المدرسة يمكننا أن نبرز قدرتها على إنجاح برامج التقدم الاجتماعي والتحديث السياسي والاجتماعي التي تعمل المدرسة التونسية على تكريسها. ولا بدّ من الاشارة إلى قدرتها على اختراق البناء الأخلاقي والقيمي وعلى التحكّم في الثوابت النفسية والذهنية.
فالتلفزة سلاح ذو حدين. إذ تقدّم معلومات ومضامين ايجابية تنمّي الأفكار وتقدّم أيضا معلومات سلبية يمكن أن توجه التلاميذ نحو الارهاب والعنف والتطرف. فالتلفزة يمكن أن تنقل المعلومة السليمة والفكرة الجيدة وتنير الرأي العام. ويمكنها كذلك أن تنقل القيم الاجتماعية الجديدة فتخلق القبول أو الرفض مما يولّد صراعا بين التقليدي (القديم) والحديث.
ولعلّ هذا الموضوع يطرح بأكثر حدّة خاصة في تونس. وهي تقدم اليوم على اختيارات جديدة يمكن أن تمسّ جوهر المنظومة التربوية وفلسفتها ورهاناتها المستقبلية.

بقلم: الدكتور منذر عافي (باحث جامعي)
مقترح مبادرة وطنية موجهة إلى الأغلبية الوطنية المنحازة لقضية فلسطين
19 ماي 2018 السّاعة 17:30
الشروق اون لاين – محمد الطاهر: كتب الاستاذ الجامعة التونسية والمنسق العلمي لشبكة باب المغاربة للدراسات...
المزيد >>
المدرسة والبلدية :علاقات استراتيجية أهملتها البرامج الانتخابية
14 ماي 2018 السّاعة 21:00
تتجه الأنظار في تونس الى الانتخابات البلدية القادمة التي تحظى باهتمام واسع من مختلف الشرائح الاجتماعية ومن...
المزيد >>
ما أشبـه اليــوم بالبارحـــة
14 ماي 2018 السّاعة 21:00
والتاريخ يعيد نفسه أو نستنطقونه أحيانا وهو صورة طبق الأصل من الماضي السحيق الضارب في القدم ويتشابه في...
المزيد >>
حربوشـــة ثقيلــــة الــوزن معبــــــرة ومدوية وصريحة
14 ماي 2018 السّاعة 21:00
شعبنا الأبي الوفي الذكي المسالم الواعي والمثقف وصاحب المواعيد الحاسمة بعد أن جرب وأعطى الفرصة لمدة 4 أعوام...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
الإعلام وبناء القضايا التربوية في تونس
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 25 ديسمبر 2017

يمكن أن يتم تناول علاقة وسائل الاتصال الجماهيري بالتربية في تونس حاليا (كالتلفزة والانترنات مثلا) من منظور سوسيولوجي وفي ترابط مع البرامج الدراسية ذلك أن دراسة البرامج والمناهج كثيرا ما تقود إلى تناول دور وسائل الاتصال والأشكال التي يتكون وفقها وعي التلاميذ. ومن ناحية أخرى فإنه يبدو من الأساسي العمل على دراسة تأثير وسائط الاعلام في التنشئة المتوازنة للتلاميذ وقيس هذا الأثر على تحصيلهم الدراسي.

ويعود ذلك الى الأهمية المتزايدة التي يحتلها مفهوم المواطنة في الاهتمامات الحالية لوزارة التربية في تونس باعتماد اختيارات محدّدة في المواضيع المتطرّق إليها. فدراسة وسائط الإعلام (الصحف، والإذاعة، والتلفزة والفايسبوك..) يمكن أن يتمّ الاقتصار في معالجتها من منطلق ما لها من تأثيرات على مستوى الحياة المدرسية. ولكن هذه المقاربة قد تتسم بالنمطية وعدم الشمول. إذ لا تغطي كل المسائل التي يطرحها موضوع دور وسائط الاتصال وعلاقتها بالمدرسة عموما.ذلك أن مختلف الأشكال والمواضيع التي يمكن لرجال الاعلام أن يعتمدوها لبناء الظواهر الاجتماعية داخل المدارس تدعونا إلى التفريق بين وظائف الاتصال الجماهيري في علاقة بالمدرسة والرهانات التي يضعها الاعلاميون لأنفسهم وللمؤسسات التي تشغلهم، من منطلق ما قد يحصل بين الاثنين من انعدام التوافق. فمثلا يمكن للهدف الرئيسي من إحدى حملات مكافحة التدخين وتعاطي المخدرات في الوسط المدرسي أن يشجع التلاميذ على ارتياد المراكز الصحية لاجراء فحص طبي شامل. في حين تكون النتائج الفعلية المحققة في نهاية الحملة غير ذلك أو مختلفة عن ذلك بكثير. كأن تقود هذه الحملة إلى الإساءة إلى صورة المدرسة وإلى تهويل وتضخيم نسب تعاطي التلاميذ للمخدرات بسبب عدم حصول الاعلامي على المعطيات المحينة والدقيقة.
إن وظيفة وسائط الاتصال تتمثل أساسا في لفت انتباه التلاميذ والرأي العام إلى بعض المسائل. فيكون دورها في هذا المجال أشبه بالمفكرة. فلا تقدم للتلاميذ في المدارس أشكال التفكير وإنما تقدم لهم المواضيع التي يجب أن يفكروا فيها.
إذا ما وجهنا اهتمامنا بصفة خاصة إلى التلفزة نظرا الى كثافة جمهورها، فسنسعى إلى البرهنة على مساهمة الاعلاميين في بناء الظواهر الاجتماعية ذات التأثير الكبير على التلاميذ. فالإعلاميون يحرصون على القيام بعمل حقيقي لمعالجة «الاختلالات المدرسية» إن صح التعبير مثلما أظهرت ذلك التقارير الصحفية المنجزة إبان التحركات الاحتجاجية للتلاميذ في عدد من مناطق الجمهورية التونسية.
حيث عايّنا بث عديد الريبورتاجات التي حاولت تفسير «قلق» التلاميذ من عدة مواضيع مثل روزنامة الامتحانات المدرسية وغيرها.
غير أن العمل المتسرع والحرص على السبق الصحفي جعلا عددا محدودا من الاعلاميين لا يقدمون ملاحظات متأنية عن الحياة المدرسية. بل ركّزوا أنظارهم على العنف الاستثنائي. فأظهرت ريبورتاجاتهم كليشيهات جاهزة تتعلق بعمل وزارة التربية ومصالحها الادارية وعلاقتها المتوترة بالنقابات. في حين أن الوزارة شرعت في إعادة النظر في عديد المسائل ذات الصلة بنظام التقييم والامتحانات بعمق. وهي تعتبر الطرف النقابي شريكا أساسيا وجب التفاوض معه ومحاورته.
إننا نرى أن بعض المحطات التلفزية تسهم في تشويه صورة المنظومة التربوية عبر تصوير الأحداث الاستثنائية خاصة، دون إنجاز برامج معمّقة تصوّر الحياة المدرسية بمضامينها وأبعادها ودون النظر مثلا في مدى مساهمة الأنشطة الثقافية في إعادة تشكيل الواقع في عدد من المدارس التونسية نحو الأفضل ومحاولة الحد من العنف في الوسط المدرسي. إن صورة الواقع الذي تعمل التلفزة على بنائه والأحداث الذي تبرزها لا تقوم على رؤية واضحة أو فهم دقيق لعمل المنظومة التربوية. فهي تكرّس في بعض الأحيان صورة نمطية عن وزارة التربية. وهي صورة تكتسي أيضا جوانب سياسية في بعض الأحيان. وهو ما يجعل من العمل على هيكلة منظومة الاتصال الداخلي في مؤسسات وزارة التربية أمرا ضروريا يمكن أن يستجيب لحاجة التنسيق المحلّي لجهود مختلف الادارات المركزية والجهوية. كما يستجيب لحاجة وسائل الاعلام التي تعنى بهذه القضايا من خلال تكليف مخاطب رسمي على مستوى مركزي ومخاطبين رسميين جهويين يقدمون المعلومة المحينة والدقيقة والواضحة في الوقت المناسب بالسرعة الملائمة.
إن الاتصال يلعب دورا حيويا. فهو يمكن أن ينجح برامج وزارة التربية أو يؤدي إلى إفشالها. والواقع أن العلاقة بين الرأي العام والسياسة التربوية للدولة يتحكّم فيها الاتصال.
فما هي حينئذ العلاقة بين الرأي العام والسياسة التربوية؟
إن العلاقة بين الرأي العام والسياسة التربوية في تونس تختلف من قضية إلى أخرى. فتأثير الرأي العام قد يكون حاسما في بعض القضايا وهامشيا في قضايا أخرى.فهناك من يرى أن تعطل برنامج الإصلاح التربوي إلى حد الآن هو من صنع الرأي العام. وهناك من يذهب إلى أن الرأي العام لا يمكنه المشاركة في السياسة التربوية بسبب تعقد القضايا التربوية وتداخلها. وتقوم حينئذ وسائل الاتصال بنقل القرارات والبرامج والتعديلات التي يقرها الخبراء والفنيون والبيداغوجيون وتفسيرها وتوصيلها إلى العائلات والأولياء وبذلك فإن ردّ الفعل إزاء القرارات وصانعيها يتوقّف على ما تختاره وسائل الاتصال وتقدمه للجمهور. فهي إذا تحتلّ موقع الوسيط في صنع السياسة التربوية.
المدرسة والتنشئة الاجتماعية
يشهد مفهوم التنشئة الاجتماعية داخل المدارس تغيرات ابستمولوجية ومعرفية واضحة بحكم ما يشهده العالم المعاصر من تبدّلات جوهرية. لكن ما يهمّنا هو تعدّد مصادر التنشئة الاجتماعية في الوسط المدرسي. حيث لم تعد المدرسة وحدها مصدرا للتنشئة. بل أضحت هناك وسائط أخرى تقوم بهذا العمل من داخل المدرسة ذاتها وخاصة الانترنات وشبكات التواصل الاجتماعي حيث تتضمن المادة الاتصالية المقدمة من طرفها القيم الجمالية والعقائدية والسلوك، والأخلاق وردود الفعل. وكلها مسائل كانت تستمدّ من المدرسة ويمكن القول بأن أغلب ما يقدمه العالم الافتراضي ليس في تكامل مع المدرسة ومع ذلك فهو يحتل حيزا كبيرا داخلها.
التنشئة الاجتماعية ومراجعة المقاربات داخل المدرسة
إن هذه المراجعة اقتضاها دخول متغيرات جديدة غير معهودة إلى المدرسة مثل الانتماء الأسري والاجتماعي والمحدّد الديني ذلك أن الوسائط الاتصالية وفي مقدمتها الفضائيات أصبحت اليوم طرفا رئيسيا في التنشئة الاجتماعية للأجيال. ويتمثل ذلك في المضامين الظاهرة والخفية التي تقوم بتمريرها وبثها.وبغض النظر عن كيفية معالجتنا لهذا الدور فإن التلفزة أصبحت جزءا مركزيا من نسيج المؤسسات المتحكّمة في خيال الشباب أي أن نسبا كبيرة من التلاميذ في المؤسسات التربوية التونسية تتغذى فكريا اعتمادا على النماذج والبرامج التي تقوم ببثها وسائل الإعلام وخاصة منها التلفزة. وبالتالي لا نستغرب نسب الإقبال على برامج الواقع والبرامج المثيرة.فثمة مضامين إعلامية تريد من الشباب أن يكون سياسيا يستهلك الأطروحات الايديولوجية والسياسية وهناك مضامين ثقافية، ومضامين عقائدية غير أننا لا نستطيع الحديث عن دور الاعلام في التنشئة دون الحديث عن علاقة الاعلام بالمدرسة.فنحن نتطلع إلى تأسيس تحالف موضوعي بين النظام الاعلامي والنظام التربوي.
ومهما تباينت المقاربات فالملاحظ أن وسائل الاعلام وفي مقدمتها التلفزة مطالبة بأن تشجع على نشر تنشئة اجتماعية متوازنة تقوم على الملاحظة الدقيقة والتساؤل والنقاش ثم النقد.
التلفزة وتغيير البناء الأخلاقي والقيمي
بعد أن بيّنا مختلف أوجه تأثير التلفزة على المدرسة يمكننا أن نبرز قدرتها على إنجاح برامج التقدم الاجتماعي والتحديث السياسي والاجتماعي التي تعمل المدرسة التونسية على تكريسها. ولا بدّ من الاشارة إلى قدرتها على اختراق البناء الأخلاقي والقيمي وعلى التحكّم في الثوابت النفسية والذهنية.
فالتلفزة سلاح ذو حدين. إذ تقدّم معلومات ومضامين ايجابية تنمّي الأفكار وتقدّم أيضا معلومات سلبية يمكن أن توجه التلاميذ نحو الارهاب والعنف والتطرف. فالتلفزة يمكن أن تنقل المعلومة السليمة والفكرة الجيدة وتنير الرأي العام. ويمكنها كذلك أن تنقل القيم الاجتماعية الجديدة فتخلق القبول أو الرفض مما يولّد صراعا بين التقليدي (القديم) والحديث.
ولعلّ هذا الموضوع يطرح بأكثر حدّة خاصة في تونس. وهي تقدم اليوم على اختيارات جديدة يمكن أن تمسّ جوهر المنظومة التربوية وفلسفتها ورهاناتها المستقبلية.

بقلم: الدكتور منذر عافي (باحث جامعي)
مقترح مبادرة وطنية موجهة إلى الأغلبية الوطنية المنحازة لقضية فلسطين
19 ماي 2018 السّاعة 17:30
الشروق اون لاين – محمد الطاهر: كتب الاستاذ الجامعة التونسية والمنسق العلمي لشبكة باب المغاربة للدراسات...
المزيد >>
المدرسة والبلدية :علاقات استراتيجية أهملتها البرامج الانتخابية
14 ماي 2018 السّاعة 21:00
تتجه الأنظار في تونس الى الانتخابات البلدية القادمة التي تحظى باهتمام واسع من مختلف الشرائح الاجتماعية ومن...
المزيد >>
ما أشبـه اليــوم بالبارحـــة
14 ماي 2018 السّاعة 21:00
والتاريخ يعيد نفسه أو نستنطقونه أحيانا وهو صورة طبق الأصل من الماضي السحيق الضارب في القدم ويتشابه في...
المزيد >>
حربوشـــة ثقيلــــة الــوزن معبــــــرة ومدوية وصريحة
14 ماي 2018 السّاعة 21:00
شعبنا الأبي الوفي الذكي المسالم الواعي والمثقف وصاحب المواعيد الحاسمة بعد أن جرب وأعطى الفرصة لمدة 4 أعوام...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
خالد الحدّاد
سياسة التشكيك والمغالطات
يُنجز جزء كبير من الحراك السياسي في بلادنا بعيدا عن الشفافيّة المطلوبة وفي إطار صراعات الأهواء والمصالح وحروب التموقع التي لم تتخلّص منها الحياة الوطنية على الرغم من الخطوات...
المزيد >>