التوافق ضرورة وليس اختيارا
خالد الحدّاد
سياسة التشكيك والمغالطات
يُنجز جزء كبير من الحراك السياسي في بلادنا بعيدا عن الشفافيّة المطلوبة وفي إطار صراعات الأهواء والمصالح وحروب التموقع التي لم تتخلّص منها الحياة الوطنية على الرغم من الخطوات...
المزيد >>
التوافق ضرورة وليس اختيارا
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 24 ديسمبر 2017

أعادت نتائج الانتخابات التشريعية الجزئية في ألمانيا إلى السطح ملف التوافق. وانفتح جدل واسع خلال الأيّام القليلة الفارطة، أشبه ما يكون بالحرب، حول محاور عديدة، منها نوايا لمراجعة سجل هذا التوافق ومنها دعوات شيطنة وتحريض للإجهاز عليه، وبينها أصوات تدعو إلى التريّث والإمعان في قراءة حقيقة ما جرى في المانيا.وفي كلّ ما رشح من مواقف وبيانات وتصريحات، فقد اتّضح أنّ التوافق أصبح أحد أهم ميكانيزمات المشهد السياسي الوطني وأحد أبرز محرّكاته على الإطلاق سلبا وإيجابا. فهو، أي التوافق، نافذة لنقاش مضامين جديّة. وهو أيضا، وللأسف، مشبك للسباب السياسوي ورغبات التموقع والبحث عن المصالح ومسارات خلط الأوراق.
إنّ سياسة التوافق في التجارب الانتقالية وفي المراحل التاريخية الضاغطة هي سياسة استراتيجية تُبنى أساسا على مصلحة كبرى لا دخل فيها للاعتبارات الحزبيّة أو السياسية الضيّقة. وهكذا دوّنت سجلاّت الثورات وتجارب الانتقال الديمقراطي أنّ من تخطى منها العواصف والزلازل هي تلك التي احتكمت إلى توافقات تؤسِّس للمشترك وتبحث عن سبل الخلاص والإنقاذ الجماعيين، لا الخلاص الفردي أو الإنقاذ الحزبي الفئوي، وتقطع مع مخلَّفات الماضي بناء للمصالحة الشاملة والغد الأفضل.
هل لبلادنا خيار آخر غير مزيد الذهاب في التوافق؟ أبدا الخيارات ضيّقة جدا إن لم تكن معدومة بالتمام. ولا خيار للاطراف السياسية والاجتماعية غير تعديل البوصلة وإعادة تنشيط سبل الحوار الجامع الذي لا يُقصي أحدا ويعملُ أساسا على المضي في ملف المصالحة الوطنية وإتمام مسار العدالة الانتقالية واستكمال العملية الانتخابية الجديدة التي نصّ عليها الدستور لتركيز اللبنات الأولى للحكم المحلي والجهوي.
إنّ دعاة الاجهاز على التوافق، هم دعاة فتنة دونما شكّ، يبحثون عن إحلال الفوضى بديلا عن التفاهمات والتنازلات المشتركة والتقدّم بالبلاد نحو آفاق أفضل.
ودونما شكّ فإنّه من الجائز جدا المطالبة بمراجعات لأسس سياسة التوافق القائمة حاليا في اتّجاه مزيد تمتين أركانها وكسب مؤيدين وداعمين جُدد لها وترسيخها على أرض الواقع، وإنّه من باب الأولويات الاستماع الجيّد للقراءات النقديّة البنّاءة والمسؤولة الصادرة عن اطراف وطنيّة وازنة على غرار الاتحاد العام التونسي للشغل واتحاد الصناعة والتجارة، بما يُمكَّن من نقل هذه السياسة إلى محطّة اخرى أكثر مجاعة وفاعليّة.
لم تكن سياسة التوافق اختيارية أو على مقاس بعض الأهواء أو النزوات الشخصية بل جاءت لتفادي مصير مجهول كادت تذهب اليه بلادنا صيف 2013 في مطب أزمة سياسية خانقة عقب الاغتيالات السياسية واستهداف مريع لقوات الجيش الوطني في جبل الشعانبي، ومن أكبر المغالطات الجارية اليوم والتي يردّدها الكثير من هواة السياسة وأصحاب الأحزاب الدكاكين حصر التوافق بين حزبين أو نسبته إلى الشيخين، ذلك أنّ المنظمات الوطنية التي رعت الحوار الوطني ووضعت خارطة الطريق هي التي بنت اللبنات الاولى للتوافق والذي استمرّ لاحقا في ثوب وثيقة قرطاج وفكرة الحكومة الوطنية.
إنّ المطلوب اليوم، ليس هدم التوافق. بل ترشيده وتعديل بوصلته الى الدرجة التي يُصبح فيها مُعبّرا عن غالبية الطيف السياسي والحزبي عاكسا تطلعات وطنيّة مشتركة.
إنّ سياسة التوافق، رغم ما يُشيعه البعض من الفوضويّين عنها، تبقى صمّام الأمان الوحيدة لاستدامة واقع الاستقرار النسبي الذي تعيشه بلادنا وهي السبيل الوحيد الى انتظار الأفضل، ودونها لن تزداد الحالة إلاّ سوءا وخيبة.
التوافق خيار فرضتهُ ضرورات المرحلة التاريخية الانتقالية التي تمرّ بها بلادنا. وهو خيار استراتيجي بنّاء كلّما تخلّصت أطرافه من تكتيك المناورة والكسب الحيني والحزبي الضيّق سواء عبر أجندات البحث عن هدمه والإجهاز عليه أو محاولات الهيمنة عليه أو الاستفراد به.

خالد الحدّاد
سياسة التشكيك والمغالطات
20 ماي 2018 السّاعة 21:00
يُنجز جزء كبير من الحراك السياسي في بلادنا بعيدا عن الشفافيّة المطلوبة وفي إطار صراعات الأهواء والمصالح...
المزيد >>
رمضـــان... والأسعــار
19 ماي 2018 السّاعة 21:00
في تونس عادة ما يكون شهر رمضان اختبارا حقيقيا للحكومة في مجال التحكم في الأسعار ... منذ سنوات الأسعار في تونس...
المزيد >>
القدس...و دموع التماسيح
18 ماي 2018 السّاعة 21:00
المواقف والتصريحات التي أطلقها الرئيس التركي رجب طيب اردوغان من نقل سفارة أمريكا الى القدس و رغم «الحماسة»...
المزيد >>
شهر الرحمة... وجنون الأسعار !
17 ماي 2018 السّاعة 21:00
يحتفل التونسيون بداية من اليوم بشهر الرحمة رمضان الكريم وسط مشاعر فيها الكثير من الأمل والخوف من المستقبل ،...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
التوافق ضرورة وليس اختيارا
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 24 ديسمبر 2017

أعادت نتائج الانتخابات التشريعية الجزئية في ألمانيا إلى السطح ملف التوافق. وانفتح جدل واسع خلال الأيّام القليلة الفارطة، أشبه ما يكون بالحرب، حول محاور عديدة، منها نوايا لمراجعة سجل هذا التوافق ومنها دعوات شيطنة وتحريض للإجهاز عليه، وبينها أصوات تدعو إلى التريّث والإمعان في قراءة حقيقة ما جرى في المانيا.وفي كلّ ما رشح من مواقف وبيانات وتصريحات، فقد اتّضح أنّ التوافق أصبح أحد أهم ميكانيزمات المشهد السياسي الوطني وأحد أبرز محرّكاته على الإطلاق سلبا وإيجابا. فهو، أي التوافق، نافذة لنقاش مضامين جديّة. وهو أيضا، وللأسف، مشبك للسباب السياسوي ورغبات التموقع والبحث عن المصالح ومسارات خلط الأوراق.
إنّ سياسة التوافق في التجارب الانتقالية وفي المراحل التاريخية الضاغطة هي سياسة استراتيجية تُبنى أساسا على مصلحة كبرى لا دخل فيها للاعتبارات الحزبيّة أو السياسية الضيّقة. وهكذا دوّنت سجلاّت الثورات وتجارب الانتقال الديمقراطي أنّ من تخطى منها العواصف والزلازل هي تلك التي احتكمت إلى توافقات تؤسِّس للمشترك وتبحث عن سبل الخلاص والإنقاذ الجماعيين، لا الخلاص الفردي أو الإنقاذ الحزبي الفئوي، وتقطع مع مخلَّفات الماضي بناء للمصالحة الشاملة والغد الأفضل.
هل لبلادنا خيار آخر غير مزيد الذهاب في التوافق؟ أبدا الخيارات ضيّقة جدا إن لم تكن معدومة بالتمام. ولا خيار للاطراف السياسية والاجتماعية غير تعديل البوصلة وإعادة تنشيط سبل الحوار الجامع الذي لا يُقصي أحدا ويعملُ أساسا على المضي في ملف المصالحة الوطنية وإتمام مسار العدالة الانتقالية واستكمال العملية الانتخابية الجديدة التي نصّ عليها الدستور لتركيز اللبنات الأولى للحكم المحلي والجهوي.
إنّ دعاة الاجهاز على التوافق، هم دعاة فتنة دونما شكّ، يبحثون عن إحلال الفوضى بديلا عن التفاهمات والتنازلات المشتركة والتقدّم بالبلاد نحو آفاق أفضل.
ودونما شكّ فإنّه من الجائز جدا المطالبة بمراجعات لأسس سياسة التوافق القائمة حاليا في اتّجاه مزيد تمتين أركانها وكسب مؤيدين وداعمين جُدد لها وترسيخها على أرض الواقع، وإنّه من باب الأولويات الاستماع الجيّد للقراءات النقديّة البنّاءة والمسؤولة الصادرة عن اطراف وطنيّة وازنة على غرار الاتحاد العام التونسي للشغل واتحاد الصناعة والتجارة، بما يُمكَّن من نقل هذه السياسة إلى محطّة اخرى أكثر مجاعة وفاعليّة.
لم تكن سياسة التوافق اختيارية أو على مقاس بعض الأهواء أو النزوات الشخصية بل جاءت لتفادي مصير مجهول كادت تذهب اليه بلادنا صيف 2013 في مطب أزمة سياسية خانقة عقب الاغتيالات السياسية واستهداف مريع لقوات الجيش الوطني في جبل الشعانبي، ومن أكبر المغالطات الجارية اليوم والتي يردّدها الكثير من هواة السياسة وأصحاب الأحزاب الدكاكين حصر التوافق بين حزبين أو نسبته إلى الشيخين، ذلك أنّ المنظمات الوطنية التي رعت الحوار الوطني ووضعت خارطة الطريق هي التي بنت اللبنات الاولى للتوافق والذي استمرّ لاحقا في ثوب وثيقة قرطاج وفكرة الحكومة الوطنية.
إنّ المطلوب اليوم، ليس هدم التوافق. بل ترشيده وتعديل بوصلته الى الدرجة التي يُصبح فيها مُعبّرا عن غالبية الطيف السياسي والحزبي عاكسا تطلعات وطنيّة مشتركة.
إنّ سياسة التوافق، رغم ما يُشيعه البعض من الفوضويّين عنها، تبقى صمّام الأمان الوحيدة لاستدامة واقع الاستقرار النسبي الذي تعيشه بلادنا وهي السبيل الوحيد الى انتظار الأفضل، ودونها لن تزداد الحالة إلاّ سوءا وخيبة.
التوافق خيار فرضتهُ ضرورات المرحلة التاريخية الانتقالية التي تمرّ بها بلادنا. وهو خيار استراتيجي بنّاء كلّما تخلّصت أطرافه من تكتيك المناورة والكسب الحيني والحزبي الضيّق سواء عبر أجندات البحث عن هدمه والإجهاز عليه أو محاولات الهيمنة عليه أو الاستفراد به.

خالد الحدّاد
سياسة التشكيك والمغالطات
20 ماي 2018 السّاعة 21:00
يُنجز جزء كبير من الحراك السياسي في بلادنا بعيدا عن الشفافيّة المطلوبة وفي إطار صراعات الأهواء والمصالح...
المزيد >>
رمضـــان... والأسعــار
19 ماي 2018 السّاعة 21:00
في تونس عادة ما يكون شهر رمضان اختبارا حقيقيا للحكومة في مجال التحكم في الأسعار ... منذ سنوات الأسعار في تونس...
المزيد >>
القدس...و دموع التماسيح
18 ماي 2018 السّاعة 21:00
المواقف والتصريحات التي أطلقها الرئيس التركي رجب طيب اردوغان من نقل سفارة أمريكا الى القدس و رغم «الحماسة»...
المزيد >>
شهر الرحمة... وجنون الأسعار !
17 ماي 2018 السّاعة 21:00
يحتفل التونسيون بداية من اليوم بشهر الرحمة رمضان الكريم وسط مشاعر فيها الكثير من الأمل والخوف من المستقبل ،...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
خالد الحدّاد
سياسة التشكيك والمغالطات
يُنجز جزء كبير من الحراك السياسي في بلادنا بعيدا عن الشفافيّة المطلوبة وفي إطار صراعات الأهواء والمصالح وحروب التموقع التي لم تتخلّص منها الحياة الوطنية على الرغم من الخطوات...
المزيد >>