وفاء لروح محمد الفاضل خليل
خالد الحدّاد
سياسة التشكيك والمغالطات
يُنجز جزء كبير من الحراك السياسي في بلادنا بعيدا عن الشفافيّة المطلوبة وفي إطار صراعات الأهواء والمصالح وحروب التموقع التي لم تتخلّص منها الحياة الوطنية على الرغم من الخطوات...
المزيد >>
وفاء لروح محمد الفاضل خليل
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 18 ديسمبر 2017

ودّعنا منذ مدّة، وودعت تونس كلها، رجلا استثنائيا، وشخصية ممتازة، ومسؤولا من طينة مخصوصة، هو الفقيد العزيز، المرحوم بإذن الله تعالى، محمد الفاضل خليل الذي الذي حل عنّا بسرعة بعد أن فتك به الداء الذي لا دواء له في أسبيع معدودات.
لقد مات سي الفاضل ـ رحمه الله ـ متعجلا كما عاش متعجلا، ويعرف أصدقاؤه وكل من عاشره أن الرجل كان دائما على عجلة من أمره حين يتحدث، وحين يمشي، وحين يلتقي بأصدقائه في مقهى فيكون أول المنصرفين. هل كان يحسّ أن الحياة قصيرة فلا مجال لإضاعة الوقت؟ هل كان يشعر ـ عن وعي أو عن غير وعي ـ بأن حياته لن تطول؟ الله وحده أعلم!
المهم أن الراحل العزير عاش على إيقاع السرعة وغاب على هذا الايقاع نفسه.
رحل سي الفاضل فخلّف في النفوس حزنا عميقا، ولوعة حارقة، وأسى لا حدّ له. فقد كان الرجل محبوبا من الجميع، وكان محلّ تقدير واحترام من الجميع أيضا. وقلّما يُجمع النّاس على شخص، لا سيما في مجال السياسة وإدارة الشأن العام. ألم نقل منذ البداية: إنه كان رجلا استثنائيا بكل المعاني!
لقد كان رحمه الله رجلا ذكيا، بل وقّاد الذكاء، وكان متعقّلا بل راجح العقل، وكان حازما بل ماضي الحزم، وكان ودودا لطيفا. وكان إلى هذا كلهه رجلا مهيبا، صاحب مبدإ وقرار، مسكونا بروح الجدّ والعمل والمسولية.
لقد كان الفقيد العزيز ابنا شرعيا لجيله، نعني الجيل الثالث بعد الاستقلال: تشرهب قيم الوطنية وخدمة الصالح العام فانعكس ذلك على فكره وسلوكه، فإذا هو من أبرز الشخصيات الي تقلّدت المسؤولية منذ ثمانينات القرن الماضي وحتى قبلها. وإذا هو بالفعل الرّجل المناسب حيثما حلّ، في المجال الفلاحي وهو مهده الأصلي، أو في مختلف المسؤوليات الادارية والسياسية والديبلوماسية التي اضطلع بها.
بل إن الأمر مع سي الفاضل لا يخلو من العجب: تنظر إليه في هذا الموضع أو ذاك من مواقع المسؤولية فتحس بأنه ليس جديرا به فحسب، وإنما هو قادر على تحمّل ما هو أرقى منه وأرفع.
كذلك كان سي الفاضل في «الولاية» أو في «الوزارة» أو في «السفارة» أو في غيرها من مراتب المسؤولية.
لقد عرفته، أول ما عرفته، حين عيّن واليا على جهة صفافس، في أواخر ثمانينات القرن الماضي، إن لم تخنّي الذاكرة، وكنت إذّاك، ضمن الفريق المؤسس لكلية الآداب والعلوم الانسانية بها. وحين خرجت من أول لقاء جمعني به في مكتبه، بمقرّ الولاية القديم، قلت لأول من اعترضني من الأصدقاء: لو كان في تونس عشرة رجال من طينة هذا الرجل وحجمه لأمكن لبلادنا أن ترتقي إلى أعلى مدارج التقدّم. ويشهد الله أنني مازلت على هذا الرأي إلى يوم النّاس هذا! فما رأيت عيني قطّ رجلا أخلص منه للمسؤولية وأحرص على مصلحة البلاد والعباد.
إني مازلت أذكر حين أسرّ إليّ، ذات يوم، وكان عندئذ وزيرا للشؤون الاجتماعية فقال: إنني بصدد اتخاذ قرارات ستكلفني كرسي الوزارة، لكنني أرى فيها مصلحة بلادي، ولذلك أقدمت عليها. ثم كان ما توقعه الوزيز.
لقد كان سي الفاضل على الدوام مثالا رائعا في المصلحة العامة على المصلحة الخاصة. وكان لا يخشى من خوض المعارك من أجل ذلك.
من أبرز خصال الفقيد العزيز، كذلك، جرأته، فقد كان جريئا في كلامه، وكان جريئا في فعله وسلوكه، رغم ما تقتضيه المسؤولية عادة من المداراة والمجاملة ومن الصمت والسكوت أحيانا، حذرا وتحسّبا.
كانت المسؤولية عند سي الفاضل شجاعة وإقداما على إبداء الرأي وإن كان محرجا للبعض وعلى أخذ هذا الاجراء أو ذاك، وإن كن مزعجا للبعض الآخر. فالمسؤولية عنده صدق مع النفس ومع الآخرين ووفاء للأمانة. وكان سي الفاضل، رحمه الله، صادقا أمينا، متعفّفا، نظيف اليدين والسريرة معا.
لقد كان مسؤولا كما يجب أن يكون المسؤول، واسع الإلمام والإحاطة، دقيق النظر، مقنعا إذا تكلّم، عميقا إذا حلّل، ذا قدرة عجيبة على التأليف بين المعطيات وبلورة التوجهات والقرارات.
لقد أحبّه الناس، لهذه الخصال وغيرها، واحترمون، وقدّروه لأنهم رأوا فيه صورة المسؤول التي يتصوّرونها: كفاءة عالية وجدّ وعمل إلى حدّ الانهاك، وتفان في الاضطلاع بأعباء المسؤولية إلى حدّ الارهاق.
كان فارسا بلا شك. فارسا من فرسان تونس، خدم بلاده بإخلاص وضحى من أجلها وآثر مصلحتها على ما سواها. فهو ابن بارّ من أبنائها وثمرة من ثمار أرضها الطيبة الزكية.
لقد خدم الفاضل خليل بلاده طيلة حياته، وظل محبّا لها حتى النهاية. وإني مازلت أراه خلال السنوات الأخيرة وهو يتابع الأوضاع والأحوال ويرصد التطورات والتقلبات، منشغلا مهموما دون أن يفقد الأمل. فقد كان على الدوام مؤمنا بقدرة تونس على النهوض ومتفائلا بمستقبلها.
رحمك الله أيها الفارس الأصيل، وبرّد ثراك، وجعل جنّة الخلد مأواك، وجازاك الله خيرا عمّا قدّمته للبلاد والعباد من جليل الأعمال والخدمات. وحسبنا اليوم أن سيرتك وسيرة أمثالك من أبناء تونس البررة تمثل خير مرجع للأجيال الجديدة تنهل منه معاني الولاء لتونس والتفاني في خدمتها.

بقلــــــــم: فـــــــــؤاد القرقوري
مقترح مبادرة وطنية موجهة إلى الأغلبية الوطنية المنحازة لقضية فلسطين
19 ماي 2018 السّاعة 17:30
الشروق اون لاين – محمد الطاهر: كتب الاستاذ الجامعة التونسية والمنسق العلمي لشبكة باب المغاربة للدراسات...
المزيد >>
المدرسة والبلدية :علاقات استراتيجية أهملتها البرامج الانتخابية
14 ماي 2018 السّاعة 21:00
تتجه الأنظار في تونس الى الانتخابات البلدية القادمة التي تحظى باهتمام واسع من مختلف الشرائح الاجتماعية ومن...
المزيد >>
ما أشبـه اليــوم بالبارحـــة
14 ماي 2018 السّاعة 21:00
والتاريخ يعيد نفسه أو نستنطقونه أحيانا وهو صورة طبق الأصل من الماضي السحيق الضارب في القدم ويتشابه في...
المزيد >>
حربوشـــة ثقيلــــة الــوزن معبــــــرة ومدوية وصريحة
14 ماي 2018 السّاعة 21:00
شعبنا الأبي الوفي الذكي المسالم الواعي والمثقف وصاحب المواعيد الحاسمة بعد أن جرب وأعطى الفرصة لمدة 4 أعوام...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
وفاء لروح محمد الفاضل خليل
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 18 ديسمبر 2017

ودّعنا منذ مدّة، وودعت تونس كلها، رجلا استثنائيا، وشخصية ممتازة، ومسؤولا من طينة مخصوصة، هو الفقيد العزيز، المرحوم بإذن الله تعالى، محمد الفاضل خليل الذي الذي حل عنّا بسرعة بعد أن فتك به الداء الذي لا دواء له في أسبيع معدودات.
لقد مات سي الفاضل ـ رحمه الله ـ متعجلا كما عاش متعجلا، ويعرف أصدقاؤه وكل من عاشره أن الرجل كان دائما على عجلة من أمره حين يتحدث، وحين يمشي، وحين يلتقي بأصدقائه في مقهى فيكون أول المنصرفين. هل كان يحسّ أن الحياة قصيرة فلا مجال لإضاعة الوقت؟ هل كان يشعر ـ عن وعي أو عن غير وعي ـ بأن حياته لن تطول؟ الله وحده أعلم!
المهم أن الراحل العزير عاش على إيقاع السرعة وغاب على هذا الايقاع نفسه.
رحل سي الفاضل فخلّف في النفوس حزنا عميقا، ولوعة حارقة، وأسى لا حدّ له. فقد كان الرجل محبوبا من الجميع، وكان محلّ تقدير واحترام من الجميع أيضا. وقلّما يُجمع النّاس على شخص، لا سيما في مجال السياسة وإدارة الشأن العام. ألم نقل منذ البداية: إنه كان رجلا استثنائيا بكل المعاني!
لقد كان رحمه الله رجلا ذكيا، بل وقّاد الذكاء، وكان متعقّلا بل راجح العقل، وكان حازما بل ماضي الحزم، وكان ودودا لطيفا. وكان إلى هذا كلهه رجلا مهيبا، صاحب مبدإ وقرار، مسكونا بروح الجدّ والعمل والمسولية.
لقد كان الفقيد العزيز ابنا شرعيا لجيله، نعني الجيل الثالث بعد الاستقلال: تشرهب قيم الوطنية وخدمة الصالح العام فانعكس ذلك على فكره وسلوكه، فإذا هو من أبرز الشخصيات الي تقلّدت المسؤولية منذ ثمانينات القرن الماضي وحتى قبلها. وإذا هو بالفعل الرّجل المناسب حيثما حلّ، في المجال الفلاحي وهو مهده الأصلي، أو في مختلف المسؤوليات الادارية والسياسية والديبلوماسية التي اضطلع بها.
بل إن الأمر مع سي الفاضل لا يخلو من العجب: تنظر إليه في هذا الموضع أو ذاك من مواقع المسؤولية فتحس بأنه ليس جديرا به فحسب، وإنما هو قادر على تحمّل ما هو أرقى منه وأرفع.
كذلك كان سي الفاضل في «الولاية» أو في «الوزارة» أو في «السفارة» أو في غيرها من مراتب المسؤولية.
لقد عرفته، أول ما عرفته، حين عيّن واليا على جهة صفافس، في أواخر ثمانينات القرن الماضي، إن لم تخنّي الذاكرة، وكنت إذّاك، ضمن الفريق المؤسس لكلية الآداب والعلوم الانسانية بها. وحين خرجت من أول لقاء جمعني به في مكتبه، بمقرّ الولاية القديم، قلت لأول من اعترضني من الأصدقاء: لو كان في تونس عشرة رجال من طينة هذا الرجل وحجمه لأمكن لبلادنا أن ترتقي إلى أعلى مدارج التقدّم. ويشهد الله أنني مازلت على هذا الرأي إلى يوم النّاس هذا! فما رأيت عيني قطّ رجلا أخلص منه للمسؤولية وأحرص على مصلحة البلاد والعباد.
إني مازلت أذكر حين أسرّ إليّ، ذات يوم، وكان عندئذ وزيرا للشؤون الاجتماعية فقال: إنني بصدد اتخاذ قرارات ستكلفني كرسي الوزارة، لكنني أرى فيها مصلحة بلادي، ولذلك أقدمت عليها. ثم كان ما توقعه الوزيز.
لقد كان سي الفاضل على الدوام مثالا رائعا في المصلحة العامة على المصلحة الخاصة. وكان لا يخشى من خوض المعارك من أجل ذلك.
من أبرز خصال الفقيد العزيز، كذلك، جرأته، فقد كان جريئا في كلامه، وكان جريئا في فعله وسلوكه، رغم ما تقتضيه المسؤولية عادة من المداراة والمجاملة ومن الصمت والسكوت أحيانا، حذرا وتحسّبا.
كانت المسؤولية عند سي الفاضل شجاعة وإقداما على إبداء الرأي وإن كان محرجا للبعض وعلى أخذ هذا الاجراء أو ذاك، وإن كن مزعجا للبعض الآخر. فالمسؤولية عنده صدق مع النفس ومع الآخرين ووفاء للأمانة. وكان سي الفاضل، رحمه الله، صادقا أمينا، متعفّفا، نظيف اليدين والسريرة معا.
لقد كان مسؤولا كما يجب أن يكون المسؤول، واسع الإلمام والإحاطة، دقيق النظر، مقنعا إذا تكلّم، عميقا إذا حلّل، ذا قدرة عجيبة على التأليف بين المعطيات وبلورة التوجهات والقرارات.
لقد أحبّه الناس، لهذه الخصال وغيرها، واحترمون، وقدّروه لأنهم رأوا فيه صورة المسؤول التي يتصوّرونها: كفاءة عالية وجدّ وعمل إلى حدّ الانهاك، وتفان في الاضطلاع بأعباء المسؤولية إلى حدّ الارهاق.
كان فارسا بلا شك. فارسا من فرسان تونس، خدم بلاده بإخلاص وضحى من أجلها وآثر مصلحتها على ما سواها. فهو ابن بارّ من أبنائها وثمرة من ثمار أرضها الطيبة الزكية.
لقد خدم الفاضل خليل بلاده طيلة حياته، وظل محبّا لها حتى النهاية. وإني مازلت أراه خلال السنوات الأخيرة وهو يتابع الأوضاع والأحوال ويرصد التطورات والتقلبات، منشغلا مهموما دون أن يفقد الأمل. فقد كان على الدوام مؤمنا بقدرة تونس على النهوض ومتفائلا بمستقبلها.
رحمك الله أيها الفارس الأصيل، وبرّد ثراك، وجعل جنّة الخلد مأواك، وجازاك الله خيرا عمّا قدّمته للبلاد والعباد من جليل الأعمال والخدمات. وحسبنا اليوم أن سيرتك وسيرة أمثالك من أبناء تونس البررة تمثل خير مرجع للأجيال الجديدة تنهل منه معاني الولاء لتونس والتفاني في خدمتها.

بقلــــــــم: فـــــــــؤاد القرقوري
مقترح مبادرة وطنية موجهة إلى الأغلبية الوطنية المنحازة لقضية فلسطين
19 ماي 2018 السّاعة 17:30
الشروق اون لاين – محمد الطاهر: كتب الاستاذ الجامعة التونسية والمنسق العلمي لشبكة باب المغاربة للدراسات...
المزيد >>
المدرسة والبلدية :علاقات استراتيجية أهملتها البرامج الانتخابية
14 ماي 2018 السّاعة 21:00
تتجه الأنظار في تونس الى الانتخابات البلدية القادمة التي تحظى باهتمام واسع من مختلف الشرائح الاجتماعية ومن...
المزيد >>
ما أشبـه اليــوم بالبارحـــة
14 ماي 2018 السّاعة 21:00
والتاريخ يعيد نفسه أو نستنطقونه أحيانا وهو صورة طبق الأصل من الماضي السحيق الضارب في القدم ويتشابه في...
المزيد >>
حربوشـــة ثقيلــــة الــوزن معبــــــرة ومدوية وصريحة
14 ماي 2018 السّاعة 21:00
شعبنا الأبي الوفي الذكي المسالم الواعي والمثقف وصاحب المواعيد الحاسمة بعد أن جرب وأعطى الفرصة لمدة 4 أعوام...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
خالد الحدّاد
سياسة التشكيك والمغالطات
يُنجز جزء كبير من الحراك السياسي في بلادنا بعيدا عن الشفافيّة المطلوبة وفي إطار صراعات الأهواء والمصالح وحروب التموقع التي لم تتخلّص منها الحياة الوطنية على الرغم من الخطوات...
المزيد >>