تجربة نقل الحكومة إلى القيروان:الشاهد ورهان الضعف أو لا شيء
خالد الحدّاد
سياسة التشكيك والمغالطات
يُنجز جزء كبير من الحراك السياسي في بلادنا بعيدا عن الشفافيّة المطلوبة وفي إطار صراعات الأهواء والمصالح وحروب التموقع التي لم تتخلّص منها الحياة الوطنية على الرغم من الخطوات...
المزيد >>
تجربة نقل الحكومة إلى القيروان:الشاهد ورهان الضعف أو لا شيء
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 02 ديسمبر 2017

أن تعقد الحكومة اجتماعها خارج قصر القصبة فهذا ليس ببدعة في تقاليد العمل السياسي التونسي. فالتاريخ القريب يحتفظ بسوابق عديدة منها مجالس الوزراء التي كانت تلتئم في مقر الولايات بإشراف الرئيس الأس+بق بن علي.
الجديد في قرار السيد يوسف الشاهد هو، أولا، في طول المدة الزمنية التي استغرقتها زيارته إلى القيروان، والتي تجاوزت الثلاثة أيام، وهي مدّة هامّة تؤكد القيمة التي يوليها رئيس الحكومة لهذا التمشّي الميداني في إدارة الشؤون العامّة.
والجديد، ثانيا، يتمثل في جمع الشاهد، خلال تحوله إلى ولاية القيروان، بين العمل الاداري الفني وبين الاتصال المباشر ـ كلمة السرّ في الإرث السياسي البورقيبي ـ بكل الفاعلين عموميين كانوا أم خواصّ، وكذلك وبالخصوص، بعموم المواطنين والاصغاء إلى مشاغلهم ومحاورتهم.
نَقْلُ الحكومة إلى الجهات الداخلية بهذا الشكل له مزاياه ومعانيه القوية، لكنه لا يخلو من مخاطر قد يدفع السيد يوسف الشاهد ثمنها، إذا لم ينتبه، إن عاجلا أم آجلا.
لنقف أولا عند المعاني والمزايا لنشير أن هذه الزيارة المطوّلة والموسّعة تكتسي قيمة رمزية يريد يوسف الشاهد من خلالها أن يثبّت قدرته على طرح سياسة جديدة قائمة على المبادرة والتحرّك الميداني، وتقطع مع الممارسات القديمة وذلك بإحداث انقلاب في مفهوم الفعل السياسي يترتّب عنه توجّه الحكومة إلى المواطنين عوضا عن توجّه المواطنين إلى الحكومة. هذا التوجّه، لئن أصبح متّبعا من عديد رؤساء الدول والحكومات بما فيها المتقدّمة وذات التقاليد الديمقراطية الراسخة، فهو يمثّل ليوسف الشاهد فرصة ذهبيّة لإكمال بناء شرعيته الشعبيّة بعد فوزه بتأكيد وتعاطف شرائح كبيرة من التونسيين في الحرب التي أعلنها على الفساد.
يوسف الشاهد الذي تعلّم دون شك من تجربة سابقه الحبيب الصّيد، يعلم الصّعاب العديدة التي تعيق عمل حكومته وتحول دون تحقيق أهدافها في تعجيل إعادة الناس إلى حضيرة العمل واسترجاع نسق النمو للاقتصادي الوطني. من هذه الصعاب ما هو هيكلي يتعلّق بالنظام السياسي للبلاد وبمنوال التنمية المتّبع. لكن العائق الأكبر يبقى سياسيا بحتا يتعلّق بغياب الدعم الحزبي الذي يعطي لعمل الحكومة ما تستحقه من إبراز ورؤية، ويجنّد لها الطاقات الجماهيرية ويحشد الزّخم للمرحلة الأخيرة قبل الاستحقاقات الكبرى المقبلة.
على أساس هذه الاعتبارات سلك يوسف الشاهد هذا النهج القاضي بالتوجه إلى الجهات والاقامة بها مدّة من الزمن تكفيه للقاء والتواصل مع المسؤول والمواطن على عين المكان، والقطع نهائيا مع عادة الزيارات المبرمجة والخاطفة.
وبهذه الطريقة المباشرة يتمكّن إذن رئيس الحكومة من قلب الموازين لصالحه ويحوّل ضعفه (غياب السّند الحزبي) إلى قوّة (التأييد الشعبي) تضعه مبدئيا في مأمن من المفاجآت غير السارة.
عمليا فإن التنقّل بالحكومة إلى الجهات بالصيغة التي تمّت في ولاية القيروان تتيح ليوسف الشاهد تحقيق ثلاثة أهداف قريبة وهامة.
أما الهدف الأول فيتمثل في شحذ فريقه الحكومي وتوثيق الترابط بين أعضائه وتحسين تماسكه، وهو أمر ضروري باعتبار تباين وتنافر مرجعيات الأحزاب التي ينتمي إليها أعضاء حكومة الوحدة الوطنية.
ويتمثل الهدف الثاني في إعطاء تجسيد حقيقي (une incarnation réelle) لصورة رئيس الحكومة ولدوره خارج دائرة الاعلام وشبكات الاتصال الرسمية منها والاجتماعية.
ويبقى الهدف الثالث، والأهم، متمثلا في القفز فوق التشكيلات السياسية ووضع الدولة فوق الأحزاب، فـ«الأحزاب كما كان يقول الزعيم بورقيبة، للمناضلين أما الدولة فللمواطنين» وهو ما يكرّسه يوسف الشاهد بمكوثه في جهات البلاد وبين ظهراني مواطنيها، مكتسبا بذلك الشرعية التي تنقصه أو التي بخلت بإعطائها إياه الأحزاب المضطلعة بالحكم وأولها حزبه، حزب نداء تونس.
غير أن هذا التمشي على وجاهته وتأثيره الناجع والسريع، لا يخلو من مخاطر قد تجعل منه مركبا سياسيا زلوقا إذا لم يتوخّ يوسف الشاهد الحذر واليقظة المتواصلين فيسقط في استسهال تقديم وعود لا تقدر حكومته على تلبيتها وتحقيقها مثلما حدث لسلفه الحبيب الصّيد الذي لم يبخل بجهده عن زيارة الجهات وإطلاق الكثير من الوعود.
لكن الأخطر إطلاقا على يوسف الشاهد هو أن يصبح كل شيء متمركزا على شخصه بعد تهميش كل المسؤولين المتوسطين وفتح المساحة بين رئيس الحكومة كممثل أول للسلطة التنفيذية، والمواطن الذي لن يعترف مستقبلا بوسطاء آخرين في الدولة. عندها قد يصبح يوسف الشاهد وحيدا هشّا غير محمّي، فيسهل كسره.
لا بدّ أنه فكّر مليا في ما يبدو رهان «الضعف أو لا شيء» (quitte ou double).

بقلم: عبد الجليل المسعودي
أولا وأخيرا:لا حســـــــــاب تحـت التوتــــــة
20 ماي 2018 السّاعة 21:00
بالأمس القريب في ذاك الزمن الجميل رغم الفقر والفاقة والحاجة يوم كانت السعادة تغمرنا لأبسط مكسب ولو كان ثمن...
المزيد >>
إشراقات 2:صورة أخرى
20 ماي 2018 السّاعة 21:00
اقرؤوا معي هذه الفقرة ثمّ سأذكر لكم من أين اخترتها لكم: «أمّا السكن فلم نتمتّع مع الأسف بالسكن الجامعي بل...
المزيد >>
حدث وحديث:«وقتاش اتجي كار الـعشرة ؟»
19 ماي 2018 السّاعة 21:00
على كامل مدى الأسبوع المنقضي ووسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي لا تكفّ تذكر حادثة القطار الياباني الذي...
المزيد >>
ردّ من المدرسة الخاصة على ولاية تونس
19 ماي 2018 السّاعة 21:00
..وبعد ما ورد من توضيحات من ولاية تونس حول الأسباب الحقيقية لعدم منح رخصة لفائدة مدرسة ابتدائية نفيدكم أن...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
تجربة نقل الحكومة إلى القيروان:الشاهد ورهان الضعف أو لا شيء
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 02 ديسمبر 2017

أن تعقد الحكومة اجتماعها خارج قصر القصبة فهذا ليس ببدعة في تقاليد العمل السياسي التونسي. فالتاريخ القريب يحتفظ بسوابق عديدة منها مجالس الوزراء التي كانت تلتئم في مقر الولايات بإشراف الرئيس الأس+بق بن علي.
الجديد في قرار السيد يوسف الشاهد هو، أولا، في طول المدة الزمنية التي استغرقتها زيارته إلى القيروان، والتي تجاوزت الثلاثة أيام، وهي مدّة هامّة تؤكد القيمة التي يوليها رئيس الحكومة لهذا التمشّي الميداني في إدارة الشؤون العامّة.
والجديد، ثانيا، يتمثل في جمع الشاهد، خلال تحوله إلى ولاية القيروان، بين العمل الاداري الفني وبين الاتصال المباشر ـ كلمة السرّ في الإرث السياسي البورقيبي ـ بكل الفاعلين عموميين كانوا أم خواصّ، وكذلك وبالخصوص، بعموم المواطنين والاصغاء إلى مشاغلهم ومحاورتهم.
نَقْلُ الحكومة إلى الجهات الداخلية بهذا الشكل له مزاياه ومعانيه القوية، لكنه لا يخلو من مخاطر قد يدفع السيد يوسف الشاهد ثمنها، إذا لم ينتبه، إن عاجلا أم آجلا.
لنقف أولا عند المعاني والمزايا لنشير أن هذه الزيارة المطوّلة والموسّعة تكتسي قيمة رمزية يريد يوسف الشاهد من خلالها أن يثبّت قدرته على طرح سياسة جديدة قائمة على المبادرة والتحرّك الميداني، وتقطع مع الممارسات القديمة وذلك بإحداث انقلاب في مفهوم الفعل السياسي يترتّب عنه توجّه الحكومة إلى المواطنين عوضا عن توجّه المواطنين إلى الحكومة. هذا التوجّه، لئن أصبح متّبعا من عديد رؤساء الدول والحكومات بما فيها المتقدّمة وذات التقاليد الديمقراطية الراسخة، فهو يمثّل ليوسف الشاهد فرصة ذهبيّة لإكمال بناء شرعيته الشعبيّة بعد فوزه بتأكيد وتعاطف شرائح كبيرة من التونسيين في الحرب التي أعلنها على الفساد.
يوسف الشاهد الذي تعلّم دون شك من تجربة سابقه الحبيب الصّيد، يعلم الصّعاب العديدة التي تعيق عمل حكومته وتحول دون تحقيق أهدافها في تعجيل إعادة الناس إلى حضيرة العمل واسترجاع نسق النمو للاقتصادي الوطني. من هذه الصعاب ما هو هيكلي يتعلّق بالنظام السياسي للبلاد وبمنوال التنمية المتّبع. لكن العائق الأكبر يبقى سياسيا بحتا يتعلّق بغياب الدعم الحزبي الذي يعطي لعمل الحكومة ما تستحقه من إبراز ورؤية، ويجنّد لها الطاقات الجماهيرية ويحشد الزّخم للمرحلة الأخيرة قبل الاستحقاقات الكبرى المقبلة.
على أساس هذه الاعتبارات سلك يوسف الشاهد هذا النهج القاضي بالتوجه إلى الجهات والاقامة بها مدّة من الزمن تكفيه للقاء والتواصل مع المسؤول والمواطن على عين المكان، والقطع نهائيا مع عادة الزيارات المبرمجة والخاطفة.
وبهذه الطريقة المباشرة يتمكّن إذن رئيس الحكومة من قلب الموازين لصالحه ويحوّل ضعفه (غياب السّند الحزبي) إلى قوّة (التأييد الشعبي) تضعه مبدئيا في مأمن من المفاجآت غير السارة.
عمليا فإن التنقّل بالحكومة إلى الجهات بالصيغة التي تمّت في ولاية القيروان تتيح ليوسف الشاهد تحقيق ثلاثة أهداف قريبة وهامة.
أما الهدف الأول فيتمثل في شحذ فريقه الحكومي وتوثيق الترابط بين أعضائه وتحسين تماسكه، وهو أمر ضروري باعتبار تباين وتنافر مرجعيات الأحزاب التي ينتمي إليها أعضاء حكومة الوحدة الوطنية.
ويتمثل الهدف الثاني في إعطاء تجسيد حقيقي (une incarnation réelle) لصورة رئيس الحكومة ولدوره خارج دائرة الاعلام وشبكات الاتصال الرسمية منها والاجتماعية.
ويبقى الهدف الثالث، والأهم، متمثلا في القفز فوق التشكيلات السياسية ووضع الدولة فوق الأحزاب، فـ«الأحزاب كما كان يقول الزعيم بورقيبة، للمناضلين أما الدولة فللمواطنين» وهو ما يكرّسه يوسف الشاهد بمكوثه في جهات البلاد وبين ظهراني مواطنيها، مكتسبا بذلك الشرعية التي تنقصه أو التي بخلت بإعطائها إياه الأحزاب المضطلعة بالحكم وأولها حزبه، حزب نداء تونس.
غير أن هذا التمشي على وجاهته وتأثيره الناجع والسريع، لا يخلو من مخاطر قد تجعل منه مركبا سياسيا زلوقا إذا لم يتوخّ يوسف الشاهد الحذر واليقظة المتواصلين فيسقط في استسهال تقديم وعود لا تقدر حكومته على تلبيتها وتحقيقها مثلما حدث لسلفه الحبيب الصّيد الذي لم يبخل بجهده عن زيارة الجهات وإطلاق الكثير من الوعود.
لكن الأخطر إطلاقا على يوسف الشاهد هو أن يصبح كل شيء متمركزا على شخصه بعد تهميش كل المسؤولين المتوسطين وفتح المساحة بين رئيس الحكومة كممثل أول للسلطة التنفيذية، والمواطن الذي لن يعترف مستقبلا بوسطاء آخرين في الدولة. عندها قد يصبح يوسف الشاهد وحيدا هشّا غير محمّي، فيسهل كسره.
لا بدّ أنه فكّر مليا في ما يبدو رهان «الضعف أو لا شيء» (quitte ou double).

بقلم: عبد الجليل المسعودي
أولا وأخيرا:لا حســـــــــاب تحـت التوتــــــة
20 ماي 2018 السّاعة 21:00
بالأمس القريب في ذاك الزمن الجميل رغم الفقر والفاقة والحاجة يوم كانت السعادة تغمرنا لأبسط مكسب ولو كان ثمن...
المزيد >>
إشراقات 2:صورة أخرى
20 ماي 2018 السّاعة 21:00
اقرؤوا معي هذه الفقرة ثمّ سأذكر لكم من أين اخترتها لكم: «أمّا السكن فلم نتمتّع مع الأسف بالسكن الجامعي بل...
المزيد >>
حدث وحديث:«وقتاش اتجي كار الـعشرة ؟»
19 ماي 2018 السّاعة 21:00
على كامل مدى الأسبوع المنقضي ووسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي لا تكفّ تذكر حادثة القطار الياباني الذي...
المزيد >>
ردّ من المدرسة الخاصة على ولاية تونس
19 ماي 2018 السّاعة 21:00
..وبعد ما ورد من توضيحات من ولاية تونس حول الأسباب الحقيقية لعدم منح رخصة لفائدة مدرسة ابتدائية نفيدكم أن...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
خالد الحدّاد
سياسة التشكيك والمغالطات
يُنجز جزء كبير من الحراك السياسي في بلادنا بعيدا عن الشفافيّة المطلوبة وفي إطار صراعات الأهواء والمصالح وحروب التموقع التي لم تتخلّص منها الحياة الوطنية على الرغم من الخطوات...
المزيد >>