المنظومة التربوية وسياسات التلفيق
خالد الحدّاد
سياسة التشكيك والمغالطات
يُنجز جزء كبير من الحراك السياسي في بلادنا بعيدا عن الشفافيّة المطلوبة وفي إطار صراعات الأهواء والمصالح وحروب التموقع التي لم تتخلّص منها الحياة الوطنية على الرغم من الخطوات...
المزيد >>
المنظومة التربوية وسياسات التلفيق
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 19 نوفمبر 2017

أقرّت وزارة التربية مؤخرا بالاتفاق مع الطرف النقابي تعديلات تهمّ الاختبارات التأليفيّة في المدارس الإعدادية والمعاهد الثانوية، بشكل ستطول معه مدّة هذه الفترة الدراسية الاولى لهذه السنة إلى أواخر شهر جانفي وبدايات شهر فيفري من السنة القادمة.
إنّ من أعظم النوازل أو الكوارث التي تضرب مجتمعا مَّا هي اضطراب مناهجه التعليمية وتذبذب منظومة تربية الناشئة، وعلى مدار السنوات الست الماضية شهدت المنظومة التربويّة أزمات متتالية ناتجة عن غياب رؤية إصلاحية استراتيجية دقيقة واعتماد الحكومات المتعاقبة على سياسات تلفيقيّة ضربت الكثير من المكتسبات ومسّت صميم المهمة التربويّة في الإحاطة بالناشئة وضمان المراقبة المستمرة ومسارات التقييم الدوريّة والناجعة وتحفيز التلاميذ على التنافس وغرس القيم والمبادئ النبيلة في نفوسهم وتنمية معارفهم.
للأسف، تعيش المنظومة التربوية حالة من الضياع والتيه ويعزف معها أبناؤنا وضعيات حيرة وارتباك شديدة يقرّ بها المختصّون في الشأن التربوي، والغريب أنّ الجهات الإدارية المشرفة تُواصل نفس الخطيئة في تنفيذ حلول ترقيعيّة تحت ضغط مشهد الاضطراب وغياب جدوى إصلاحات تمّ إقرارها بصفة ارتجالية خلال السنوات الأخيرة.
أليس من باب الغرابة أن تتحدّث وزارة التربية اليوم عن توجّه لتغيير الزمن المدرسي لينتهي مع الساعة الثانية زوالا وتخصيص الساعات المسائيّة للأنشطة الثقافية والرياضية، والحال انّ العديد من المدارس والمعاهد تفتقر إلى التجهيزات الضرورية والإطار التربوي الكافي وأنّ البعض منها تغيب عن برامجها مادة التربية البدنية.
هذا نوع من سياسات الترقيع والارتجال حتى لكأنّ أصحاب هذه الأفكار منقطعون عن حقيقة ما يجري في الواقع وما يعتري العملية التربوية من هنات هيكلية على غاية من الخطورة تتطلب التدخل العاجل لتدارك الأمر قبل فوات الاوان.
وأوّل الأولويات العاجلة إجراء تقييم علمي ناجع لنظام الامتحانات وتصويب الخيارات الخاطئة والتي آخرها قرارات الأسبوع المنقضي، هل من المنطقي أن يتواصل سداسي الى هذا الحد؟ وهل سيكفي ما بقي من العام الدراسي لإتمام ثلثي البرامج الدراسية وإجراء الامتحانات الوطنية؟.
وقبل ذلك الا يعلم المشرفون على القطاع حقيقة دوَّامة الضياع التي يعيشها التلاميذ الآن في غياب نظام مراقبة مستمر حازم وفقدان عوامل التحفيز واليقظة الدائمة؟.
إنّ المختصين في الشأن التربوي يُجمعون على انّ نظام السداسية كارثة وطنية وجريمة في حق المنظومة التربوية، خاصة وانّ هذه المنظومة تم تجريبها سابقا وتم العدول عنها بسرعة بعد توضِّح ما يعتريها من مظاهر ضعف ووهن.
نظام السداسيّتين يتسبّب في حالة من التيه والضياع يعيشها أبناؤنا التلاميذ هذه الأيام على جميع المستويات، ومن مظاهرها تراخ وغياب محفّزات الاجتهاد والبذل وقتل روح التنافس والرغبة في التفوّق والامتياز وحرمان التلاميذ من فرص التدارك التي يوفّرها نظام الثلاثيات.
وزير التربية الحالي من الكفاءات التي استبشر الجميع عند تعيينه ومعروف عنه العمل الاستراتيجي والاستشرافي، مدعو إلى التحلّي بالشجاعة المعهودة لديه والاقدام بإرادة قويّة لوقف سلسلة المساومات والرضوخ للضغوطات والحلول الترقيعية والسياسات الارتجالية حالا والتوجه لضبط خطة دقيقة للإصلاح الشامل وضمان نجاعة المنظومة التربوية وإعادة البريق إليها ومنحها جاذبيتها التي افتقدتها نتيجة رؤى ثورجية سعت إلى تقويض كل البناء وهدم السقف الوطني على الجميع.
لا بدّ من إيقاف حالة التلاعب الخطيرة بمستقبل الناشئة والتي هي من الأسباب المباشرة لازدياد مرعب لعدد المنقطعين عن الدراسة والتي تقدّرهم الجهات الرسميّة بحوالي مائة ألف تلميذ سنويا، وهو أمر أدّى بشكل آلي إلى انهيار مجتمعي دراماتيكي من نتائجه ارتفاع مذهل لنسب الجريمة والانحراف.
أسف على مدرسة كانت تحتضن التلاميذ وتربي فيهم القيم والمبادئ وتغرس فيهم روح التنافس وحب المعرفة والعلم ويضمن نظامها في الاختبارات والامتحانات افضل وسائل وأدوات رعاية التلاميذ وتاطيرهم وضمان المراقبة المستمرة لتطوّر معارفهم ومستواهم الدراسي وحماية سلوكهم من كل مظاهر الانحراف والفشل والخيبة واليأس والإحباط.

خالد الحدّاد
سياسة التشكيك والمغالطات
20 ماي 2018 السّاعة 21:00
يُنجز جزء كبير من الحراك السياسي في بلادنا بعيدا عن الشفافيّة المطلوبة وفي إطار صراعات الأهواء والمصالح...
المزيد >>
رمضـــان... والأسعــار
19 ماي 2018 السّاعة 21:00
في تونس عادة ما يكون شهر رمضان اختبارا حقيقيا للحكومة في مجال التحكم في الأسعار ... منذ سنوات الأسعار في تونس...
المزيد >>
القدس...و دموع التماسيح
18 ماي 2018 السّاعة 21:00
المواقف والتصريحات التي أطلقها الرئيس التركي رجب طيب اردوغان من نقل سفارة أمريكا الى القدس و رغم «الحماسة»...
المزيد >>
شهر الرحمة... وجنون الأسعار !
17 ماي 2018 السّاعة 21:00
يحتفل التونسيون بداية من اليوم بشهر الرحمة رمضان الكريم وسط مشاعر فيها الكثير من الأمل والخوف من المستقبل ،...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
المنظومة التربوية وسياسات التلفيق
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 19 نوفمبر 2017

أقرّت وزارة التربية مؤخرا بالاتفاق مع الطرف النقابي تعديلات تهمّ الاختبارات التأليفيّة في المدارس الإعدادية والمعاهد الثانوية، بشكل ستطول معه مدّة هذه الفترة الدراسية الاولى لهذه السنة إلى أواخر شهر جانفي وبدايات شهر فيفري من السنة القادمة.
إنّ من أعظم النوازل أو الكوارث التي تضرب مجتمعا مَّا هي اضطراب مناهجه التعليمية وتذبذب منظومة تربية الناشئة، وعلى مدار السنوات الست الماضية شهدت المنظومة التربويّة أزمات متتالية ناتجة عن غياب رؤية إصلاحية استراتيجية دقيقة واعتماد الحكومات المتعاقبة على سياسات تلفيقيّة ضربت الكثير من المكتسبات ومسّت صميم المهمة التربويّة في الإحاطة بالناشئة وضمان المراقبة المستمرة ومسارات التقييم الدوريّة والناجعة وتحفيز التلاميذ على التنافس وغرس القيم والمبادئ النبيلة في نفوسهم وتنمية معارفهم.
للأسف، تعيش المنظومة التربوية حالة من الضياع والتيه ويعزف معها أبناؤنا وضعيات حيرة وارتباك شديدة يقرّ بها المختصّون في الشأن التربوي، والغريب أنّ الجهات الإدارية المشرفة تُواصل نفس الخطيئة في تنفيذ حلول ترقيعيّة تحت ضغط مشهد الاضطراب وغياب جدوى إصلاحات تمّ إقرارها بصفة ارتجالية خلال السنوات الأخيرة.
أليس من باب الغرابة أن تتحدّث وزارة التربية اليوم عن توجّه لتغيير الزمن المدرسي لينتهي مع الساعة الثانية زوالا وتخصيص الساعات المسائيّة للأنشطة الثقافية والرياضية، والحال انّ العديد من المدارس والمعاهد تفتقر إلى التجهيزات الضرورية والإطار التربوي الكافي وأنّ البعض منها تغيب عن برامجها مادة التربية البدنية.
هذا نوع من سياسات الترقيع والارتجال حتى لكأنّ أصحاب هذه الأفكار منقطعون عن حقيقة ما يجري في الواقع وما يعتري العملية التربوية من هنات هيكلية على غاية من الخطورة تتطلب التدخل العاجل لتدارك الأمر قبل فوات الاوان.
وأوّل الأولويات العاجلة إجراء تقييم علمي ناجع لنظام الامتحانات وتصويب الخيارات الخاطئة والتي آخرها قرارات الأسبوع المنقضي، هل من المنطقي أن يتواصل سداسي الى هذا الحد؟ وهل سيكفي ما بقي من العام الدراسي لإتمام ثلثي البرامج الدراسية وإجراء الامتحانات الوطنية؟.
وقبل ذلك الا يعلم المشرفون على القطاع حقيقة دوَّامة الضياع التي يعيشها التلاميذ الآن في غياب نظام مراقبة مستمر حازم وفقدان عوامل التحفيز واليقظة الدائمة؟.
إنّ المختصين في الشأن التربوي يُجمعون على انّ نظام السداسية كارثة وطنية وجريمة في حق المنظومة التربوية، خاصة وانّ هذه المنظومة تم تجريبها سابقا وتم العدول عنها بسرعة بعد توضِّح ما يعتريها من مظاهر ضعف ووهن.
نظام السداسيّتين يتسبّب في حالة من التيه والضياع يعيشها أبناؤنا التلاميذ هذه الأيام على جميع المستويات، ومن مظاهرها تراخ وغياب محفّزات الاجتهاد والبذل وقتل روح التنافس والرغبة في التفوّق والامتياز وحرمان التلاميذ من فرص التدارك التي يوفّرها نظام الثلاثيات.
وزير التربية الحالي من الكفاءات التي استبشر الجميع عند تعيينه ومعروف عنه العمل الاستراتيجي والاستشرافي، مدعو إلى التحلّي بالشجاعة المعهودة لديه والاقدام بإرادة قويّة لوقف سلسلة المساومات والرضوخ للضغوطات والحلول الترقيعية والسياسات الارتجالية حالا والتوجه لضبط خطة دقيقة للإصلاح الشامل وضمان نجاعة المنظومة التربوية وإعادة البريق إليها ومنحها جاذبيتها التي افتقدتها نتيجة رؤى ثورجية سعت إلى تقويض كل البناء وهدم السقف الوطني على الجميع.
لا بدّ من إيقاف حالة التلاعب الخطيرة بمستقبل الناشئة والتي هي من الأسباب المباشرة لازدياد مرعب لعدد المنقطعين عن الدراسة والتي تقدّرهم الجهات الرسميّة بحوالي مائة ألف تلميذ سنويا، وهو أمر أدّى بشكل آلي إلى انهيار مجتمعي دراماتيكي من نتائجه ارتفاع مذهل لنسب الجريمة والانحراف.
أسف على مدرسة كانت تحتضن التلاميذ وتربي فيهم القيم والمبادئ وتغرس فيهم روح التنافس وحب المعرفة والعلم ويضمن نظامها في الاختبارات والامتحانات افضل وسائل وأدوات رعاية التلاميذ وتاطيرهم وضمان المراقبة المستمرة لتطوّر معارفهم ومستواهم الدراسي وحماية سلوكهم من كل مظاهر الانحراف والفشل والخيبة واليأس والإحباط.

خالد الحدّاد
سياسة التشكيك والمغالطات
20 ماي 2018 السّاعة 21:00
يُنجز جزء كبير من الحراك السياسي في بلادنا بعيدا عن الشفافيّة المطلوبة وفي إطار صراعات الأهواء والمصالح...
المزيد >>
رمضـــان... والأسعــار
19 ماي 2018 السّاعة 21:00
في تونس عادة ما يكون شهر رمضان اختبارا حقيقيا للحكومة في مجال التحكم في الأسعار ... منذ سنوات الأسعار في تونس...
المزيد >>
القدس...و دموع التماسيح
18 ماي 2018 السّاعة 21:00
المواقف والتصريحات التي أطلقها الرئيس التركي رجب طيب اردوغان من نقل سفارة أمريكا الى القدس و رغم «الحماسة»...
المزيد >>
شهر الرحمة... وجنون الأسعار !
17 ماي 2018 السّاعة 21:00
يحتفل التونسيون بداية من اليوم بشهر الرحمة رمضان الكريم وسط مشاعر فيها الكثير من الأمل والخوف من المستقبل ،...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
خالد الحدّاد
سياسة التشكيك والمغالطات
يُنجز جزء كبير من الحراك السياسي في بلادنا بعيدا عن الشفافيّة المطلوبة وفي إطار صراعات الأهواء والمصالح وحروب التموقع التي لم تتخلّص منها الحياة الوطنية على الرغم من الخطوات...
المزيد >>