محاضرات الشيخ محمد الفاضل بن عاشور .. تجديد الفكر الاسلامي (6)
خالد الحدّاد
سياسة التشكيك والمغالطات
يُنجز جزء كبير من الحراك السياسي في بلادنا بعيدا عن الشفافيّة المطلوبة وفي إطار صراعات الأهواء والمصالح وحروب التموقع التي لم تتخلّص منها الحياة الوطنية على الرغم من الخطوات...
المزيد >>
محاضرات الشيخ محمد الفاضل بن عاشور .. تجديد الفكر الاسلامي (6)
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 03 نوفمبر 2017

كان ابن رشد قد جاء في اخر القرن السادس يحاول تعديل موقف الغزالي وعاد الى ربط الفلسفة اليونانية بالحكمة الاسلامية على طريقة التزم فيها تقريبا الفلسفة الارسطاليسية. ولم يسلك مسالك التوفيق التي سلكها ابن سينا في كتاب «الاشارات» ولكنه بين ان المعاني التي لا تنتظم معها الحقائق الدينية مع نظريات الفلسفة الارسطاليسية فهي اما معان مؤولة واما من المتشابه، بحيث انه لا يمكن ان يعتقد في نظرية من النظريات الاسلامية اذ كانت مخالفة لمنهج من مناهج نظر الفلسفة الارسطاليسية.
وكان يعاصر ابن رشد في الحقبة نفسها الامام فخر الدين الرازي، فكان يسلك طريقة مناهضة لطريقة ابن رشد، اذ يشيد على اساس الاشعري والغزالي ويتناول الفلسفة كلها على منهج اسلامي خاص، على الطريقة التي سلكها الاشعري، ويمزج الكلام بالحكمة كما يعنون على ذلك كتابه الذي سماه «محصل افكار المتقدمين والمتأخرين من الفلاسفة والمتكلمين».
واندفعت طريقة الكلام الجديدة وراء الامام الرازي. وهي الطريقة التي تتناول الفلسفة كلها بمختلف فروعها تناولا اسلاميا او تمزجها بعلم الكلام ولا تعتمد على كتب الفلسفة لتكون مقدمات او اسانيد للمباحث الكلامية. وعلى ذلك درجت سلسلة المتكلمين الذين طبعوا الفلسفة من الذين جاؤوا بعد الامام الرازي امثال الارموي والبيضاوي والعضد وسعد الدين التفتزاني والسيد الشريف الجرجاني الى ابن الهمام والخيالي وعبد الحكيم السلكوتي وهم الذين يعتبرون من القرن السادس حتى القرن الحادي عشر وما بعده اعلام الفكر الاسلامي.
القرن السادس والفكرة الاسلامية
فالقرن السادس الذي يعتبر عند الكثيرين نهاية التفكير الاسلامي او وقوفا او انحطاطا او انحدارا. نحن في نظرنا الى الفكرة الاسلامية في خفائها ومدافعتها في سبيل البروز وما تجد من البروز احيانا وما تجد من الانطفاء تارة اخرى انما نعتبر القرن السادس قرن انتصار الفكرة الاسلامية. نعم ان القرن السادس يعتبر ابتداء تاخر، او ابتداء انكماش، او ابتداء جمود بسبب امور اخرى حافة بالفكر وليست راجعة الى ذاته وهي الازمات الاجتماعية والسياسية التي ابرزت القرن السادس في نظر المؤرخين للفكر الان بصورته المشهورة، باعتبار انه قرن التدلي وذلك التدلي الذي كان موجودا بعض الشيء لا محالة، ولكنه كان راجعا الى ما احاط بالفكر الاسلامي من ازمات سياسية واجتماعية، ومن يومئذ بقي الفكر الاسلامي في افق التفكير كمثل النجم الذي يبدو ويختفي كانت معالمه غير واضحة ومناهجه غير مضبوطة. وكل من وجد موضوعا متحدا بين النظريات الاسلامية وبين النظريات الاخرى ظن انه يستطيع ان يحسن الى الاسلام. فلم يدركوا ان للفكرة او لهذه الثقافة ضابطا يعتمد على اصولها الاربعة التي هي الروح والمادة والوضع والحركة.
فروح الفكرة الاسلامية هو النظر ومادتها هي العلوم كلها بقطع النظر عن العلوم الاسلامية الخاصة والعلوم الاسلامية العامة. والوضع الذي يقتضيه هذا المنهج للمادة المختلفة التي يتكون منها جوهر هذا المنهج، وهو الوضع التناسبي الذي يجعل من كل علم من العلوم حقيقة نسبية غير قائمة بذاتها قياما انفصاليا ولكنها مستندة الى غيرها من العلوم، وهي الطريقة التي مزج فيها المنهج الاسلامي بين العلوم الحكمية والعلوم العقلية، والعلوم النقلية، وبين العلوم اللغوية والعلوم الفكرية.
واما الحركة فهي عبارة عن حركة التواصل التي بين العلوم بصورة تجعل كل علم من العلوم يتخذ مقوماته وعوامل نقده الذاتي من اتصاله بالعلوم الاخرى، على معنى من التواصل الملقح المجدد. فاذا كنا بالامس قد نادينا بالفكرة الاسلامية فانما ننادي بالعود الى هذا المنهج الحكمي. وهو المنهج الذي ينبغي ان يراعى دائما في روحه ومادته ووضعه وحركيته. وبذلك نستطيع ان نوقف التفكير الاسلامي في صف المناهج الفكرية العالمية، ليكون قرينا لها وواقفا في صفها لا ان يكون مستعبدا لها، اسيرا لديها.
فان الشخصية الاسلامية اذا لم تبرز ويبرز بها المنهج الاسلامي في المعرفة فانها ستبقى غير متكاملة. واذا بقيت الشخصية غير متكاملة فاننا لا نستطيع ان نبلغ مصاف الغير لان الغير يقف من المشكلات الفكرية موقف المطمئن اعتقادا وفكرا الى صحة تلك المدارك. ونحن ما لم تتكامل شخصيتنا نقف منها موقف المتردد غير المطمئن المفتون الذي لا يمكن ان يبلغ بفتنته النفسية وذبذبته الفكرية مبالغ التفكير التي يبلغ اليها الاخرون.فهذه مشكلتنا التي ليست مشكلة الامس بل وليست مشكلة اليوم ولكنها مشكلة الغد.


يتبع

(إمساكية رمضان 1439 - 2018) هدية الشروق الورقية
16 ماي 2018 السّاعة 12:35
أوقات الإمساك والإفطار بجميع ولايات الجمهورية - (إمساكية 1439 - 2018) هدية الشروق الورقية اليوم الأربعاء 16 ماي 2018...
المزيد >>
أسبـاب النزول
11 ماي 2018 السّاعة 21:00
قال الله تَعَالَى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ...
المزيد >>
خطبة الجمعة ..العبادة سبب وجود الانسان
11 ماي 2018 السّاعة 21:00
العِبَادَةَ هِيَ حَقُّ اللهِ الأَوَّلُ الَّذِي أَنْزَلَ كُتُبَهَ وَأَرْسَلَ رُسُلَهُ لِدَعْوَةِ النَّاسِ...
المزيد >>
تدريب النفس على الطاعات واجب
11 ماي 2018 السّاعة 21:00
جميع الطاعات بمشهد من الخلق ومرأى منهم ولكنّ الصوم لا يراه إلاّ الله عزّ وجلّ ، قال رسول الله صلى الله عليه...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
محاضرات الشيخ محمد الفاضل بن عاشور .. تجديد الفكر الاسلامي (6)
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 03 نوفمبر 2017

كان ابن رشد قد جاء في اخر القرن السادس يحاول تعديل موقف الغزالي وعاد الى ربط الفلسفة اليونانية بالحكمة الاسلامية على طريقة التزم فيها تقريبا الفلسفة الارسطاليسية. ولم يسلك مسالك التوفيق التي سلكها ابن سينا في كتاب «الاشارات» ولكنه بين ان المعاني التي لا تنتظم معها الحقائق الدينية مع نظريات الفلسفة الارسطاليسية فهي اما معان مؤولة واما من المتشابه، بحيث انه لا يمكن ان يعتقد في نظرية من النظريات الاسلامية اذ كانت مخالفة لمنهج من مناهج نظر الفلسفة الارسطاليسية.
وكان يعاصر ابن رشد في الحقبة نفسها الامام فخر الدين الرازي، فكان يسلك طريقة مناهضة لطريقة ابن رشد، اذ يشيد على اساس الاشعري والغزالي ويتناول الفلسفة كلها على منهج اسلامي خاص، على الطريقة التي سلكها الاشعري، ويمزج الكلام بالحكمة كما يعنون على ذلك كتابه الذي سماه «محصل افكار المتقدمين والمتأخرين من الفلاسفة والمتكلمين».
واندفعت طريقة الكلام الجديدة وراء الامام الرازي. وهي الطريقة التي تتناول الفلسفة كلها بمختلف فروعها تناولا اسلاميا او تمزجها بعلم الكلام ولا تعتمد على كتب الفلسفة لتكون مقدمات او اسانيد للمباحث الكلامية. وعلى ذلك درجت سلسلة المتكلمين الذين طبعوا الفلسفة من الذين جاؤوا بعد الامام الرازي امثال الارموي والبيضاوي والعضد وسعد الدين التفتزاني والسيد الشريف الجرجاني الى ابن الهمام والخيالي وعبد الحكيم السلكوتي وهم الذين يعتبرون من القرن السادس حتى القرن الحادي عشر وما بعده اعلام الفكر الاسلامي.
القرن السادس والفكرة الاسلامية
فالقرن السادس الذي يعتبر عند الكثيرين نهاية التفكير الاسلامي او وقوفا او انحطاطا او انحدارا. نحن في نظرنا الى الفكرة الاسلامية في خفائها ومدافعتها في سبيل البروز وما تجد من البروز احيانا وما تجد من الانطفاء تارة اخرى انما نعتبر القرن السادس قرن انتصار الفكرة الاسلامية. نعم ان القرن السادس يعتبر ابتداء تاخر، او ابتداء انكماش، او ابتداء جمود بسبب امور اخرى حافة بالفكر وليست راجعة الى ذاته وهي الازمات الاجتماعية والسياسية التي ابرزت القرن السادس في نظر المؤرخين للفكر الان بصورته المشهورة، باعتبار انه قرن التدلي وذلك التدلي الذي كان موجودا بعض الشيء لا محالة، ولكنه كان راجعا الى ما احاط بالفكر الاسلامي من ازمات سياسية واجتماعية، ومن يومئذ بقي الفكر الاسلامي في افق التفكير كمثل النجم الذي يبدو ويختفي كانت معالمه غير واضحة ومناهجه غير مضبوطة. وكل من وجد موضوعا متحدا بين النظريات الاسلامية وبين النظريات الاخرى ظن انه يستطيع ان يحسن الى الاسلام. فلم يدركوا ان للفكرة او لهذه الثقافة ضابطا يعتمد على اصولها الاربعة التي هي الروح والمادة والوضع والحركة.
فروح الفكرة الاسلامية هو النظر ومادتها هي العلوم كلها بقطع النظر عن العلوم الاسلامية الخاصة والعلوم الاسلامية العامة. والوضع الذي يقتضيه هذا المنهج للمادة المختلفة التي يتكون منها جوهر هذا المنهج، وهو الوضع التناسبي الذي يجعل من كل علم من العلوم حقيقة نسبية غير قائمة بذاتها قياما انفصاليا ولكنها مستندة الى غيرها من العلوم، وهي الطريقة التي مزج فيها المنهج الاسلامي بين العلوم الحكمية والعلوم العقلية، والعلوم النقلية، وبين العلوم اللغوية والعلوم الفكرية.
واما الحركة فهي عبارة عن حركة التواصل التي بين العلوم بصورة تجعل كل علم من العلوم يتخذ مقوماته وعوامل نقده الذاتي من اتصاله بالعلوم الاخرى، على معنى من التواصل الملقح المجدد. فاذا كنا بالامس قد نادينا بالفكرة الاسلامية فانما ننادي بالعود الى هذا المنهج الحكمي. وهو المنهج الذي ينبغي ان يراعى دائما في روحه ومادته ووضعه وحركيته. وبذلك نستطيع ان نوقف التفكير الاسلامي في صف المناهج الفكرية العالمية، ليكون قرينا لها وواقفا في صفها لا ان يكون مستعبدا لها، اسيرا لديها.
فان الشخصية الاسلامية اذا لم تبرز ويبرز بها المنهج الاسلامي في المعرفة فانها ستبقى غير متكاملة. واذا بقيت الشخصية غير متكاملة فاننا لا نستطيع ان نبلغ مصاف الغير لان الغير يقف من المشكلات الفكرية موقف المطمئن اعتقادا وفكرا الى صحة تلك المدارك. ونحن ما لم تتكامل شخصيتنا نقف منها موقف المتردد غير المطمئن المفتون الذي لا يمكن ان يبلغ بفتنته النفسية وذبذبته الفكرية مبالغ التفكير التي يبلغ اليها الاخرون.فهذه مشكلتنا التي ليست مشكلة الامس بل وليست مشكلة اليوم ولكنها مشكلة الغد.


يتبع

(إمساكية رمضان 1439 - 2018) هدية الشروق الورقية
16 ماي 2018 السّاعة 12:35
أوقات الإمساك والإفطار بجميع ولايات الجمهورية - (إمساكية 1439 - 2018) هدية الشروق الورقية اليوم الأربعاء 16 ماي 2018...
المزيد >>
أسبـاب النزول
11 ماي 2018 السّاعة 21:00
قال الله تَعَالَى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ...
المزيد >>
خطبة الجمعة ..العبادة سبب وجود الانسان
11 ماي 2018 السّاعة 21:00
العِبَادَةَ هِيَ حَقُّ اللهِ الأَوَّلُ الَّذِي أَنْزَلَ كُتُبَهَ وَأَرْسَلَ رُسُلَهُ لِدَعْوَةِ النَّاسِ...
المزيد >>
تدريب النفس على الطاعات واجب
11 ماي 2018 السّاعة 21:00
جميع الطاعات بمشهد من الخلق ومرأى منهم ولكنّ الصوم لا يراه إلاّ الله عزّ وجلّ ، قال رسول الله صلى الله عليه...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
خالد الحدّاد
سياسة التشكيك والمغالطات
يُنجز جزء كبير من الحراك السياسي في بلادنا بعيدا عن الشفافيّة المطلوبة وفي إطار صراعات الأهواء والمصالح وحروب التموقع التي لم تتخلّص منها الحياة الوطنية على الرغم من الخطوات...
المزيد >>