من الآخر:1908 / 2011
خالد الحدّاد
سياسة التشكيك والمغالطات
يُنجز جزء كبير من الحراك السياسي في بلادنا بعيدا عن الشفافيّة المطلوبة وفي إطار صراعات الأهواء والمصالح وحروب التموقع التي لم تتخلّص منها الحياة الوطنية على الرغم من الخطوات...
المزيد >>
من الآخر:1908 / 2011
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 03 نوفمبر 2017

يمر اليوم اكثر من قرن على بعث اول قاعة سينما في تونس (L›omnia-Pathe) كانت بمثابة المدخل لتأسيس ثقافة اجتماعية جديدة، تكرس ثقافة المدينة الحديثة التي استقدمها المهاجرون الاوربيون في بدايات القرن التاسع عشر وكانت وراء حدوث نقلة نوعية في ثقافة التونسيين، ولكن هذه الثقافة التي وصفت بالانفتاح والتنوير سرعان ما بدات تتلاشى مع تراجع الحضور الاروبي اوالغربي في تونس بعد الاستقلال وبدء التفكير في تغيير وظيفة اونشاط قاعات السينما والفضاءات الثقافية عموما ومهاجمتها كلما حرصت على تكريس الثقافية التي بعثت من اجلها.
واذا كان عام 1908، تاريخ بعث اول قاعة سينما، قد شهد ميلاد حياة ثقافية جديدة ومستنيرة في تونس، فان عام 2011، ( 26 جوان 2011 ) تاريخ ما يعرف ب» غزوة افريكا « التي قادها السلفيون ضد المبدعين والمثقفين يعد احلك فترة في تاريخ الحياة الثقافية في تونس، نظرا للصدمة الكبيرة التي خلفتها هذه الحادثة الغريبة في نفوس غالبية التونسيين .
يمر اليوم 6 سنوات على هذه الحادثة التي تمثلت كما هو معلوم في مهاجمة السلفيين اوالاسلاميين المتشددين لقاعة سينما « افريكا « بالعاصمة في جوان 2011، ردا على تظاهرة « نحي يديك على مبدعينا « التي نظمتها جمعية «لم الشمل « دفاعا عن حرية التعبير ونصرة للفنانين الذين تعرضوا لشتى المضايقات والاعتداءات الجسدية في ذلك الوقت .. وكانت ردة فعل المتطرفين، اضافة الى مناهضة التظاهرة، على عرض فيلم « لا الله لا سيدي « للمخرجة نادية الفاني بتعلة مجاهرتها بالإلحاد.
ومنذ حادثة «غزوة افريكا « التي تسببت في تهشيم واجهة قاعة السينما ( افريكا ) وتعنيف الفنانين من قبل الغزاة، ظلت القاعة مغلقة الى حين اعلان مدير ايام قرطاج السينمائية نجيب عياد حديثا عن اعادة فتحها بمناسبة انعقاد الدورة 18 من المهرجان وهي مناسبة للتذكير بهذه السحابة السوداء والاحتفال بمرور 6 سنوات على انقشاعها، للاعتبار منها، ومن بقية الحوادث الاخرى السابقة وحتى اللاحقة التي لا تقل مأساوية عن « غزوة افريكا «، اذ يكفي ان نعود الى تاريخ قاعات السينما والحياة الثقافية عموما في تونس الى حدود سبعينيات القرن الماضي لنقف على حجم الدمار الذي لحق هذه الفضاءات والحياة الثقافية منذ ان بدأ التفكير في التضييق على الانشطة الثقافية والسينمائية خصوصا من قبل السلطة في ثمانينيات القرن الماضي والسماح بتغيير نشاط قاعات السينما التي تحولت في اغلبها الى محلات تجارية.
وتفيد مراجع كثيرة ان الحياة الثقافية في تونس، اوعلى الاقل في مدينة تونس خلال النصف الاول من القرن الماضي كانت اكثر حيوية ونشاطا من الوقت الحاضر حتى ان عدد المسارح الموزعة في العاصمة وحدها في ذلك الوقت فاق العشرة ومن أشهرها الى جانب المسرح البلدي، مسرح باراديزو(teatro paradiso) في شارع فرنسا ومسرح روسيني (theatre Rossini) الذي تحول الى قاعة سينما البالاص، ومسرح البالماريوم الذي تحول بدوره الى قاعة سينما اغلقت ابوابها قبل تشييد المركب التجاري الحالي، والمسرح الايطالي (teatro italiano) في نهج تركيا ... وكانت هذه المسارح تقدم شتى انواع العروض الفنية من مسرح وموسيقى ورقص، ثم لحقت بها قاعات السينما التي بلغ عددها الى حدود السبعينيات اكثر من 30 قاعة في العاصمة وحدها وحوالي 120 قاعة في كامل البلاد. وتؤكد عديد المراجع ان الحياة الثقافية في تونس كانت أشبه بالحياة الثقافية بباريس من حيث عدد العروض وتنوعها واقبال الجمهور عليها حتى ان المسرح البلدي تعاقد لفترة طويلة مع أوبرا باريس لتقديم اخر إبداعاتها في تونس .
ما ذا بقي من هذه الثقافة الاجتماعية التي كانت الى وقت غير بعيد وراء ريادة التونسيين في الحداثة والانفتاح ؟
منذ خروج الجاليات الاروبية من تونس خلال ستينيات القرن الماضي، فقدت مدينة تونس وعديد المدن الاخرى اهم محرك ثقافي في البلاد، فتراجعت الانشطة الثقافية وتقلص عدد المسارح وقاعات السينما بحكم تقلص الجمهور الذي كان في اغلبه من الجاليات الاروبية، الإيطالية والمالطية والفرنسية. ورغم هجرة الجاليات الاروبية ظلت الحياة الثقافية في المدن، اوعلى الاقل في مدينة تونس، منتعشة نسبيا بحكم التأثير الكبير الذي خلفه الاوربيون في ثقافة التونسيين، ولكن منذ ثمانينيات القرن الماضي التي شهدت اضطرابات اجتماعية كثيرة بدأت الحياة الثقافية في التراجع بشكل لافت حيث عمدت السلطة خشية تكرر مثل هذه الاضطرابات الى محاصرة الجمعيات الثقافية النشيطة كجامعة نوادي السينما بتهمة النشاط السياسي. كما سعت الى شُل الحركة الثقافية والتضييق على المثقفين والمبدعين وكل نشاط من شانه ان يحمل نفسا معارضا اوحتى نقديا. وبلغ التضييق على الانشطة الثقافية الى درجة تنظيم حملات أمنية عرفت وقتها ب « الرافل « امام مداخل قاعات السينما وهوما جعل الجمهور ينفر هذه القاعات والفضاءات الثقافية عموما ويتجه الى انشطة وفضاءات اخرى استغلتها كما هومعلوم اطراف سياسية ودينية متطرفة قادت في النهاية الى ما نحن عليه اليوم من تشدد ديني وارهاب. وما حادثة « غزوة افريكا « الا نتاج التصحر الثقافي الذي عرفته البلاد خلال فترة النظام السابق والصراع الايديولوجي الذي عقب 14 جانفي 2011 واستغلاله من قبل الاسلاميين لمحو الجانب الحداثي والتنويري في ثقافة التونسيين .
وفي عودة قاعة سينما افريكا للنشاط، انتصار للحياة وتذكير باليوم الأسود الذي كان وراء غلق هذه القاعة، وتذكير كذلك بعراقة السينما في تونس التي عرفت اول قاعة للسينما في 1908 .

كتب محسن عبدالرحمان
أولا وأخيرا:لا حســـــــــاب تحـت التوتــــــة
20 ماي 2018 السّاعة 21:00
بالأمس القريب في ذاك الزمن الجميل رغم الفقر والفاقة والحاجة يوم كانت السعادة تغمرنا لأبسط مكسب ولو كان ثمن...
المزيد >>
إشراقات 2:صورة أخرى
20 ماي 2018 السّاعة 21:00
اقرؤوا معي هذه الفقرة ثمّ سأذكر لكم من أين اخترتها لكم: «أمّا السكن فلم نتمتّع مع الأسف بالسكن الجامعي بل...
المزيد >>
حدث وحديث:«وقتاش اتجي كار الـعشرة ؟»
19 ماي 2018 السّاعة 21:00
على كامل مدى الأسبوع المنقضي ووسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي لا تكفّ تذكر حادثة القطار الياباني الذي...
المزيد >>
ردّ من المدرسة الخاصة على ولاية تونس
19 ماي 2018 السّاعة 21:00
..وبعد ما ورد من توضيحات من ولاية تونس حول الأسباب الحقيقية لعدم منح رخصة لفائدة مدرسة ابتدائية نفيدكم أن...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
من الآخر:1908 / 2011
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 03 نوفمبر 2017

يمر اليوم اكثر من قرن على بعث اول قاعة سينما في تونس (L›omnia-Pathe) كانت بمثابة المدخل لتأسيس ثقافة اجتماعية جديدة، تكرس ثقافة المدينة الحديثة التي استقدمها المهاجرون الاوربيون في بدايات القرن التاسع عشر وكانت وراء حدوث نقلة نوعية في ثقافة التونسيين، ولكن هذه الثقافة التي وصفت بالانفتاح والتنوير سرعان ما بدات تتلاشى مع تراجع الحضور الاروبي اوالغربي في تونس بعد الاستقلال وبدء التفكير في تغيير وظيفة اونشاط قاعات السينما والفضاءات الثقافية عموما ومهاجمتها كلما حرصت على تكريس الثقافية التي بعثت من اجلها.
واذا كان عام 1908، تاريخ بعث اول قاعة سينما، قد شهد ميلاد حياة ثقافية جديدة ومستنيرة في تونس، فان عام 2011، ( 26 جوان 2011 ) تاريخ ما يعرف ب» غزوة افريكا « التي قادها السلفيون ضد المبدعين والمثقفين يعد احلك فترة في تاريخ الحياة الثقافية في تونس، نظرا للصدمة الكبيرة التي خلفتها هذه الحادثة الغريبة في نفوس غالبية التونسيين .
يمر اليوم 6 سنوات على هذه الحادثة التي تمثلت كما هو معلوم في مهاجمة السلفيين اوالاسلاميين المتشددين لقاعة سينما « افريكا « بالعاصمة في جوان 2011، ردا على تظاهرة « نحي يديك على مبدعينا « التي نظمتها جمعية «لم الشمل « دفاعا عن حرية التعبير ونصرة للفنانين الذين تعرضوا لشتى المضايقات والاعتداءات الجسدية في ذلك الوقت .. وكانت ردة فعل المتطرفين، اضافة الى مناهضة التظاهرة، على عرض فيلم « لا الله لا سيدي « للمخرجة نادية الفاني بتعلة مجاهرتها بالإلحاد.
ومنذ حادثة «غزوة افريكا « التي تسببت في تهشيم واجهة قاعة السينما ( افريكا ) وتعنيف الفنانين من قبل الغزاة، ظلت القاعة مغلقة الى حين اعلان مدير ايام قرطاج السينمائية نجيب عياد حديثا عن اعادة فتحها بمناسبة انعقاد الدورة 18 من المهرجان وهي مناسبة للتذكير بهذه السحابة السوداء والاحتفال بمرور 6 سنوات على انقشاعها، للاعتبار منها، ومن بقية الحوادث الاخرى السابقة وحتى اللاحقة التي لا تقل مأساوية عن « غزوة افريكا «، اذ يكفي ان نعود الى تاريخ قاعات السينما والحياة الثقافية عموما في تونس الى حدود سبعينيات القرن الماضي لنقف على حجم الدمار الذي لحق هذه الفضاءات والحياة الثقافية منذ ان بدأ التفكير في التضييق على الانشطة الثقافية والسينمائية خصوصا من قبل السلطة في ثمانينيات القرن الماضي والسماح بتغيير نشاط قاعات السينما التي تحولت في اغلبها الى محلات تجارية.
وتفيد مراجع كثيرة ان الحياة الثقافية في تونس، اوعلى الاقل في مدينة تونس خلال النصف الاول من القرن الماضي كانت اكثر حيوية ونشاطا من الوقت الحاضر حتى ان عدد المسارح الموزعة في العاصمة وحدها في ذلك الوقت فاق العشرة ومن أشهرها الى جانب المسرح البلدي، مسرح باراديزو(teatro paradiso) في شارع فرنسا ومسرح روسيني (theatre Rossini) الذي تحول الى قاعة سينما البالاص، ومسرح البالماريوم الذي تحول بدوره الى قاعة سينما اغلقت ابوابها قبل تشييد المركب التجاري الحالي، والمسرح الايطالي (teatro italiano) في نهج تركيا ... وكانت هذه المسارح تقدم شتى انواع العروض الفنية من مسرح وموسيقى ورقص، ثم لحقت بها قاعات السينما التي بلغ عددها الى حدود السبعينيات اكثر من 30 قاعة في العاصمة وحدها وحوالي 120 قاعة في كامل البلاد. وتؤكد عديد المراجع ان الحياة الثقافية في تونس كانت أشبه بالحياة الثقافية بباريس من حيث عدد العروض وتنوعها واقبال الجمهور عليها حتى ان المسرح البلدي تعاقد لفترة طويلة مع أوبرا باريس لتقديم اخر إبداعاتها في تونس .
ما ذا بقي من هذه الثقافة الاجتماعية التي كانت الى وقت غير بعيد وراء ريادة التونسيين في الحداثة والانفتاح ؟
منذ خروج الجاليات الاروبية من تونس خلال ستينيات القرن الماضي، فقدت مدينة تونس وعديد المدن الاخرى اهم محرك ثقافي في البلاد، فتراجعت الانشطة الثقافية وتقلص عدد المسارح وقاعات السينما بحكم تقلص الجمهور الذي كان في اغلبه من الجاليات الاروبية، الإيطالية والمالطية والفرنسية. ورغم هجرة الجاليات الاروبية ظلت الحياة الثقافية في المدن، اوعلى الاقل في مدينة تونس، منتعشة نسبيا بحكم التأثير الكبير الذي خلفه الاوربيون في ثقافة التونسيين، ولكن منذ ثمانينيات القرن الماضي التي شهدت اضطرابات اجتماعية كثيرة بدأت الحياة الثقافية في التراجع بشكل لافت حيث عمدت السلطة خشية تكرر مثل هذه الاضطرابات الى محاصرة الجمعيات الثقافية النشيطة كجامعة نوادي السينما بتهمة النشاط السياسي. كما سعت الى شُل الحركة الثقافية والتضييق على المثقفين والمبدعين وكل نشاط من شانه ان يحمل نفسا معارضا اوحتى نقديا. وبلغ التضييق على الانشطة الثقافية الى درجة تنظيم حملات أمنية عرفت وقتها ب « الرافل « امام مداخل قاعات السينما وهوما جعل الجمهور ينفر هذه القاعات والفضاءات الثقافية عموما ويتجه الى انشطة وفضاءات اخرى استغلتها كما هومعلوم اطراف سياسية ودينية متطرفة قادت في النهاية الى ما نحن عليه اليوم من تشدد ديني وارهاب. وما حادثة « غزوة افريكا « الا نتاج التصحر الثقافي الذي عرفته البلاد خلال فترة النظام السابق والصراع الايديولوجي الذي عقب 14 جانفي 2011 واستغلاله من قبل الاسلاميين لمحو الجانب الحداثي والتنويري في ثقافة التونسيين .
وفي عودة قاعة سينما افريكا للنشاط، انتصار للحياة وتذكير باليوم الأسود الذي كان وراء غلق هذه القاعة، وتذكير كذلك بعراقة السينما في تونس التي عرفت اول قاعة للسينما في 1908 .

كتب محسن عبدالرحمان
أولا وأخيرا:لا حســـــــــاب تحـت التوتــــــة
20 ماي 2018 السّاعة 21:00
بالأمس القريب في ذاك الزمن الجميل رغم الفقر والفاقة والحاجة يوم كانت السعادة تغمرنا لأبسط مكسب ولو كان ثمن...
المزيد >>
إشراقات 2:صورة أخرى
20 ماي 2018 السّاعة 21:00
اقرؤوا معي هذه الفقرة ثمّ سأذكر لكم من أين اخترتها لكم: «أمّا السكن فلم نتمتّع مع الأسف بالسكن الجامعي بل...
المزيد >>
حدث وحديث:«وقتاش اتجي كار الـعشرة ؟»
19 ماي 2018 السّاعة 21:00
على كامل مدى الأسبوع المنقضي ووسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي لا تكفّ تذكر حادثة القطار الياباني الذي...
المزيد >>
ردّ من المدرسة الخاصة على ولاية تونس
19 ماي 2018 السّاعة 21:00
..وبعد ما ورد من توضيحات من ولاية تونس حول الأسباب الحقيقية لعدم منح رخصة لفائدة مدرسة ابتدائية نفيدكم أن...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
خالد الحدّاد
سياسة التشكيك والمغالطات
يُنجز جزء كبير من الحراك السياسي في بلادنا بعيدا عن الشفافيّة المطلوبة وفي إطار صراعات الأهواء والمصالح وحروب التموقع التي لم تتخلّص منها الحياة الوطنية على الرغم من الخطوات...
المزيد >>