البناءات المدرسية والتصوّر الهندسي المعماري
خالد الحدّاد
سياسة التشكيك والمغالطات
يُنجز جزء كبير من الحراك السياسي في بلادنا بعيدا عن الشفافيّة المطلوبة وفي إطار صراعات الأهواء والمصالح وحروب التموقع التي لم تتخلّص منها الحياة الوطنية على الرغم من الخطوات...
المزيد >>
البناءات المدرسية والتصوّر الهندسي المعماري
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 16 أكتوبر 2017

يتناول هذا المقال أهمية البناءات المدرسية وعلاقتها بالنجاح المدرسي وبالمناخ الدراسي العام وبجودة التواصل وآليات الحوار.
ويبدو أن الإشكال الخطير، الذي يدعو فعلا إلى تعميق النظر في واقع البناءات المدرسية والمعمار العام، هو الاختلاف الواضح والجلي في هندسة البناءات المدرسية وفي أنماط البناء بين مؤسسة وأخرى، مع تثمين مجهود الدولة والمجموعة الوطنية في هذا السياق.
ويتأثر شكل البناءات المدرسية بالمحيط الاجتماعي والاقتصادي للمؤسسة. فنحن نشهد الآن مرحلة تغير وتحوّل كبيرة في علاقة المؤسسة التربوية ببيئتها وبمحيطها إلى جانب التغير الكبير في علاقة البناء المدرسي بالمستويين المعرفي والبيداغوجي. ومن خلال هذين المستويين يمكننا قياس وتقييم خصوصيات المؤسسات التربوية واختلافاتها الجوهرية نتيجة اختلاف البناء وتباين الأشكال الهندسية بينها حتى داخل الجهة الواحدة فضلا عن الاختلاف بين الجهات.
ونعتقد أن المؤسسات التربوية في بلادنا تواجه العديد من التحديات الهندسية مع الإيمان بقدرة أغلبها على تجاوز هذه التحديات.
ويكمن التحدي الأكبر في كون هذه المؤسسات التربوية، ما هي في النهاية إلا فضاءات للتنشئة الاجتماعية. فالعناصر المحددة للجانب المعماري حسب رأي بعض المهندسين المعماريين هي المناخ الذي يسمح بالتعليم في أحسن الظروف. والملاحظ أن المدرسة هي أكثر المؤسسات انتشارا في الفضاء العام الحضري والريفي على السواء.
وعادة ما يتّسم معمار المدارس بالمرونة والانفتاح والانسجام في علاقة بالمحيط الاقتصادي والاجتماعي غير أن هذا الانفتاح لم يكن دائما في صالح المؤسسة التربوية، باعتبار ما تتعرض له المدرسة من اعتداءات واقتحام وتهجم في بعض الأحيان، يجعلها في حاجة إلى المزيد من الأبواب الموصدة والجدران المرتفعة والأسوار المحصنة والنوافذ المحمية حتى لا تطالها أيادي العابثين واللصوص.
وإذا نظرنا إلى تجارب بعض الدول كبلجيكا مثلا، نجد أن أغلب المدارس ليس بها أسوار مرتفعة. وتعتبر الأقسام داخلها مجالات حيوية تنفتح على الحدائق المدرسية وكل مظاهر الجمال في المحيط (أشجار، وجداريات... فليس ثمة قطيعة بين فضاء التعلّم والمجال العام).
أهمية اللجوء إلى مهندسين معماريين
من المعلوم أن جل المؤسسات التربوية التي بنيت في دولة الاستقلال، تمّت بمجهود شعبي. ولم تخضع في الغالب إلى التصميم الهندسي المتناسق. فقد تواصل بناء مثل هذه المؤسسات تحت ضغط الحاجة إلى التعلم فحتى الإضافات وعمليات الترميم التي قامت بها الدولة في ذلك الوقت لم تمس من البناءات القديمة بل أضافت إليها دورات مياه أو بعض الأقسام بطريقة غير متناسقة ولا تنسجم مع خصوصيات المؤسسة التربوية ولا مع أدوارها التربوية والتواصلية. فاللجوء إلى الاستشارات الهندسية وإلى خدمات المهندسين المعماريين، لم يكن يعتبر ضرورة.
لكن، بمرور الوقت وتطور مواد البناء وأنماط البناءات العصرية، نشأ في تونس تفكير عام لبناء المدرسة الجديدة، وفق رؤية هندسية فنية تراعي متطلبات الذوق العام والجمالية. وتولي خاصة أهمية للوظيفة البيداغوجية والتربوية للمدرسة. فهي ذات خصوصية، تختلف عن جميع مؤسسات المجتمع الأخرى من حيث التخطيط والهندسة ونمط البناء ومسالك التحرّك وفضاءات الأنشطة الرياضية والثقافية.
غير أن هذا التطوّر، قد صاحبه في بعض الأحيان استعجال في البناء أو غياب الرؤية والخيال الهندسي مما أفقد بعض المدارس تناسقها وأضعف أدوارها التربوية، نتيجة النقص في بعض المرافق أو عدم تفطن المهندسين المعماريين المشرفين على البناء إلى بعض الجزئيات التي تشكل مسالك حيوية في المؤسسة التربوية (مثلا التغافل عن بناء فضاءات الموارد أو المكتبات المدرسية، أو إهمال "تبليط" الساحات أو سوء اختيار مواقع الأقسام وغيرها من المشكلات، مع الإشارة إلى أن وزارة التربية شرعت في الموسمين الدراسيين 2008ـ2009 و2010-2009 في تهيئة مؤسسات تربوية نموذجية فيها فضاءات الموارد وقاعات المطالعة وقاعات المدرسين وفضاءات الرفاه وذلك بمعدل مؤسستين في كل جهة. وكانت تلك بمثابة التجارب النموذجية من حيث الهندسة المعمارية، والقدرة على تمثل العلاقة مع المحيط الاقتصادي والاجتماعي ومع المناخ العام. وكان من المتوقع أن تتواصل التجربة النموذجية تلك ويتم تعميمها وإضافة الحدائق المدرسية فيها من خلال استثمار الأراضي البيضاء التابعة للمؤسسة، غير أن التجربة المذكورة لم تتواصل لأسباب متعددة. ومن المتوقع أن يتم الانطلاق فيها مجددا بما أن مهندس الفكرة هو نفسه أي وزير التربية الحالي الأستاذ حاتم بن سالم.
خصوصيات المؤسسة التربوية في سياق بيداغوجي عام
إن الهدف العام للبناءات المدرسية يعكس التصور العام لدى المسؤولين وأصحاب القرار عن النتائج المرجوة من صيانة المؤسسات التربوية القائمة وتعهدها بالمتابعة والمراقبة، إلى جانب حسن اختيار النماذج الهندسية الملائمة لخلق ظروف تعلم مناسبة.
ولا بد من الإشارة إلى أن الفضاء التربوي المتناسق ومتقن البناء يحفز التلاميذ ويحثهم على ارتياده ويجعلهم يقبلون على التعلم بأريحية وتلقائية ويحفف من التوتر والاحتقان.
وهي مسائل تجعلنا نشير إلى أن ضرورة تحقيق التوازن بين الأمثلة الهندسية المقترحة من ناحية وبين التدابير العملية والأنشطة التنفيذية من ناحية أخرى أي بين النموذج الهندسي والبناء المدرسي، بما يعني أن البناءات المدرسية هي تخصص نوعي مميز، لا يمكن أن يضطلع بها المقاولون والمهندسون بشكل اعتباطي. بل هي أمور توكل إلى فنيين لديهم من المعرفة بواقع المدرسة ومن الخيال ما يكفي ليجعلهم يقدمون على بناء المدارس والمعاهد. وذلك لتحقيق الحدّ الأقصى من الفعالية الداخلية والخارجية للمؤسسة التربوية ويجعلها مميزة ومحصنة ومنفتحة على محيطها دون أن تكون عرضة للانتهاك والاعتداء والعنف المادي والمعنوي لسهولة اختراقها. والحقيقة أن سهولة اختراق المؤسسات وتنامي مظاهر الاعتداء عليها يعودان في غالب الأحيان إلى خلل في البناء وإلى غياب الرؤية الهندسية الوظيفية. فقد سجل مثلا تعدد حالات الاعتداء على المؤسسات التربوية وتخريبها رقما قياسيا سنة 2012 حيث تجاوزت الخسائر الناتجة عن الإتلاف المتعمد والحرق والتكسير التي طالت المؤسسات التربوية 32 مليارا من المليمات (ما يعادل قيمة 15 مؤسسة تربوية جديدة).
إن تحقيق نقلة نوعية في مستوى البناءات المدرسية، يستدعي مواصلة التخطيط العقلاني الذي بدأت الوزارة إلى جانب استخدام الموارد استخداما رشيدا من أجل إحداث بناءات مدرسية وظيفية في إطار اقتصادي واجتماعي وثقافي يراعي الخصوصيات الحضارية ونمط تحرك السكان المقيمين بجوار المدرسة وسلوكهم وطريقة تفكيرهم ونمط عيشهم.
إن هذا التوجه يقتضي حسن اختيار المهندسين المعماريين. ولم لا المساهمة قبل تخرج هؤلاء المهندسين في تدريبهم بيداغوجيا على فهم خصوصيات المؤسسات التربوية وأنماط عملها؟ وهي أنماط تتطور بشكل متواصل ولا يمكن إدراكها أو تتبعها من غير التخطيط الواعي والفعال.
وإذا أخذنا في اعتبارنا الأهداف العامة للتربية في تونس التي تعنى بالإنسان والمحيط الاجتماعي الذي يعيش فيه ويتفاعل معه، فإن البناءات المدرسية تكون حينئذ مجالات حيوية ذات أبعاد ثقافية وقيمية وتواصلية وتربوية وتعليمية وليس مجرد مواد بناء واسمنت وآجر وحديد. فهي بناءات تحترم كيان الفرد وكرامته وحقوقه في الحركة واللعب والتعلم والتواصل دون حواجز أو معوقات.
ومن المعلوم أن التخطيط لإقامة المؤسسات التربوية يراعي فضلا عن العوامل المذكورة آنفا، الجوانب الديمغرافية والسكانية من حيث العدد والكثافة إلى جانب المسألة الثقافية. وهذا يعني كذلك الالتزام بعدم تغليب البناء تحت ضغط الاستعجال أو مطالب السكان.
وبما أن هندسة المدارس، لا تتم دون الأخذ بعين الاعتبار الجوانب الهندسية للفضاءات العمومية والخاصة الأخرى فإن التنسيق مع باقي الهياكل والمؤسسات يبدو ضروريا للمحافظة على حرمة المؤسسات التربوية واستقلاليتها وموقعها في علاقة بالتوسع الحضري وتتالي أنماط البناءات الفوضوية في جوار المؤسسة التربوية.
وما يهمنا في هذا الحيز هو إبراز أهمية البناءات المدرسية والقيمة الرمزية للهندسة المعمارية ذات الصلة. فهي ليست جامدة أو ثابتة. بل هي متحركة وديناميكية، وتمكننا من مقاربة شاملة لعديد المفاهيم كالعنف المدرسي والتواصل وغيرها من المفاهيم مع التأكيد على أهمية العمل المتوقع في إطار المستجدات التي شهدتها وزارة التربية مؤخرا.وهي مستجدات من شأنها أن تساعد على إضفاء المزيد من العمق والدقة في اختيار التصاميم الهندسية الملائمة للبناءات المدرسية واقتراح الحلول للمشاكل الموجودة داخل بعض المؤسسات من حيث البنية التحتية والأنماط الهندسية القائمة.

بقلم: منذر عافي ـ باحث جامعي
مقترح مبادرة وطنية موجهة إلى الأغلبية الوطنية المنحازة لقضية فلسطين
19 ماي 2018 السّاعة 17:30
الشروق اون لاين – محمد الطاهر: كتب الاستاذ الجامعة التونسية والمنسق العلمي لشبكة باب المغاربة للدراسات...
المزيد >>
المدرسة والبلدية :علاقات استراتيجية أهملتها البرامج الانتخابية
14 ماي 2018 السّاعة 21:00
تتجه الأنظار في تونس الى الانتخابات البلدية القادمة التي تحظى باهتمام واسع من مختلف الشرائح الاجتماعية ومن...
المزيد >>
ما أشبـه اليــوم بالبارحـــة
14 ماي 2018 السّاعة 21:00
والتاريخ يعيد نفسه أو نستنطقونه أحيانا وهو صورة طبق الأصل من الماضي السحيق الضارب في القدم ويتشابه في...
المزيد >>
حربوشـــة ثقيلــــة الــوزن معبــــــرة ومدوية وصريحة
14 ماي 2018 السّاعة 21:00
شعبنا الأبي الوفي الذكي المسالم الواعي والمثقف وصاحب المواعيد الحاسمة بعد أن جرب وأعطى الفرصة لمدة 4 أعوام...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
البناءات المدرسية والتصوّر الهندسي المعماري
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 16 أكتوبر 2017

يتناول هذا المقال أهمية البناءات المدرسية وعلاقتها بالنجاح المدرسي وبالمناخ الدراسي العام وبجودة التواصل وآليات الحوار.
ويبدو أن الإشكال الخطير، الذي يدعو فعلا إلى تعميق النظر في واقع البناءات المدرسية والمعمار العام، هو الاختلاف الواضح والجلي في هندسة البناءات المدرسية وفي أنماط البناء بين مؤسسة وأخرى، مع تثمين مجهود الدولة والمجموعة الوطنية في هذا السياق.
ويتأثر شكل البناءات المدرسية بالمحيط الاجتماعي والاقتصادي للمؤسسة. فنحن نشهد الآن مرحلة تغير وتحوّل كبيرة في علاقة المؤسسة التربوية ببيئتها وبمحيطها إلى جانب التغير الكبير في علاقة البناء المدرسي بالمستويين المعرفي والبيداغوجي. ومن خلال هذين المستويين يمكننا قياس وتقييم خصوصيات المؤسسات التربوية واختلافاتها الجوهرية نتيجة اختلاف البناء وتباين الأشكال الهندسية بينها حتى داخل الجهة الواحدة فضلا عن الاختلاف بين الجهات.
ونعتقد أن المؤسسات التربوية في بلادنا تواجه العديد من التحديات الهندسية مع الإيمان بقدرة أغلبها على تجاوز هذه التحديات.
ويكمن التحدي الأكبر في كون هذه المؤسسات التربوية، ما هي في النهاية إلا فضاءات للتنشئة الاجتماعية. فالعناصر المحددة للجانب المعماري حسب رأي بعض المهندسين المعماريين هي المناخ الذي يسمح بالتعليم في أحسن الظروف. والملاحظ أن المدرسة هي أكثر المؤسسات انتشارا في الفضاء العام الحضري والريفي على السواء.
وعادة ما يتّسم معمار المدارس بالمرونة والانفتاح والانسجام في علاقة بالمحيط الاقتصادي والاجتماعي غير أن هذا الانفتاح لم يكن دائما في صالح المؤسسة التربوية، باعتبار ما تتعرض له المدرسة من اعتداءات واقتحام وتهجم في بعض الأحيان، يجعلها في حاجة إلى المزيد من الأبواب الموصدة والجدران المرتفعة والأسوار المحصنة والنوافذ المحمية حتى لا تطالها أيادي العابثين واللصوص.
وإذا نظرنا إلى تجارب بعض الدول كبلجيكا مثلا، نجد أن أغلب المدارس ليس بها أسوار مرتفعة. وتعتبر الأقسام داخلها مجالات حيوية تنفتح على الحدائق المدرسية وكل مظاهر الجمال في المحيط (أشجار، وجداريات... فليس ثمة قطيعة بين فضاء التعلّم والمجال العام).
أهمية اللجوء إلى مهندسين معماريين
من المعلوم أن جل المؤسسات التربوية التي بنيت في دولة الاستقلال، تمّت بمجهود شعبي. ولم تخضع في الغالب إلى التصميم الهندسي المتناسق. فقد تواصل بناء مثل هذه المؤسسات تحت ضغط الحاجة إلى التعلم فحتى الإضافات وعمليات الترميم التي قامت بها الدولة في ذلك الوقت لم تمس من البناءات القديمة بل أضافت إليها دورات مياه أو بعض الأقسام بطريقة غير متناسقة ولا تنسجم مع خصوصيات المؤسسة التربوية ولا مع أدوارها التربوية والتواصلية. فاللجوء إلى الاستشارات الهندسية وإلى خدمات المهندسين المعماريين، لم يكن يعتبر ضرورة.
لكن، بمرور الوقت وتطور مواد البناء وأنماط البناءات العصرية، نشأ في تونس تفكير عام لبناء المدرسة الجديدة، وفق رؤية هندسية فنية تراعي متطلبات الذوق العام والجمالية. وتولي خاصة أهمية للوظيفة البيداغوجية والتربوية للمدرسة. فهي ذات خصوصية، تختلف عن جميع مؤسسات المجتمع الأخرى من حيث التخطيط والهندسة ونمط البناء ومسالك التحرّك وفضاءات الأنشطة الرياضية والثقافية.
غير أن هذا التطوّر، قد صاحبه في بعض الأحيان استعجال في البناء أو غياب الرؤية والخيال الهندسي مما أفقد بعض المدارس تناسقها وأضعف أدوارها التربوية، نتيجة النقص في بعض المرافق أو عدم تفطن المهندسين المعماريين المشرفين على البناء إلى بعض الجزئيات التي تشكل مسالك حيوية في المؤسسة التربوية (مثلا التغافل عن بناء فضاءات الموارد أو المكتبات المدرسية، أو إهمال "تبليط" الساحات أو سوء اختيار مواقع الأقسام وغيرها من المشكلات، مع الإشارة إلى أن وزارة التربية شرعت في الموسمين الدراسيين 2008ـ2009 و2010-2009 في تهيئة مؤسسات تربوية نموذجية فيها فضاءات الموارد وقاعات المطالعة وقاعات المدرسين وفضاءات الرفاه وذلك بمعدل مؤسستين في كل جهة. وكانت تلك بمثابة التجارب النموذجية من حيث الهندسة المعمارية، والقدرة على تمثل العلاقة مع المحيط الاقتصادي والاجتماعي ومع المناخ العام. وكان من المتوقع أن تتواصل التجربة النموذجية تلك ويتم تعميمها وإضافة الحدائق المدرسية فيها من خلال استثمار الأراضي البيضاء التابعة للمؤسسة، غير أن التجربة المذكورة لم تتواصل لأسباب متعددة. ومن المتوقع أن يتم الانطلاق فيها مجددا بما أن مهندس الفكرة هو نفسه أي وزير التربية الحالي الأستاذ حاتم بن سالم.
خصوصيات المؤسسة التربوية في سياق بيداغوجي عام
إن الهدف العام للبناءات المدرسية يعكس التصور العام لدى المسؤولين وأصحاب القرار عن النتائج المرجوة من صيانة المؤسسات التربوية القائمة وتعهدها بالمتابعة والمراقبة، إلى جانب حسن اختيار النماذج الهندسية الملائمة لخلق ظروف تعلم مناسبة.
ولا بد من الإشارة إلى أن الفضاء التربوي المتناسق ومتقن البناء يحفز التلاميذ ويحثهم على ارتياده ويجعلهم يقبلون على التعلم بأريحية وتلقائية ويحفف من التوتر والاحتقان.
وهي مسائل تجعلنا نشير إلى أن ضرورة تحقيق التوازن بين الأمثلة الهندسية المقترحة من ناحية وبين التدابير العملية والأنشطة التنفيذية من ناحية أخرى أي بين النموذج الهندسي والبناء المدرسي، بما يعني أن البناءات المدرسية هي تخصص نوعي مميز، لا يمكن أن يضطلع بها المقاولون والمهندسون بشكل اعتباطي. بل هي أمور توكل إلى فنيين لديهم من المعرفة بواقع المدرسة ومن الخيال ما يكفي ليجعلهم يقدمون على بناء المدارس والمعاهد. وذلك لتحقيق الحدّ الأقصى من الفعالية الداخلية والخارجية للمؤسسة التربوية ويجعلها مميزة ومحصنة ومنفتحة على محيطها دون أن تكون عرضة للانتهاك والاعتداء والعنف المادي والمعنوي لسهولة اختراقها. والحقيقة أن سهولة اختراق المؤسسات وتنامي مظاهر الاعتداء عليها يعودان في غالب الأحيان إلى خلل في البناء وإلى غياب الرؤية الهندسية الوظيفية. فقد سجل مثلا تعدد حالات الاعتداء على المؤسسات التربوية وتخريبها رقما قياسيا سنة 2012 حيث تجاوزت الخسائر الناتجة عن الإتلاف المتعمد والحرق والتكسير التي طالت المؤسسات التربوية 32 مليارا من المليمات (ما يعادل قيمة 15 مؤسسة تربوية جديدة).
إن تحقيق نقلة نوعية في مستوى البناءات المدرسية، يستدعي مواصلة التخطيط العقلاني الذي بدأت الوزارة إلى جانب استخدام الموارد استخداما رشيدا من أجل إحداث بناءات مدرسية وظيفية في إطار اقتصادي واجتماعي وثقافي يراعي الخصوصيات الحضارية ونمط تحرك السكان المقيمين بجوار المدرسة وسلوكهم وطريقة تفكيرهم ونمط عيشهم.
إن هذا التوجه يقتضي حسن اختيار المهندسين المعماريين. ولم لا المساهمة قبل تخرج هؤلاء المهندسين في تدريبهم بيداغوجيا على فهم خصوصيات المؤسسات التربوية وأنماط عملها؟ وهي أنماط تتطور بشكل متواصل ولا يمكن إدراكها أو تتبعها من غير التخطيط الواعي والفعال.
وإذا أخذنا في اعتبارنا الأهداف العامة للتربية في تونس التي تعنى بالإنسان والمحيط الاجتماعي الذي يعيش فيه ويتفاعل معه، فإن البناءات المدرسية تكون حينئذ مجالات حيوية ذات أبعاد ثقافية وقيمية وتواصلية وتربوية وتعليمية وليس مجرد مواد بناء واسمنت وآجر وحديد. فهي بناءات تحترم كيان الفرد وكرامته وحقوقه في الحركة واللعب والتعلم والتواصل دون حواجز أو معوقات.
ومن المعلوم أن التخطيط لإقامة المؤسسات التربوية يراعي فضلا عن العوامل المذكورة آنفا، الجوانب الديمغرافية والسكانية من حيث العدد والكثافة إلى جانب المسألة الثقافية. وهذا يعني كذلك الالتزام بعدم تغليب البناء تحت ضغط الاستعجال أو مطالب السكان.
وبما أن هندسة المدارس، لا تتم دون الأخذ بعين الاعتبار الجوانب الهندسية للفضاءات العمومية والخاصة الأخرى فإن التنسيق مع باقي الهياكل والمؤسسات يبدو ضروريا للمحافظة على حرمة المؤسسات التربوية واستقلاليتها وموقعها في علاقة بالتوسع الحضري وتتالي أنماط البناءات الفوضوية في جوار المؤسسة التربوية.
وما يهمنا في هذا الحيز هو إبراز أهمية البناءات المدرسية والقيمة الرمزية للهندسة المعمارية ذات الصلة. فهي ليست جامدة أو ثابتة. بل هي متحركة وديناميكية، وتمكننا من مقاربة شاملة لعديد المفاهيم كالعنف المدرسي والتواصل وغيرها من المفاهيم مع التأكيد على أهمية العمل المتوقع في إطار المستجدات التي شهدتها وزارة التربية مؤخرا.وهي مستجدات من شأنها أن تساعد على إضفاء المزيد من العمق والدقة في اختيار التصاميم الهندسية الملائمة للبناءات المدرسية واقتراح الحلول للمشاكل الموجودة داخل بعض المؤسسات من حيث البنية التحتية والأنماط الهندسية القائمة.

بقلم: منذر عافي ـ باحث جامعي
مقترح مبادرة وطنية موجهة إلى الأغلبية الوطنية المنحازة لقضية فلسطين
19 ماي 2018 السّاعة 17:30
الشروق اون لاين – محمد الطاهر: كتب الاستاذ الجامعة التونسية والمنسق العلمي لشبكة باب المغاربة للدراسات...
المزيد >>
المدرسة والبلدية :علاقات استراتيجية أهملتها البرامج الانتخابية
14 ماي 2018 السّاعة 21:00
تتجه الأنظار في تونس الى الانتخابات البلدية القادمة التي تحظى باهتمام واسع من مختلف الشرائح الاجتماعية ومن...
المزيد >>
ما أشبـه اليــوم بالبارحـــة
14 ماي 2018 السّاعة 21:00
والتاريخ يعيد نفسه أو نستنطقونه أحيانا وهو صورة طبق الأصل من الماضي السحيق الضارب في القدم ويتشابه في...
المزيد >>
حربوشـــة ثقيلــــة الــوزن معبــــــرة ومدوية وصريحة
14 ماي 2018 السّاعة 21:00
شعبنا الأبي الوفي الذكي المسالم الواعي والمثقف وصاحب المواعيد الحاسمة بعد أن جرب وأعطى الفرصة لمدة 4 أعوام...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
خالد الحدّاد
سياسة التشكيك والمغالطات
يُنجز جزء كبير من الحراك السياسي في بلادنا بعيدا عن الشفافيّة المطلوبة وفي إطار صراعات الأهواء والمصالح وحروب التموقع التي لم تتخلّص منها الحياة الوطنية على الرغم من الخطوات...
المزيد >>