في استمراريّة الحاجة إلى التوافق
خالد الحدّاد
سياسة التشكيك والمغالطات
يُنجز جزء كبير من الحراك السياسي في بلادنا بعيدا عن الشفافيّة المطلوبة وفي إطار صراعات الأهواء والمصالح وحروب التموقع التي لم تتخلّص منها الحياة الوطنية على الرغم من الخطوات...
المزيد >>
في استمراريّة الحاجة إلى التوافق
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 10 سبتمبر 2017

لا يُخفي كثيرون توجسّهم الدائم من تجربة التوافق بل يعمدُ البعض من هؤلاء إلى مهاجمة هذا التوافق والاصداع علنا برغبتهم في انهياره وانفضاض أطرافه. لكن هل هناك بديل آخر عن مسارات التوافق المختلفة التي عاشتها بلادنا منذ سقوط النظام السابق والمرحلة الانتقاليّة التأسيسيّة؟، وهل لم تعد البلاد فعلا في حاجة الى أيّ توافق؟.
إنّ من أبرز ما أنتجته التجربة التونسيّة في الانتقال الديمقراطي «فكرة التوافق». وعلى الرغم من أنّ تلك الفكرة ما تزال تلقى أصداء إيجابيّة في الخارج لدى الكثير من الأصدقاء وفِي الأوساط الدوليّة الرسميّة وغير الرسميّة، فهي لا تزال محلّ شدّ وجذب داخليًّا بين متمسّك بها وبين داعٍ الى موتها.
هناك أخطاء كثيرة في تقييم بعض الاطراف لمُدخلات التوافق ومُخرجاته. فكثيرون يحصرون التوافق في ما بين الشيخين، أي السبسي والغنوشي، وما بين الحزبين الأغلبيين، اي النهضة والنداء. وهذا خطأ يدفع إلى فقدان البوصلة الصحيحة في ترتيب الأولويّات السياسيّة والحزبيّة والانتخابيّة أيضا. فتجربة التوافق، وان كانت درجة الاستفادة منها متفاوتة بين طرف وآخر. فهي تجربة أوسع من الشيخين والحزبين. وكذا كانت في منطلقها.
لم يكن التوافق في بدايته سوى استجابة مفروضة لواقع عصي وصعب أوشك أن يدفع البلاد إلى تفكُّك وانهيار واحتراب أهلي. ولا أحد يمكنه اليوم أن يستحضر المشهد الوطني صائفة 2013 دون أن يستحضر لزوما حالة الاختناق السياسي والاجتماعي والاقتصادي وتعطّل الكثير من مظاهر الحياة العادية والتزايد المرعب للمخاوف والمخاطر المحدقة بالدولة حينها، حتّى جاء لقاء باريس الشهير في 11 أوت ليرسم ملامح تسوية سياسيّة بين ممثلين بارزين عن طرفي الصراع على السلطة، تسوية أشرف مسار الحوار الوطني على تنزيلها على أرض الواقع لتحقيق انسيابية في مسار الانتقال الديمقراطي نحو إنهاء المرحلة التأسيسيّة ونقل البلاد الى أفق الحكم الدائم والمستقر ومنظومة الانتخابات العامّة والتداول السلمي على السلطة.
وكان التوافق عنوان التنازلات المتبادلة والترفّق بأوضاع البلاد والنأي بها عن جميع أنواع الصدام واستبدال القطيعة بالتواصل والحوار والتقدّم بالمسار الديمقراطي خطوات هامّة عوض تشريع الأبواب نحو الفوضى أو الأفق المجهول. وهو ما نجح فيه رباعي الحوار الوطني وتحديدا الاتحاد العام التونسي للشغل ممثلا حينها في أمينه العام الحسين العباسي.
عمليًّا استفادت كلّ الاحزاب والطبقة السياسيّة على اختلاف ألوانها من مسار التوافق الذي رعاه الرباعي.فقد ضمن تفاهمات كبرى حول مضامين الدستور والهيئات المستقلّة، وعلى رأسها الهيئة العليا المستقلّة للانتخابات. وأتاح الفرصة من ثمّ للمنافسة الانتخابيّة التاريخية التي شهدتها البلاد سنة 2014 والتي شارك فيها جميع الطيف السياسي والحزبي دون إقصاء أو استثناء.
لاحقا، كانت الحياة الوطنيّة في حاجة الى توافق جديد أطلقه الشيخان بحكمة كبيرة لخفض توتّرات الحملات الانتخابيّة وتفادي الانقسام المجتمعي الذي عملت عدّة أطراف على تغذيته وتقريب وجهات النظر حول الاستحقاقات العاجلة ولبناء أولى مؤسّسات الحكم الدائم والمستقر، في تعايش بين الحزبين الأغلبيين وفِي توليفة وسَّعت ذلك التعايُش ليشمل المنظمات الوطنية وعددا من الاحزاب في ما بات يُعرف بتفاهمات وثيقة قرطاج والتي تعدّ حكومة الشاهد الثانية أحد مُنتجاتها.
ولكن هل نحن اليوم أصبحنا في غير حاجة إلى محطة وطنيّة توافقيّة جديدة؟. بالنظر الى السياق الوطني العام، التوافق سيكون مرّة أخرى مفروضا وملزما لكلّ الاطراف المتمسكة بالإصلاح ومواصلة إنجاح المسار الديمقراطي وحماية مؤسّسات الدولة من كل المخاطر.
رهانات البلاد الكبرى تجعلُ من توافق الشيخين والحزبين هشّا في حاجة عاجلة الى توافق يُشارك فيه الجميع، بالرأي وبالمنفعة والاستفادة السياسيّة والحزبيّة ايضا. وهناك على الأقل محوران هامّان سيقتضيان إدارة حوار وطني شامل وجامع. أوّلهما الانتخابات البلديّة، التي بات من الصعب تنظيمها في موعدها المحدد سابقا أي 17 ديسمبر 2017. وثانيهما ملف الإصلاحات الكبرى التي بات الشروع فيها أكثر من ضروري لوقف انهيار الموازنات المالية للدولة والتراجع الاقتصادي المتواصل.

خالد الحدّاد
سياسة التشكيك والمغالطات
20 ماي 2018 السّاعة 21:00
يُنجز جزء كبير من الحراك السياسي في بلادنا بعيدا عن الشفافيّة المطلوبة وفي إطار صراعات الأهواء والمصالح...
المزيد >>
رمضـــان... والأسعــار
19 ماي 2018 السّاعة 21:00
في تونس عادة ما يكون شهر رمضان اختبارا حقيقيا للحكومة في مجال التحكم في الأسعار ... منذ سنوات الأسعار في تونس...
المزيد >>
القدس...و دموع التماسيح
18 ماي 2018 السّاعة 21:00
المواقف والتصريحات التي أطلقها الرئيس التركي رجب طيب اردوغان من نقل سفارة أمريكا الى القدس و رغم «الحماسة»...
المزيد >>
شهر الرحمة... وجنون الأسعار !
17 ماي 2018 السّاعة 21:00
يحتفل التونسيون بداية من اليوم بشهر الرحمة رمضان الكريم وسط مشاعر فيها الكثير من الأمل والخوف من المستقبل ،...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
في استمراريّة الحاجة إلى التوافق
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 10 سبتمبر 2017

لا يُخفي كثيرون توجسّهم الدائم من تجربة التوافق بل يعمدُ البعض من هؤلاء إلى مهاجمة هذا التوافق والاصداع علنا برغبتهم في انهياره وانفضاض أطرافه. لكن هل هناك بديل آخر عن مسارات التوافق المختلفة التي عاشتها بلادنا منذ سقوط النظام السابق والمرحلة الانتقاليّة التأسيسيّة؟، وهل لم تعد البلاد فعلا في حاجة الى أيّ توافق؟.
إنّ من أبرز ما أنتجته التجربة التونسيّة في الانتقال الديمقراطي «فكرة التوافق». وعلى الرغم من أنّ تلك الفكرة ما تزال تلقى أصداء إيجابيّة في الخارج لدى الكثير من الأصدقاء وفِي الأوساط الدوليّة الرسميّة وغير الرسميّة، فهي لا تزال محلّ شدّ وجذب داخليًّا بين متمسّك بها وبين داعٍ الى موتها.
هناك أخطاء كثيرة في تقييم بعض الاطراف لمُدخلات التوافق ومُخرجاته. فكثيرون يحصرون التوافق في ما بين الشيخين، أي السبسي والغنوشي، وما بين الحزبين الأغلبيين، اي النهضة والنداء. وهذا خطأ يدفع إلى فقدان البوصلة الصحيحة في ترتيب الأولويّات السياسيّة والحزبيّة والانتخابيّة أيضا. فتجربة التوافق، وان كانت درجة الاستفادة منها متفاوتة بين طرف وآخر. فهي تجربة أوسع من الشيخين والحزبين. وكذا كانت في منطلقها.
لم يكن التوافق في بدايته سوى استجابة مفروضة لواقع عصي وصعب أوشك أن يدفع البلاد إلى تفكُّك وانهيار واحتراب أهلي. ولا أحد يمكنه اليوم أن يستحضر المشهد الوطني صائفة 2013 دون أن يستحضر لزوما حالة الاختناق السياسي والاجتماعي والاقتصادي وتعطّل الكثير من مظاهر الحياة العادية والتزايد المرعب للمخاوف والمخاطر المحدقة بالدولة حينها، حتّى جاء لقاء باريس الشهير في 11 أوت ليرسم ملامح تسوية سياسيّة بين ممثلين بارزين عن طرفي الصراع على السلطة، تسوية أشرف مسار الحوار الوطني على تنزيلها على أرض الواقع لتحقيق انسيابية في مسار الانتقال الديمقراطي نحو إنهاء المرحلة التأسيسيّة ونقل البلاد الى أفق الحكم الدائم والمستقر ومنظومة الانتخابات العامّة والتداول السلمي على السلطة.
وكان التوافق عنوان التنازلات المتبادلة والترفّق بأوضاع البلاد والنأي بها عن جميع أنواع الصدام واستبدال القطيعة بالتواصل والحوار والتقدّم بالمسار الديمقراطي خطوات هامّة عوض تشريع الأبواب نحو الفوضى أو الأفق المجهول. وهو ما نجح فيه رباعي الحوار الوطني وتحديدا الاتحاد العام التونسي للشغل ممثلا حينها في أمينه العام الحسين العباسي.
عمليًّا استفادت كلّ الاحزاب والطبقة السياسيّة على اختلاف ألوانها من مسار التوافق الذي رعاه الرباعي.فقد ضمن تفاهمات كبرى حول مضامين الدستور والهيئات المستقلّة، وعلى رأسها الهيئة العليا المستقلّة للانتخابات. وأتاح الفرصة من ثمّ للمنافسة الانتخابيّة التاريخية التي شهدتها البلاد سنة 2014 والتي شارك فيها جميع الطيف السياسي والحزبي دون إقصاء أو استثناء.
لاحقا، كانت الحياة الوطنيّة في حاجة الى توافق جديد أطلقه الشيخان بحكمة كبيرة لخفض توتّرات الحملات الانتخابيّة وتفادي الانقسام المجتمعي الذي عملت عدّة أطراف على تغذيته وتقريب وجهات النظر حول الاستحقاقات العاجلة ولبناء أولى مؤسّسات الحكم الدائم والمستقر، في تعايش بين الحزبين الأغلبيين وفِي توليفة وسَّعت ذلك التعايُش ليشمل المنظمات الوطنية وعددا من الاحزاب في ما بات يُعرف بتفاهمات وثيقة قرطاج والتي تعدّ حكومة الشاهد الثانية أحد مُنتجاتها.
ولكن هل نحن اليوم أصبحنا في غير حاجة إلى محطة وطنيّة توافقيّة جديدة؟. بالنظر الى السياق الوطني العام، التوافق سيكون مرّة أخرى مفروضا وملزما لكلّ الاطراف المتمسكة بالإصلاح ومواصلة إنجاح المسار الديمقراطي وحماية مؤسّسات الدولة من كل المخاطر.
رهانات البلاد الكبرى تجعلُ من توافق الشيخين والحزبين هشّا في حاجة عاجلة الى توافق يُشارك فيه الجميع، بالرأي وبالمنفعة والاستفادة السياسيّة والحزبيّة ايضا. وهناك على الأقل محوران هامّان سيقتضيان إدارة حوار وطني شامل وجامع. أوّلهما الانتخابات البلديّة، التي بات من الصعب تنظيمها في موعدها المحدد سابقا أي 17 ديسمبر 2017. وثانيهما ملف الإصلاحات الكبرى التي بات الشروع فيها أكثر من ضروري لوقف انهيار الموازنات المالية للدولة والتراجع الاقتصادي المتواصل.

خالد الحدّاد
سياسة التشكيك والمغالطات
20 ماي 2018 السّاعة 21:00
يُنجز جزء كبير من الحراك السياسي في بلادنا بعيدا عن الشفافيّة المطلوبة وفي إطار صراعات الأهواء والمصالح...
المزيد >>
رمضـــان... والأسعــار
19 ماي 2018 السّاعة 21:00
في تونس عادة ما يكون شهر رمضان اختبارا حقيقيا للحكومة في مجال التحكم في الأسعار ... منذ سنوات الأسعار في تونس...
المزيد >>
القدس...و دموع التماسيح
18 ماي 2018 السّاعة 21:00
المواقف والتصريحات التي أطلقها الرئيس التركي رجب طيب اردوغان من نقل سفارة أمريكا الى القدس و رغم «الحماسة»...
المزيد >>
شهر الرحمة... وجنون الأسعار !
17 ماي 2018 السّاعة 21:00
يحتفل التونسيون بداية من اليوم بشهر الرحمة رمضان الكريم وسط مشاعر فيها الكثير من الأمل والخوف من المستقبل ،...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
خالد الحدّاد
سياسة التشكيك والمغالطات
يُنجز جزء كبير من الحراك السياسي في بلادنا بعيدا عن الشفافيّة المطلوبة وفي إطار صراعات الأهواء والمصالح وحروب التموقع التي لم تتخلّص منها الحياة الوطنية على الرغم من الخطوات...
المزيد >>