تزداد أعدادها وتغيب نجاعتها:لجان التحقيق البرلمانية... عبث تشريعي وتعويم للحقيقة
خالد الحدّاد
سياسة التشكيك والمغالطات
يُنجز جزء كبير من الحراك السياسي في بلادنا بعيدا عن الشفافيّة المطلوبة وفي إطار صراعات الأهواء والمصالح وحروب التموقع التي لم تتخلّص منها الحياة الوطنية على الرغم من الخطوات...
المزيد >>
تزداد أعدادها وتغيب نجاعتها:لجان التحقيق البرلمانية... عبث تشريعي وتعويم للحقيقة
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 15 جويلية 2017

تونس(الشروق) ـ
من لجنة التحقيق في أحداث 9 أفريل الى لجنة التحقيق في شبكات التسفير كان الفشل عنوان ناظم، فشل بات ينسحب على كل لجان التحقيق البرلمانية قيد التشكل والمحتمل تشكيلها مستقبلا طالما وأن «العبث التشريعي» سيد الموقف.
وضمن تفعيل الرقابة على الاجهزة التنفيذية في الدولة تتنزل فكرة انشاء لجان التحقيق البرلمانية كاجراء محمود يستمد منه البرلمان سلطته الأصلية في اعمال بحث وتقصي ذات صبغة ادارية تساهم في كشف حقيقة موضوع له علاقة بالشأن الوطني، غير أن التشخيص الموضوعي للتجربة في تونس الانتقال الديمقراطي تقر بالفشل والتعثر حتى بات عدد لجان التحقيق البرلمانية في تزايد دون تحقيق اي هدف من الاهداف التي انشأت من اجلها.
وليس من التشاؤم أو التجني الحكم بالفشل الذريع للجان التحقيق البرلمانية ماتشكل منها وما سيتشكل،فالامثلة عديدة من لجنة التحقيق في الاعتداءات الحاصلة يوم 9 افريل 2012 مرورا بلجنة التحقيق في مايعرف بوثائق بانما وملف التهرب الضريبي وصولا الى انغماس لجنة التحقيق في شبكات التسفير في الشكليات لم يقدم جميعها الامل في ترقب كشف لحقيقة فكل ما سيتشكل من لجان محمول عليه وزر الفشل المسبق كلجنة التحقيق في احداث تطاوين التي اعتمدها مؤخرا البرلمان، أو المقترح الذي تقدمت به المعارضة في استعمال حقها الدستوري تشكيل لجنة تحقيق في قانونية شركة التأمينات ستار والذي عاينه مكتب البرلمان أول أمس في نهاية الدورة البرلمانية الحالية وذلك على اعتبار وجود خلل مشترك يحويها جميعا يتعلق بغياب الاطار التشريعي الذي تزيد طينته بلة تضارب المصالح السياسية وفقدان الخبرة احيانا.
فلا يمكن للعاقل ادراك وصول لجنة تحقيق برلمانية الى جزء ضئيل من الحقيقة بشاكلتها الوهنة التي تفتقر فيها لاي دعم لوجيستي وأي قانون منظم لصلاحياتها وانشطتها ومجال عملها ومختلف الامتيازات الممنوحة لها بما يجعلها أقرب مايكون الى الهواية و»العبث» الذي يقود في نهاية المطاف الى التجاذبات السياسية وتعويم الحقائق بقصد أو بغير نية وهي الصورة المشتركة تقريبا لجل لجان التحقيق البرلمانية.
ولعل ابرز مثال عن التأثر السلبي لغياب الاطار التشريعي في نجاعة لجان التحقيق البرلمانية «موت» لجنة التحقيق في وثائق بانما عندما اعتبرت السلطة القضائية اعمالها «قضاء مواز» تلاها تخبط لجنة التحقيق في شبكات التسفير في جملة من الشكليات المتعلقة بربط اتصالات خارجية فبغض النظر عن المعطى السياسي فانه لا وجود مايدعم قانونا ربط مجلس النواب لاتصالات مع حكومات وهيئات سيما وأن صلاحيات العلاقات الخارجية و الاعراف الديبلوماسية بيد السلطة التنفيذية ويتقاسمها رئيس الجمهورية و وزير الخارجية.
ولئن يعلق عدد من النواب امالا كبرى في ماسيعرض من تنقيحات قريبا في النظام الداخلي في اطار تمكين لجان التحقيق من صلاحيات تضفي النجاعة على اعمالها فان عددا لا بأس به منهم لا يأمل خيرا منها لعدة اسباب أهمها غياب الارادة التشريعية في تمرير اطار تشريعي منفرد خاص بتنظيم عمل لجان التحقيق ويكون محل توافق بين الجميع الذي هو متأت أساسا من طغيان المعطى السياسي على المعطى القانوني فاعمال اللجان تبدو احيانا للمتابع محكومة بـ «تضارب المصالح السياسية وتقاطعها» مع أهداف كل لجنة بما يجعلها تنغمس في الشكليات والمزايدات وتعويم الحقيقة بشكل أو بأخر.
كما يبرز احيانا عديدة افتقاد للخبرة يقود احيانا الى الخلط بين التحقيق البرلماني والتحقيق القضائي، فتكون عادة منهجية البحث محل اختلاف بين من يريد وضع فرضية يبني عليها تصورات ومن ثمة العمل على اثباتها أو نفيها أو الانطلاق من جمع المعلومات والتدرج في التحقيق تضاف اليه تصورات مختلفة يزيدها اللون السياسي أكثر تعقيد فيكون الدور التشريعي من لجان التحقيق اقرب مايكون الى العبث الذي لا يمكن ان يقود اطلاقا الى كشف حقيقة ما.

يعود تشكيل لجان التحقيق البرلمانية الى سنة 1689 في بريطانيا متى تشكلت أول لجنة لمراقبة الاجهزة الحكومية في علاقة بسوء ادارة الحرب مع ايرلندا، ليتم تصدير التجربة فيما بعد الى فرنسا اذ تشكلت اول لجنة تحقيق برلمانية في عدد من المخالفات الاقتصادية سنة 1828 وكانت للتجربة الفرنسية نجاحات في الاطاحة بوزراء رفضوا المثول امامها خلافا للتجربة الامريكية التي على الرغم من نجاحها في تكريس رقابة قوية على الاجهزة التنفيذية الا انها فشلت في ممارستها على كل من الرئيسين نيكسون وبيل كلينتون وهذا لا ينف تمتع لجان التحقيق في الكونغرس الامريكي بالنجاعة التي يستمدها من الاستقلالية الواسعة والصلاحيات العريضة، كما يشترك رئيس لجنة التحقيق البرلمانية في بلجيكيا مع القاضي الجزائي في العديد من الاختصاصات وهي السلطة الممنوحة تقريبا في البرلمان الفرنسي.

أشرف الرياحي
سيُجابه بالالتزام بعدم الترشح في انتخابات 2019:انطلاق رحلة البحث عن خليفة الشاهد؟
20 ماي 2018 السّاعة 21:00
انطلقت منذ يومين عملية البحث عن خليفة ليوسف الشاهد على رأس حكومة وثيقة قرطاج 2 والتي من المنتظر أن تكون...
المزيد >>
طال أكثر من اللزوم والفاعلون يتعاملون معه بغموض:الحديث عن تغيير الحكومة أربك البلاد !
20 ماي 2018 السّاعة 21:00
منذ عدة أشهر والبلاد تعيش على وقع ما يتردد من...
المزيد >>
بين مبادرة الحكومة وسجال البرلمان:مسار تركيز المحكمة الدستورية يدخل منعرج الحسم
20 ماي 2018 السّاعة 21:00
على الرغم من تقديم الحكومة لمبادرة تشريعية في...
المزيد >>
بعد غد الثلاثاء:لجنة الخبراء توقّع وثيقة قرطاج 2
20 ماي 2018 السّاعة 21:00
أكّدت سميرة الشواشي ممثلة الاتحاد الوطني الحر...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
تزداد أعدادها وتغيب نجاعتها:لجان التحقيق البرلمانية... عبث تشريعي وتعويم للحقيقة
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 15 جويلية 2017

تونس(الشروق) ـ
من لجنة التحقيق في أحداث 9 أفريل الى لجنة التحقيق في شبكات التسفير كان الفشل عنوان ناظم، فشل بات ينسحب على كل لجان التحقيق البرلمانية قيد التشكل والمحتمل تشكيلها مستقبلا طالما وأن «العبث التشريعي» سيد الموقف.
وضمن تفعيل الرقابة على الاجهزة التنفيذية في الدولة تتنزل فكرة انشاء لجان التحقيق البرلمانية كاجراء محمود يستمد منه البرلمان سلطته الأصلية في اعمال بحث وتقصي ذات صبغة ادارية تساهم في كشف حقيقة موضوع له علاقة بالشأن الوطني، غير أن التشخيص الموضوعي للتجربة في تونس الانتقال الديمقراطي تقر بالفشل والتعثر حتى بات عدد لجان التحقيق البرلمانية في تزايد دون تحقيق اي هدف من الاهداف التي انشأت من اجلها.
وليس من التشاؤم أو التجني الحكم بالفشل الذريع للجان التحقيق البرلمانية ماتشكل منها وما سيتشكل،فالامثلة عديدة من لجنة التحقيق في الاعتداءات الحاصلة يوم 9 افريل 2012 مرورا بلجنة التحقيق في مايعرف بوثائق بانما وملف التهرب الضريبي وصولا الى انغماس لجنة التحقيق في شبكات التسفير في الشكليات لم يقدم جميعها الامل في ترقب كشف لحقيقة فكل ما سيتشكل من لجان محمول عليه وزر الفشل المسبق كلجنة التحقيق في احداث تطاوين التي اعتمدها مؤخرا البرلمان، أو المقترح الذي تقدمت به المعارضة في استعمال حقها الدستوري تشكيل لجنة تحقيق في قانونية شركة التأمينات ستار والذي عاينه مكتب البرلمان أول أمس في نهاية الدورة البرلمانية الحالية وذلك على اعتبار وجود خلل مشترك يحويها جميعا يتعلق بغياب الاطار التشريعي الذي تزيد طينته بلة تضارب المصالح السياسية وفقدان الخبرة احيانا.
فلا يمكن للعاقل ادراك وصول لجنة تحقيق برلمانية الى جزء ضئيل من الحقيقة بشاكلتها الوهنة التي تفتقر فيها لاي دعم لوجيستي وأي قانون منظم لصلاحياتها وانشطتها ومجال عملها ومختلف الامتيازات الممنوحة لها بما يجعلها أقرب مايكون الى الهواية و»العبث» الذي يقود في نهاية المطاف الى التجاذبات السياسية وتعويم الحقائق بقصد أو بغير نية وهي الصورة المشتركة تقريبا لجل لجان التحقيق البرلمانية.
ولعل ابرز مثال عن التأثر السلبي لغياب الاطار التشريعي في نجاعة لجان التحقيق البرلمانية «موت» لجنة التحقيق في وثائق بانما عندما اعتبرت السلطة القضائية اعمالها «قضاء مواز» تلاها تخبط لجنة التحقيق في شبكات التسفير في جملة من الشكليات المتعلقة بربط اتصالات خارجية فبغض النظر عن المعطى السياسي فانه لا وجود مايدعم قانونا ربط مجلس النواب لاتصالات مع حكومات وهيئات سيما وأن صلاحيات العلاقات الخارجية و الاعراف الديبلوماسية بيد السلطة التنفيذية ويتقاسمها رئيس الجمهورية و وزير الخارجية.
ولئن يعلق عدد من النواب امالا كبرى في ماسيعرض من تنقيحات قريبا في النظام الداخلي في اطار تمكين لجان التحقيق من صلاحيات تضفي النجاعة على اعمالها فان عددا لا بأس به منهم لا يأمل خيرا منها لعدة اسباب أهمها غياب الارادة التشريعية في تمرير اطار تشريعي منفرد خاص بتنظيم عمل لجان التحقيق ويكون محل توافق بين الجميع الذي هو متأت أساسا من طغيان المعطى السياسي على المعطى القانوني فاعمال اللجان تبدو احيانا للمتابع محكومة بـ «تضارب المصالح السياسية وتقاطعها» مع أهداف كل لجنة بما يجعلها تنغمس في الشكليات والمزايدات وتعويم الحقيقة بشكل أو بأخر.
كما يبرز احيانا عديدة افتقاد للخبرة يقود احيانا الى الخلط بين التحقيق البرلماني والتحقيق القضائي، فتكون عادة منهجية البحث محل اختلاف بين من يريد وضع فرضية يبني عليها تصورات ومن ثمة العمل على اثباتها أو نفيها أو الانطلاق من جمع المعلومات والتدرج في التحقيق تضاف اليه تصورات مختلفة يزيدها اللون السياسي أكثر تعقيد فيكون الدور التشريعي من لجان التحقيق اقرب مايكون الى العبث الذي لا يمكن ان يقود اطلاقا الى كشف حقيقة ما.

يعود تشكيل لجان التحقيق البرلمانية الى سنة 1689 في بريطانيا متى تشكلت أول لجنة لمراقبة الاجهزة الحكومية في علاقة بسوء ادارة الحرب مع ايرلندا، ليتم تصدير التجربة فيما بعد الى فرنسا اذ تشكلت اول لجنة تحقيق برلمانية في عدد من المخالفات الاقتصادية سنة 1828 وكانت للتجربة الفرنسية نجاحات في الاطاحة بوزراء رفضوا المثول امامها خلافا للتجربة الامريكية التي على الرغم من نجاحها في تكريس رقابة قوية على الاجهزة التنفيذية الا انها فشلت في ممارستها على كل من الرئيسين نيكسون وبيل كلينتون وهذا لا ينف تمتع لجان التحقيق في الكونغرس الامريكي بالنجاعة التي يستمدها من الاستقلالية الواسعة والصلاحيات العريضة، كما يشترك رئيس لجنة التحقيق البرلمانية في بلجيكيا مع القاضي الجزائي في العديد من الاختصاصات وهي السلطة الممنوحة تقريبا في البرلمان الفرنسي.

أشرف الرياحي
سيُجابه بالالتزام بعدم الترشح في انتخابات 2019:انطلاق رحلة البحث عن خليفة الشاهد؟
20 ماي 2018 السّاعة 21:00
انطلقت منذ يومين عملية البحث عن خليفة ليوسف الشاهد على رأس حكومة وثيقة قرطاج 2 والتي من المنتظر أن تكون...
المزيد >>
طال أكثر من اللزوم والفاعلون يتعاملون معه بغموض:الحديث عن تغيير الحكومة أربك البلاد !
20 ماي 2018 السّاعة 21:00
منذ عدة أشهر والبلاد تعيش على وقع ما يتردد من...
المزيد >>
بين مبادرة الحكومة وسجال البرلمان:مسار تركيز المحكمة الدستورية يدخل منعرج الحسم
20 ماي 2018 السّاعة 21:00
على الرغم من تقديم الحكومة لمبادرة تشريعية في...
المزيد >>
بعد غد الثلاثاء:لجنة الخبراء توقّع وثيقة قرطاج 2
20 ماي 2018 السّاعة 21:00
أكّدت سميرة الشواشي ممثلة الاتحاد الوطني الحر...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
خالد الحدّاد
سياسة التشكيك والمغالطات
يُنجز جزء كبير من الحراك السياسي في بلادنا بعيدا عن الشفافيّة المطلوبة وفي إطار صراعات الأهواء والمصالح وحروب التموقع التي لم تتخلّص منها الحياة الوطنية على الرغم من الخطوات...
المزيد >>