تطاوين:«الشروق» في قلب الاعتصام:قصة الكامور... . أوالخيمة الفاصلة بين شقيقين
خالد الحدّاد
سياسة التشكيك والمغالطات
يُنجز جزء كبير من الحراك السياسي في بلادنا بعيدا عن الشفافيّة المطلوبة وفي إطار صراعات الأهواء والمصالح وحروب التموقع التي لم تتخلّص منها الحياة الوطنية على الرغم من الخطوات...
المزيد >>
تطاوين:«الشروق» في قلب الاعتصام:قصة الكامور... . أوالخيمة الفاصلة بين شقيقين
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 15 ماي 2017

حقيقة الكامور... ليست مجرّد رواية عن اعتصام بل هي اسقاط لتراجيديا صراع مع الفقر والقفر... على واقع يُختلف تاويله بين الرواية الرسمية والقناعات الشعبية.

هكذا يعيش المعتصمون في الصجراء ... وهذه مطالبهم

تونس (الشروق)
هنا تطاوين... اذا كنت قادما من العاصمة عليك التسلّح بصبر سبع ساعات او اكثر... مساحة زمنية كافية لتجعلك تدرك الفرق الشاسع بين «المركز» و»الاطراف «... هنا مركز التناقضات والاستثناءات... اكبر الولايات واصغرها في الان ذاته... اغنى الولايات وافقرها في نفس الوقت... ولاية تمتد على 38.889 كم² لكن معظم مساحتها صحراء ومنطقة عسكرية مغلقة... تنطوي ارضها على ثروات طبيعية هامة وهي من افقر الولايات .
هنا تطاوين حيث لا يمكنك ان لا تلاحظ منذ الامتار الاولى من اكثر المشاهد «السوسيو-ثقافية « المثيرة للانتباه... اطفال لا يتجاوزون عتبة سن المدرسة تمزّقت اعينهم بين مرافقة قطيع حيوانات الظاهر انها مورد رزقهم الوحيد وبين كرّاس اوكتاب لا تغادر اعينهم صفحاته الاّ لتلقي نظرة عن مسار القطيع .
عاصفة رمليّة
مسار يحكم فعل الانسان والحيوان منذ النشأة وهومسار البحث عن اليات البقاء... لكنه في هذه الرقعة الجغرافية التي ان قرّرت ان تبقى فيها حتى ليوم واحد فعليك ان تستعد لعواصف رمليّة محتملة في كل لحظة... عواصف تختلط فيها الرياح بالرمل لتشكيل مزيج يمنعك من النظر حتى من حولك... لكن اذا كنت راغبا في الاستمرار في البقاء فعليك ان تفكّر في التاقلم معه ومع الحرارة التي تبلغ مستويات قياسية... حرارة قد تنسيك وطاتها حفاوة استقبال اهالي تطاوين المثيرة للاهتمام منذ المصافحة الاولى.
فور دخولك تطاوين تضيق الطريق بك بسبب بقايا حواجز على كل الطرقات... عجلات مطاطية، اتربة، قضبان حديدية... وحتى بعض السيارات تحولت الى حواجز بعد ان تم حجزها اثناء الاحتجاجات وهي سيارات تعود ملكيتها لبعض المتنفّذين في الشركات النفطية في تطاوين... ملامح المدينة كلّها تعكس بقايا توتّر يبدوواضحا انه لم يفارقها الى الان... شعارات مكتوبة على كل الجدران والاعمدة... مدينة تطاوين يمكن تلخيصها في مستوى البنية التحتية بطريقين رئيسيين والباقي مجرّد هوامش ممرّات وبقايا طرقات منقطعة وفي حالة سيئة جدا... هنا كل الطرقات تؤدي الى «الكامور»... حيثما ولّيت وجهك تصادفك هذه المفردة... على كل الجدران... على اللافتات... على الخيام... وحتى في حديث الناس لا يخلونقاش من ذكر الاعتصام، الاسباب والمالات والمكتسبات...
الهجرة الى الكامور
اذن ما عليك الاّ ان تشد الرّحال الى «الكامور»... لتقف بنفسك خطا فاصلا بين الحقيقة والخيال وبين الحدث والاشاعة... وستكون سعبد الحظ اذا كان محمد الخليفي رفيقك في السفرة... وكان مؤنسك في تلك الوحشة... محمد يمكن منذ البداية ان تلاحظ انه على درجة عالية من التعلم والثقافة... وهو لا يخفيك انه مهندس صناعي عاش 15 سنة في فرنسا... وعاد لتونس سنة 2011 على امل ان يكون احد جزئيات التغيير في بلدته... ويقول صراحة « فديت من الغربة « ويضيف قائلا «تونس امّنا جميعا والاحتجاجات هي دفاع عن كل تونس وليس عن تطاوين فقط « محمد يتناقض كلّيا مع ما قاله البعض مؤخرا من رغبة في الانفصال ويقول ان تطاوين جزء من تونس شعبا وثروة ... ويعتبر ان من يزرع بذور الفتنة لن ينجح ابدا... اما عن تونس فيعتبرها «جريحة « بسبب ثرواتها المنهوبة .
تتداخل في ذهن محمد صورة تونس بصورة تلك المراة التي اقتربت من حشود الراحلين الى الكامور قبل اسبوع... اقتربت باكية لتقول لهم ان «الجهاد الحقيقي هوهذا... جهاد للدفاع عن حق وثروة الوطن»... لكن من اكثر الاشياء التي تؤلمه ان معظم الشركات التي تتّخذ من تطاوين مقرّا لها عندما تتصل به هاتفيّا تتصل برقم من العاصمة... فتطاوين مساحة شغلها امّا مقرها فهو في العاصمة .
مائة وسبعون كيلومترا تفصل تطاوين عن «الكامور « مكان الاعتصام تودّع فيها الطريق المعبّدة بعد ما يقارب ال 120 كيلومترا لتدخل في طريق صحراوية شديدة الوعورة... طريق لا مبرّر لبقائها على هذه الحالة لسنوات طويلة الاّ الرغبة في عدم الوصول الى الشركات البترولية حسب محمّد .
وأنت على هذه الطريق لا شيء يلوح في أفقك لا أمامك ولا خلفك ولا على اليمين ولا على اليسار... ربّما هوتلخيص للمشهد الذي دفع الكثير الى الاعتصام فمستقبلهم غامض تماما كهذا المكان... وفي غضون تركيزك في عمق هذا المشهد المقفر تفاجأ بتوقّف السيارة مع بقاء صوت المحرّك... وتكتشف أنك وقعت في مطب رملي... حينها ما عليك الاّ أن تسارع بالنزول وأن تعيش التجربة بكل تفاصيلها... تحاول إنقاص ما أمكن من الهواء من العجلات... ثم تفتح بيديك طريقا صغيرة في الرمل لتتمكن العجلة من الخروج من الحفرة... ثم تحاول أن تسير بسرعة فائقة لتتمكن من الخروج... ثم تعيد نفخ العجلات بجهاز يُلازم كل متساكني الصحراء تحسّبا لهذا الطارئ.
تتجاوز الهضبة تلو الأخرى... لتلوح لك في الأفق خيام بيضاء تنتصب في شكل دائري... إنه اعتصام "الكامور " ولمن يتساءل عن مغزى التسمية أحيله الى ما قاله محمد بأنه "كارفور " أي نقطة تلتقي فيها أربعة طرقات منها الطريق التي سلكناها وأخرى توصلك الى مقر الشركات وأخرى طريق مستحدثة أحدثتها الشركات النفطية لتصل مباشرة الى قابس بعد أن توترت الأجواء في تطاوين... وهذا هومبرّر الاعتصام في هذا المكان.
أوّل ما يلفت انتباهك في الاعتصام شاحنة كبيرة تتمركز في قلب دائرة الاعتصام... شاحنة بعد السؤال عنها اكتشفت أنها لمقاول أصيل المنطقة تتضمّن صهريجا كبيرا يموّل الاعتصام بالماء ومولّدا كهربائيا ضخما... هذه الشاحنة هي مصدر حياة الاعتصام فمنها يتم وصل كل الخيام بالكهرباء... خيام تكتشف عندما تدخلها أنها مخالفة للمفهوم التقليدي للخيمة فيمكنك أن تجد فيها ثلاجة وأجهزة لشحن الهواتف الجوالة .
وبما أنّك في عمق الاعتصام فعليك أن تلتقي بتنسيقيته أو بأحد أفرادها... ولن تتوه كثيرا فأي معتصم يمكنه إرشادك الى الخيمة التي ما إن تدخلها حتى تجد عشرة معتصمين يتحدثون عن عاصفة البارحة... عاصفة رملية أتت على عدد من الخيام... ولا يفوتهم أن ينوهوا بمجهود عدد من المعتصمين الذين تمسكوا بها حتى لا تطير... أمّا حديثك مع الناطق باسم التنسيقية فيصب في صلب الموضوع فطارق الحداد يؤكد دائما على مطالب المعتصمين التي كانت في نسختها الأولى تشغيل فرد من كل عائلة,ونسبة من عائدات الثروات في صندوق لدعم تطاوين، وتحويل مقر الشركات لهذه المنطقة... كما لا يفوته أن يذكّر بأن الشاهد قال في خطابه الأخير إنه شاب وإنه يتفهّم الشباب... طارق يقول إن شباب تطاوين ليس سلبيا ويشير الى تعديل المطالب التي أصبحت انتداب ألف وخمسمائة فرد في الشركات البترولية وثلاثة آلاف في شركات البيئة وتخصيص مائة مليار لصندوق التنمية والتسريع في إنجاز مصنع الاسمنت وإنجاز سكة حديدية تساعد المستثمرين في عملهم .
أما عن اللقاء مع ممثلي السلطة فيقول طارق إنه تأجل أكثر من مرة وإنه يأمل في أن يكون اللقاء مع وزير التشغيل اليوم مثمرا... ويؤكد أن الحكومة اذا ما رغبت في إطالة حل الملف فإن المعتصمين لن يغادروا هذا المكان الاّ اذا تم حسمه واقعيّا بحضور ممثلي الشركات البترولية... أمّا عن موارد الاعتصام التي كثر الحديث عنها فيقول إن كل المواطنين ساهموا من العاطل الى العامل الى أصحاب الشركات... وأضاف أن التنسيقية أصبحت تصوّر مقاطع فيديو تنشرها على صفحتها في "فيسبوك" يتم في سياقها إثبات مصادر التمويل لقطع الطريق عن الاشاعات.
أما عن تدخّل الأحزاب فقال إنها جميعا أرادت التدخل لكن تم طردها من الاعتصام فهي لم تدافع عن تطاوين منذ سنوات لكنها تريد الآن الركوب على الأحداث واعتبر أن المعتصمين قادرون على إدارة الملف والوصول الى حقوقهم.
أسباب الاعتصام
ينتهي نقاشك مع الحداد وفي الاثناء يحاول أحد المعتصمين أن يسقيك شربة ماء باردة من قارورة كان قد خبّأها في الرمل... يطول بحثه عنها ويحفر في كل الاتجاهات لكن لا يعثر عنها فعاصفة البارحة غيّرت من مرتكزات الخيمة فتغيّر المكان .
تغادر الخيمة لتلتحق بأخرى وهي خيمة «حي المهرجان» حيث يمكنك أن تعيش لحظة مصغّرة من عمق الاعتصام فهنا لا ينفك الحاضرون عن مناقشة تفاصيل الاعتصام. وتختلف وجهات النظر بين محمد المسكون بهواجس الوطن كلّه وباقي الحاضرين الذين انقسموا بين كمال الباحث عما أمكن من ترفيع سقف المطالب... ومعز الذي بلغ مرحلة اليأس ومهدي الباحث عن موطن شغل بعد أن طالت بطالته بسبب إغلاق النزل الذي كان يعمل فيه في سوسة وعيّاد الذي لعب دور منسق الحوار وحاول الاقناع بأن قضية تطاوين ليست مجرد تشغيل فقط إنما هي أعمق من ذلك .
مواجهة الشقيقين
حكايات تطول ولا تنتهي... تختلف مساراتها وشخوصها لكن ما يمكن أن يثير انتباهك أكثر الحديث عن بعض العائلات التي تنقسم بين من هم في الكامور ومن هم خارجه... فعائلة «الحوّات « وهي من أشهر العائلات نموذج لذلك فأحد أفرادها من العلامات البارزة في الديوانة وقام رئيس الجمهورية مؤخرا بتكريمه... وأحد أفرادها أيضا من أفراد الجيش وعنصران منها يلازمان خيام «الكامور «... أي أن الأخ يمكن أن يكون في مواجهة أخيه في أي وقت وهي صورة تغني عن الباقي" .
ساعات طويلة من النقاش تفضي بك الى اتخاذ قرار المغادرة بالرغم من تمسك الحاضرين بضرورة بقائك للفطور... تعتذر للمصرّين الكرماء وتغادر في سيارة امتلأت بالراغبين في العودة الى تطاوين للبقاء يوما أو يومين لقضاء بعض الحاجات ثم العودة من جديد الى الاعتصام... لكن لا يمكنك أن تغفل عن ابراهيم صاحب الشهادة الجامعية الذي علّق كل آماله على الاعتصام بعد أن فقد الثقة في مؤسسات الدولة... وهو لا يتردّد في إخبارك عن سبب فقدان الثقة وهو تجربة أحد أصدقائه الذي بقي أكثر من ثلاثين سنة وهو يرتاد مكتب التشغيل دون جدوى... ابراهيم مستعد لأن تتغيّر ملامحه فجأة فور الوصول الى تطاوين ليقول «استاحشتها البليدة» وهو يعني بـ"البليدة " تصغير كلمة "البلدة " .وتنتهي زيارتك للاعتصام وتبقى في تطاوين فترة تكفيك للحديث مع عدد كبير من المواطنين منهم من يعتبر الاعتصام حدثا تاريخيا، ومنهم من يؤكد أن الاعتصام كان عفويّا وأن المعتصمين أصحاب حق وأنهم شرفاء.لكن لا يفوته أن ينبّهك من أن غمرة التبرّع للاعتصام ودعمه تداخل فيها الراغبون في النهوض بتطاوين بمن يخفي أسبابا شخصية وراء ذلك وهم قلّة من رجال الأعمال يخدمهم بقاء الاعتصام على حاله في نقاشاتهم الموازية مع الهياكل الجهوية لتحقيق مكاسب خاصة. ويسوّقون بأن لهم ثقلا يمكنهم من فض هذا الاعتصام بالرغم من أنهم غير قادرين على تحريك أي خيمة منه .

ما يجب أن تعرفــــه عن الكـــــــــامور

يتضمن اعتصام الكامور 70 خيمة كل واحدة تحمل اسم حي أو معتمدية من تطاوين... هذه الخيام كانت موجودة داخل تطاوين وتقرّر نقلها الى «الكامور « قبل ثلاثة أسابيع بعد ما تم توصيفه بالتعاطي البارد من قبل الحكومة... هذه الخيام هي بمثابة التمثيلية لكل جزء من تطاوين أي أنها تشبه مجلسا نيابيا مع الفرق أن المجالس النيابية تؤسس على تمثيلية حزبية وهذا المجلس يتأسس على تمثيلية مناطق و"عروش"... كل خيمة فيها بين 10 و7 أفراد يتداولون على الحضور.

أرقام ودلالات
170 كلم هي المسافة الفاصلة بين تطاوين والكامور.
70 خيمة هو العدد الجملي للخيام في الاعتصام.
800 شخص عدد الحاضرين في الاعتصام في يومه الأول.

إعداد: سرحان الشيخاوي
وزير الخارجية يشارك في الإجتماع التشاوري الرابع حول الملف الليبي
21 ماي 2018 السّاعة 08:55
يشارك وزير الشؤون الخارجية، خميس الجهيناوي، اليوم الإثنين بالجزائر، في الإجتماع التشاوري الرابع لوزراء...
المزيد >>
السرعة والتّهور والارهاق أهم أسباب الحوادث:طرقاتنا... مقابر مفتوحة
20 ماي 2018 السّاعة 21:00
ترتفع حوادث المرور خلال شهر رمضان رغم أن من أهم...
المزيد >>
صوت الشــــــــــارع:لماذا ارتفعت نسبة الحوادث في رمضان؟
20 ماي 2018 السّاعة 21:00
شهر الصيام مع ارتفاع درجة الحرارة والعطلة...
المزيد >>
«الشروق» في سوق سيدي البحري بالعاصمة:التونسي يشتري ويشتكي مـــن ارتفـــاع الاسعـــار
20 ماي 2018 السّاعة 21:00
في اليوم الثالث من رمضان الذي تزامن مع عطلة...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
تطاوين:«الشروق» في قلب الاعتصام:قصة الكامور... . أوالخيمة الفاصلة بين شقيقين
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 15 ماي 2017

حقيقة الكامور... ليست مجرّد رواية عن اعتصام بل هي اسقاط لتراجيديا صراع مع الفقر والقفر... على واقع يُختلف تاويله بين الرواية الرسمية والقناعات الشعبية.

هكذا يعيش المعتصمون في الصجراء ... وهذه مطالبهم

تونس (الشروق)
هنا تطاوين... اذا كنت قادما من العاصمة عليك التسلّح بصبر سبع ساعات او اكثر... مساحة زمنية كافية لتجعلك تدرك الفرق الشاسع بين «المركز» و»الاطراف «... هنا مركز التناقضات والاستثناءات... اكبر الولايات واصغرها في الان ذاته... اغنى الولايات وافقرها في نفس الوقت... ولاية تمتد على 38.889 كم² لكن معظم مساحتها صحراء ومنطقة عسكرية مغلقة... تنطوي ارضها على ثروات طبيعية هامة وهي من افقر الولايات .
هنا تطاوين حيث لا يمكنك ان لا تلاحظ منذ الامتار الاولى من اكثر المشاهد «السوسيو-ثقافية « المثيرة للانتباه... اطفال لا يتجاوزون عتبة سن المدرسة تمزّقت اعينهم بين مرافقة قطيع حيوانات الظاهر انها مورد رزقهم الوحيد وبين كرّاس اوكتاب لا تغادر اعينهم صفحاته الاّ لتلقي نظرة عن مسار القطيع .
عاصفة رمليّة
مسار يحكم فعل الانسان والحيوان منذ النشأة وهومسار البحث عن اليات البقاء... لكنه في هذه الرقعة الجغرافية التي ان قرّرت ان تبقى فيها حتى ليوم واحد فعليك ان تستعد لعواصف رمليّة محتملة في كل لحظة... عواصف تختلط فيها الرياح بالرمل لتشكيل مزيج يمنعك من النظر حتى من حولك... لكن اذا كنت راغبا في الاستمرار في البقاء فعليك ان تفكّر في التاقلم معه ومع الحرارة التي تبلغ مستويات قياسية... حرارة قد تنسيك وطاتها حفاوة استقبال اهالي تطاوين المثيرة للاهتمام منذ المصافحة الاولى.
فور دخولك تطاوين تضيق الطريق بك بسبب بقايا حواجز على كل الطرقات... عجلات مطاطية، اتربة، قضبان حديدية... وحتى بعض السيارات تحولت الى حواجز بعد ان تم حجزها اثناء الاحتجاجات وهي سيارات تعود ملكيتها لبعض المتنفّذين في الشركات النفطية في تطاوين... ملامح المدينة كلّها تعكس بقايا توتّر يبدوواضحا انه لم يفارقها الى الان... شعارات مكتوبة على كل الجدران والاعمدة... مدينة تطاوين يمكن تلخيصها في مستوى البنية التحتية بطريقين رئيسيين والباقي مجرّد هوامش ممرّات وبقايا طرقات منقطعة وفي حالة سيئة جدا... هنا كل الطرقات تؤدي الى «الكامور»... حيثما ولّيت وجهك تصادفك هذه المفردة... على كل الجدران... على اللافتات... على الخيام... وحتى في حديث الناس لا يخلونقاش من ذكر الاعتصام، الاسباب والمالات والمكتسبات...
الهجرة الى الكامور
اذن ما عليك الاّ ان تشد الرّحال الى «الكامور»... لتقف بنفسك خطا فاصلا بين الحقيقة والخيال وبين الحدث والاشاعة... وستكون سعبد الحظ اذا كان محمد الخليفي رفيقك في السفرة... وكان مؤنسك في تلك الوحشة... محمد يمكن منذ البداية ان تلاحظ انه على درجة عالية من التعلم والثقافة... وهو لا يخفيك انه مهندس صناعي عاش 15 سنة في فرنسا... وعاد لتونس سنة 2011 على امل ان يكون احد جزئيات التغيير في بلدته... ويقول صراحة « فديت من الغربة « ويضيف قائلا «تونس امّنا جميعا والاحتجاجات هي دفاع عن كل تونس وليس عن تطاوين فقط « محمد يتناقض كلّيا مع ما قاله البعض مؤخرا من رغبة في الانفصال ويقول ان تطاوين جزء من تونس شعبا وثروة ... ويعتبر ان من يزرع بذور الفتنة لن ينجح ابدا... اما عن تونس فيعتبرها «جريحة « بسبب ثرواتها المنهوبة .
تتداخل في ذهن محمد صورة تونس بصورة تلك المراة التي اقتربت من حشود الراحلين الى الكامور قبل اسبوع... اقتربت باكية لتقول لهم ان «الجهاد الحقيقي هوهذا... جهاد للدفاع عن حق وثروة الوطن»... لكن من اكثر الاشياء التي تؤلمه ان معظم الشركات التي تتّخذ من تطاوين مقرّا لها عندما تتصل به هاتفيّا تتصل برقم من العاصمة... فتطاوين مساحة شغلها امّا مقرها فهو في العاصمة .
مائة وسبعون كيلومترا تفصل تطاوين عن «الكامور « مكان الاعتصام تودّع فيها الطريق المعبّدة بعد ما يقارب ال 120 كيلومترا لتدخل في طريق صحراوية شديدة الوعورة... طريق لا مبرّر لبقائها على هذه الحالة لسنوات طويلة الاّ الرغبة في عدم الوصول الى الشركات البترولية حسب محمّد .
وأنت على هذه الطريق لا شيء يلوح في أفقك لا أمامك ولا خلفك ولا على اليمين ولا على اليسار... ربّما هوتلخيص للمشهد الذي دفع الكثير الى الاعتصام فمستقبلهم غامض تماما كهذا المكان... وفي غضون تركيزك في عمق هذا المشهد المقفر تفاجأ بتوقّف السيارة مع بقاء صوت المحرّك... وتكتشف أنك وقعت في مطب رملي... حينها ما عليك الاّ أن تسارع بالنزول وأن تعيش التجربة بكل تفاصيلها... تحاول إنقاص ما أمكن من الهواء من العجلات... ثم تفتح بيديك طريقا صغيرة في الرمل لتتمكن العجلة من الخروج من الحفرة... ثم تحاول أن تسير بسرعة فائقة لتتمكن من الخروج... ثم تعيد نفخ العجلات بجهاز يُلازم كل متساكني الصحراء تحسّبا لهذا الطارئ.
تتجاوز الهضبة تلو الأخرى... لتلوح لك في الأفق خيام بيضاء تنتصب في شكل دائري... إنه اعتصام "الكامور " ولمن يتساءل عن مغزى التسمية أحيله الى ما قاله محمد بأنه "كارفور " أي نقطة تلتقي فيها أربعة طرقات منها الطريق التي سلكناها وأخرى توصلك الى مقر الشركات وأخرى طريق مستحدثة أحدثتها الشركات النفطية لتصل مباشرة الى قابس بعد أن توترت الأجواء في تطاوين... وهذا هومبرّر الاعتصام في هذا المكان.
أوّل ما يلفت انتباهك في الاعتصام شاحنة كبيرة تتمركز في قلب دائرة الاعتصام... شاحنة بعد السؤال عنها اكتشفت أنها لمقاول أصيل المنطقة تتضمّن صهريجا كبيرا يموّل الاعتصام بالماء ومولّدا كهربائيا ضخما... هذه الشاحنة هي مصدر حياة الاعتصام فمنها يتم وصل كل الخيام بالكهرباء... خيام تكتشف عندما تدخلها أنها مخالفة للمفهوم التقليدي للخيمة فيمكنك أن تجد فيها ثلاجة وأجهزة لشحن الهواتف الجوالة .
وبما أنّك في عمق الاعتصام فعليك أن تلتقي بتنسيقيته أو بأحد أفرادها... ولن تتوه كثيرا فأي معتصم يمكنه إرشادك الى الخيمة التي ما إن تدخلها حتى تجد عشرة معتصمين يتحدثون عن عاصفة البارحة... عاصفة رملية أتت على عدد من الخيام... ولا يفوتهم أن ينوهوا بمجهود عدد من المعتصمين الذين تمسكوا بها حتى لا تطير... أمّا حديثك مع الناطق باسم التنسيقية فيصب في صلب الموضوع فطارق الحداد يؤكد دائما على مطالب المعتصمين التي كانت في نسختها الأولى تشغيل فرد من كل عائلة,ونسبة من عائدات الثروات في صندوق لدعم تطاوين، وتحويل مقر الشركات لهذه المنطقة... كما لا يفوته أن يذكّر بأن الشاهد قال في خطابه الأخير إنه شاب وإنه يتفهّم الشباب... طارق يقول إن شباب تطاوين ليس سلبيا ويشير الى تعديل المطالب التي أصبحت انتداب ألف وخمسمائة فرد في الشركات البترولية وثلاثة آلاف في شركات البيئة وتخصيص مائة مليار لصندوق التنمية والتسريع في إنجاز مصنع الاسمنت وإنجاز سكة حديدية تساعد المستثمرين في عملهم .
أما عن اللقاء مع ممثلي السلطة فيقول طارق إنه تأجل أكثر من مرة وإنه يأمل في أن يكون اللقاء مع وزير التشغيل اليوم مثمرا... ويؤكد أن الحكومة اذا ما رغبت في إطالة حل الملف فإن المعتصمين لن يغادروا هذا المكان الاّ اذا تم حسمه واقعيّا بحضور ممثلي الشركات البترولية... أمّا عن موارد الاعتصام التي كثر الحديث عنها فيقول إن كل المواطنين ساهموا من العاطل الى العامل الى أصحاب الشركات... وأضاف أن التنسيقية أصبحت تصوّر مقاطع فيديو تنشرها على صفحتها في "فيسبوك" يتم في سياقها إثبات مصادر التمويل لقطع الطريق عن الاشاعات.
أما عن تدخّل الأحزاب فقال إنها جميعا أرادت التدخل لكن تم طردها من الاعتصام فهي لم تدافع عن تطاوين منذ سنوات لكنها تريد الآن الركوب على الأحداث واعتبر أن المعتصمين قادرون على إدارة الملف والوصول الى حقوقهم.
أسباب الاعتصام
ينتهي نقاشك مع الحداد وفي الاثناء يحاول أحد المعتصمين أن يسقيك شربة ماء باردة من قارورة كان قد خبّأها في الرمل... يطول بحثه عنها ويحفر في كل الاتجاهات لكن لا يعثر عنها فعاصفة البارحة غيّرت من مرتكزات الخيمة فتغيّر المكان .
تغادر الخيمة لتلتحق بأخرى وهي خيمة «حي المهرجان» حيث يمكنك أن تعيش لحظة مصغّرة من عمق الاعتصام فهنا لا ينفك الحاضرون عن مناقشة تفاصيل الاعتصام. وتختلف وجهات النظر بين محمد المسكون بهواجس الوطن كلّه وباقي الحاضرين الذين انقسموا بين كمال الباحث عما أمكن من ترفيع سقف المطالب... ومعز الذي بلغ مرحلة اليأس ومهدي الباحث عن موطن شغل بعد أن طالت بطالته بسبب إغلاق النزل الذي كان يعمل فيه في سوسة وعيّاد الذي لعب دور منسق الحوار وحاول الاقناع بأن قضية تطاوين ليست مجرد تشغيل فقط إنما هي أعمق من ذلك .
مواجهة الشقيقين
حكايات تطول ولا تنتهي... تختلف مساراتها وشخوصها لكن ما يمكن أن يثير انتباهك أكثر الحديث عن بعض العائلات التي تنقسم بين من هم في الكامور ومن هم خارجه... فعائلة «الحوّات « وهي من أشهر العائلات نموذج لذلك فأحد أفرادها من العلامات البارزة في الديوانة وقام رئيس الجمهورية مؤخرا بتكريمه... وأحد أفرادها أيضا من أفراد الجيش وعنصران منها يلازمان خيام «الكامور «... أي أن الأخ يمكن أن يكون في مواجهة أخيه في أي وقت وهي صورة تغني عن الباقي" .
ساعات طويلة من النقاش تفضي بك الى اتخاذ قرار المغادرة بالرغم من تمسك الحاضرين بضرورة بقائك للفطور... تعتذر للمصرّين الكرماء وتغادر في سيارة امتلأت بالراغبين في العودة الى تطاوين للبقاء يوما أو يومين لقضاء بعض الحاجات ثم العودة من جديد الى الاعتصام... لكن لا يمكنك أن تغفل عن ابراهيم صاحب الشهادة الجامعية الذي علّق كل آماله على الاعتصام بعد أن فقد الثقة في مؤسسات الدولة... وهو لا يتردّد في إخبارك عن سبب فقدان الثقة وهو تجربة أحد أصدقائه الذي بقي أكثر من ثلاثين سنة وهو يرتاد مكتب التشغيل دون جدوى... ابراهيم مستعد لأن تتغيّر ملامحه فجأة فور الوصول الى تطاوين ليقول «استاحشتها البليدة» وهو يعني بـ"البليدة " تصغير كلمة "البلدة " .وتنتهي زيارتك للاعتصام وتبقى في تطاوين فترة تكفيك للحديث مع عدد كبير من المواطنين منهم من يعتبر الاعتصام حدثا تاريخيا، ومنهم من يؤكد أن الاعتصام كان عفويّا وأن المعتصمين أصحاب حق وأنهم شرفاء.لكن لا يفوته أن ينبّهك من أن غمرة التبرّع للاعتصام ودعمه تداخل فيها الراغبون في النهوض بتطاوين بمن يخفي أسبابا شخصية وراء ذلك وهم قلّة من رجال الأعمال يخدمهم بقاء الاعتصام على حاله في نقاشاتهم الموازية مع الهياكل الجهوية لتحقيق مكاسب خاصة. ويسوّقون بأن لهم ثقلا يمكنهم من فض هذا الاعتصام بالرغم من أنهم غير قادرين على تحريك أي خيمة منه .

ما يجب أن تعرفــــه عن الكـــــــــامور

يتضمن اعتصام الكامور 70 خيمة كل واحدة تحمل اسم حي أو معتمدية من تطاوين... هذه الخيام كانت موجودة داخل تطاوين وتقرّر نقلها الى «الكامور « قبل ثلاثة أسابيع بعد ما تم توصيفه بالتعاطي البارد من قبل الحكومة... هذه الخيام هي بمثابة التمثيلية لكل جزء من تطاوين أي أنها تشبه مجلسا نيابيا مع الفرق أن المجالس النيابية تؤسس على تمثيلية حزبية وهذا المجلس يتأسس على تمثيلية مناطق و"عروش"... كل خيمة فيها بين 10 و7 أفراد يتداولون على الحضور.

أرقام ودلالات
170 كلم هي المسافة الفاصلة بين تطاوين والكامور.
70 خيمة هو العدد الجملي للخيام في الاعتصام.
800 شخص عدد الحاضرين في الاعتصام في يومه الأول.

إعداد: سرحان الشيخاوي
وزير الخارجية يشارك في الإجتماع التشاوري الرابع حول الملف الليبي
21 ماي 2018 السّاعة 08:55
يشارك وزير الشؤون الخارجية، خميس الجهيناوي، اليوم الإثنين بالجزائر، في الإجتماع التشاوري الرابع لوزراء...
المزيد >>
السرعة والتّهور والارهاق أهم أسباب الحوادث:طرقاتنا... مقابر مفتوحة
20 ماي 2018 السّاعة 21:00
ترتفع حوادث المرور خلال شهر رمضان رغم أن من أهم...
المزيد >>
صوت الشــــــــــارع:لماذا ارتفعت نسبة الحوادث في رمضان؟
20 ماي 2018 السّاعة 21:00
شهر الصيام مع ارتفاع درجة الحرارة والعطلة...
المزيد >>
«الشروق» في سوق سيدي البحري بالعاصمة:التونسي يشتري ويشتكي مـــن ارتفـــاع الاسعـــار
20 ماي 2018 السّاعة 21:00
في اليوم الثالث من رمضان الذي تزامن مع عطلة...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
خالد الحدّاد
سياسة التشكيك والمغالطات
يُنجز جزء كبير من الحراك السياسي في بلادنا بعيدا عن الشفافيّة المطلوبة وفي إطار صراعات الأهواء والمصالح وحروب التموقع التي لم تتخلّص منها الحياة الوطنية على الرغم من الخطوات...
المزيد >>