مرايـــــــــــــا:«جيش» من الساسة... وشعب غارق في التعاسة !
خالد الحدّاد
سياسة التشكيك والمغالطات
يُنجز جزء كبير من الحراك السياسي في بلادنا بعيدا عن الشفافيّة المطلوبة وفي إطار صراعات الأهواء والمصالح وحروب التموقع التي لم تتخلّص منها الحياة الوطنية على الرغم من الخطوات...
المزيد >>
مرايـــــــــــــا:«جيش» من الساسة... وشعب غارق في التعاسة !
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 14 ماي 2017

في السنوات الأخيرة، تقوم الحياة السياسية ببلادنا على مفارقة عجيبة أفرزت وضعا غريبا. فنحن نعيش مرحلة سياسية بامتياز حيث اشتدّت حمى السياسة وضربت الكثيرين حتى صار عندنا «جيش» من عباقرة السياسة وهم في الأصل منتحلو صفة بما أنهم لا يملكون شيئا من حصافة السياسة ومن الحكمة في التدبير والتسيير... في المقابل فإن وضع البلاد ما فتئ يتدحرج ووضع المواطن مافتئ يسوء ويغرق في التعاسة....
أين العقدة؟ وأين المشكلة؟
هل هي في السياسيين الألمعيين العباقرة الذين لم يجدوا شعبا يرتقي الى مستوى عبقريتهم فيفهمهم ويفهم ما يطرحون من خليط لغو وأفكار ومراهقة سياسية وفوضى ولغط يتصوّرون أنه سياسة ومن صميم مفردات وأدوات السياسة؟ أم أن العقدة والمشكلة في عموم الناس البسطاء «الغلبانين» الذين تقف حدود السياسة لديهم عند تخوم أسعار في المتناول وشغل متوفر لمن يطلب الشغل وخدمات جيدة في مجالات النقل والصحة والتعليم... أي أن هذه العلاقة يمكن أن تقف عند حد توفّر مقومات العيش الكريم؟
* * *
للحسم في طرفي هذه المعادلة ومحاولة إيجاد جواب شاف يفصل بين طرفي المعادلة نقول بأن المسألة لا تحتمل أكثر من أحد خيارين:
ـ إما أن يكفّ ساستنا ـ أو الكثير ـ منهم على الأقل عن ـ التطاوس ـ ويبتعدوا عن تقليد مشية الحمام فيعيدوا اكتشاف أنفسهم كمدخل لاكتشاف شعبهم وطبيعة شعبهم وطموحات وأحلام ومشاغل شعبهم... حتى يتمكنوا من مخاطبته بلغته وإيجاد حلول ملائمة لتطلعاته متسجيبة لحاجياته وانتظاراته....
ـ وإما أن نستبدل هذا الشعب «الغبي» بمعايير ساستنا، القاصر عن فهم عباقرته والوصول ببصره الى حيث يتطلعون بشعب آخر. فنصدّر ما عندنا من بشر ومن أدمغة وسواعد وطاقات في عملية «حرقة» كبرى ننظمها لشعب بأسره هذه المرّة... ونستورد لساستنا الأفذاذ شعبا آخر يكون في مستوى عبقريتهم ويكون قادرا على فهم «إبداعات» ساسته وخبرائه ومختصّيه.
* * *
تتابع الندوات الحوارية... تتابع منابر الفضائيات وهي تعج بالساسة والمسيسين... تسمع كلاما ينطح كلاما وترى مهاترات تنطح مهاترات... ولغوا ينطح لغوا... وترى «أناوات» متضخمة جدا لم يقرأ أصحابها على ما يبدو قصة الضفدعة والبقرة التي درسناها صغارا والتي بقيت حكمة راسخة على مرّ العقود تُجسّد معاني الحماقة عندما لا يعرف الكائن قدره... مثل تلك الضفدعة المسكينة التي صور لها غباؤها انه بإمكانها أن تصبح في حجم البقرة وأن ما عليها الا أن تشرب المزيد والكثير من الماء لترى بطنها ينتفخ وجسدها يكبر وتصبح في حجم بقرة... فإذا بها تنفجر من شدة ما شربته من ماء لأن وعاءها (أحشاءها وحجمها) هي أحشاء ضفدعة والضفدعة لا يمكن أن تصبح بقرة....
وتزيد في الانتباه والاصغاء فتكتشف انخراط ساساتنا في رياضة وطنية اسمها المهاترات والكلام الفارغ وترصيف الكلام وإطلاق السهام وتصريف التهم... إما الجوهر وإما المضمون فإن ذلك آخر ما يفكر به أصحابنا... وآخر ما يجودون به... لأنهم أصلا لا يملكونه... وهل يعطي الشيء فاقد الشيء.
* * *
تكلف نفسك المزيد من العناء... وتقول بأن القوم ربما استهوتهم الاضواء أو ربما ذهبت بتركيزهم وأفقدهم حب الزعامة والتفوق كل بذرة للحكمة... فتقرأ مقالاتهم (ان كتبوا) وتطالع أحاديثهم للصحف... فتجدها تنضح خواء وفراغا... وتجدها أفرغ من فؤاد أم موسى... هم في واد يهيمون والمواطن في واد آخر يعاني... تحاليلهم في كوكب ومعاناة الناس وواقعهم في كوكب آخر.
وفي مشهد من هذا القبيل يصبح واقع القطيعة بين طبقتنا السياسية وشرائح المجتمع أمرا طبيعيا وعاديا. فالحصار لا يكون دوما الا من طبيعة الزرع... والمنطق يقتضي أن يقف كل ساستنا الآن أمام مرآة الشعب ومرآة المجتمع الذي يعيشون فيه ويزعمون التكلم باسمه ويتسابقون على طلب ودّه. ولو عمدوا الى هذه الخطوة لاكتشفوا أن الخطأ والعيب والاشكال والعقدة والتقصير في أصل الصورة وليس في المرآة... وأن ما عليهم الا أن يعدّلوا خطابهم وبرامجهم على نبض الشعب التونسي... وعليهم أن يعدّلوا ساعاتهم على توقيت الشعب التونسي... وشعبنا سئم الخطب العصماء وسئم السفسطة وملّ الصراعات والتجاذبات وكره التنظير والنظريات وهو يرى حالته تسوء وتزداد سوءا من يوم الى آخر... شعبنا يطلب في الحد الأدنى مقومات العيش الكريم وهي تبدأ بتوفير الشغل لمن يطلبه وبالتحكم في الأسعار وردع المستكرشين مصاصي دمه وعرقه والتركيز على مقارعة الارهاب واجتثاث نبتته الخبيثة من هذه الارض الطيبة.
شعبنا يريد أن يسكت الساسة... وأن يوفروا له سبل الخروج من حياة البؤس والتعاسة!

كتبها عبد الحميد الرياحي
أولا وأخيرا:لا حســـــــــاب تحـت التوتــــــة
20 ماي 2018 السّاعة 21:00
بالأمس القريب في ذاك الزمن الجميل رغم الفقر والفاقة والحاجة يوم كانت السعادة تغمرنا لأبسط مكسب ولو كان ثمن...
المزيد >>
إشراقات 2:صورة أخرى
20 ماي 2018 السّاعة 21:00
اقرؤوا معي هذه الفقرة ثمّ سأذكر لكم من أين اخترتها لكم: «أمّا السكن فلم نتمتّع مع الأسف بالسكن الجامعي بل...
المزيد >>
حدث وحديث:«وقتاش اتجي كار الـعشرة ؟»
19 ماي 2018 السّاعة 21:00
على كامل مدى الأسبوع المنقضي ووسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي لا تكفّ تذكر حادثة القطار الياباني الذي...
المزيد >>
ردّ من المدرسة الخاصة على ولاية تونس
19 ماي 2018 السّاعة 21:00
..وبعد ما ورد من توضيحات من ولاية تونس حول الأسباب الحقيقية لعدم منح رخصة لفائدة مدرسة ابتدائية نفيدكم أن...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
مرايـــــــــــــا:«جيش» من الساسة... وشعب غارق في التعاسة !
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 14 ماي 2017

في السنوات الأخيرة، تقوم الحياة السياسية ببلادنا على مفارقة عجيبة أفرزت وضعا غريبا. فنحن نعيش مرحلة سياسية بامتياز حيث اشتدّت حمى السياسة وضربت الكثيرين حتى صار عندنا «جيش» من عباقرة السياسة وهم في الأصل منتحلو صفة بما أنهم لا يملكون شيئا من حصافة السياسة ومن الحكمة في التدبير والتسيير... في المقابل فإن وضع البلاد ما فتئ يتدحرج ووضع المواطن مافتئ يسوء ويغرق في التعاسة....
أين العقدة؟ وأين المشكلة؟
هل هي في السياسيين الألمعيين العباقرة الذين لم يجدوا شعبا يرتقي الى مستوى عبقريتهم فيفهمهم ويفهم ما يطرحون من خليط لغو وأفكار ومراهقة سياسية وفوضى ولغط يتصوّرون أنه سياسة ومن صميم مفردات وأدوات السياسة؟ أم أن العقدة والمشكلة في عموم الناس البسطاء «الغلبانين» الذين تقف حدود السياسة لديهم عند تخوم أسعار في المتناول وشغل متوفر لمن يطلب الشغل وخدمات جيدة في مجالات النقل والصحة والتعليم... أي أن هذه العلاقة يمكن أن تقف عند حد توفّر مقومات العيش الكريم؟
* * *
للحسم في طرفي هذه المعادلة ومحاولة إيجاد جواب شاف يفصل بين طرفي المعادلة نقول بأن المسألة لا تحتمل أكثر من أحد خيارين:
ـ إما أن يكفّ ساستنا ـ أو الكثير ـ منهم على الأقل عن ـ التطاوس ـ ويبتعدوا عن تقليد مشية الحمام فيعيدوا اكتشاف أنفسهم كمدخل لاكتشاف شعبهم وطبيعة شعبهم وطموحات وأحلام ومشاغل شعبهم... حتى يتمكنوا من مخاطبته بلغته وإيجاد حلول ملائمة لتطلعاته متسجيبة لحاجياته وانتظاراته....
ـ وإما أن نستبدل هذا الشعب «الغبي» بمعايير ساستنا، القاصر عن فهم عباقرته والوصول ببصره الى حيث يتطلعون بشعب آخر. فنصدّر ما عندنا من بشر ومن أدمغة وسواعد وطاقات في عملية «حرقة» كبرى ننظمها لشعب بأسره هذه المرّة... ونستورد لساستنا الأفذاذ شعبا آخر يكون في مستوى عبقريتهم ويكون قادرا على فهم «إبداعات» ساسته وخبرائه ومختصّيه.
* * *
تتابع الندوات الحوارية... تتابع منابر الفضائيات وهي تعج بالساسة والمسيسين... تسمع كلاما ينطح كلاما وترى مهاترات تنطح مهاترات... ولغوا ينطح لغوا... وترى «أناوات» متضخمة جدا لم يقرأ أصحابها على ما يبدو قصة الضفدعة والبقرة التي درسناها صغارا والتي بقيت حكمة راسخة على مرّ العقود تُجسّد معاني الحماقة عندما لا يعرف الكائن قدره... مثل تلك الضفدعة المسكينة التي صور لها غباؤها انه بإمكانها أن تصبح في حجم البقرة وأن ما عليها الا أن تشرب المزيد والكثير من الماء لترى بطنها ينتفخ وجسدها يكبر وتصبح في حجم بقرة... فإذا بها تنفجر من شدة ما شربته من ماء لأن وعاءها (أحشاءها وحجمها) هي أحشاء ضفدعة والضفدعة لا يمكن أن تصبح بقرة....
وتزيد في الانتباه والاصغاء فتكتشف انخراط ساساتنا في رياضة وطنية اسمها المهاترات والكلام الفارغ وترصيف الكلام وإطلاق السهام وتصريف التهم... إما الجوهر وإما المضمون فإن ذلك آخر ما يفكر به أصحابنا... وآخر ما يجودون به... لأنهم أصلا لا يملكونه... وهل يعطي الشيء فاقد الشيء.
* * *
تكلف نفسك المزيد من العناء... وتقول بأن القوم ربما استهوتهم الاضواء أو ربما ذهبت بتركيزهم وأفقدهم حب الزعامة والتفوق كل بذرة للحكمة... فتقرأ مقالاتهم (ان كتبوا) وتطالع أحاديثهم للصحف... فتجدها تنضح خواء وفراغا... وتجدها أفرغ من فؤاد أم موسى... هم في واد يهيمون والمواطن في واد آخر يعاني... تحاليلهم في كوكب ومعاناة الناس وواقعهم في كوكب آخر.
وفي مشهد من هذا القبيل يصبح واقع القطيعة بين طبقتنا السياسية وشرائح المجتمع أمرا طبيعيا وعاديا. فالحصار لا يكون دوما الا من طبيعة الزرع... والمنطق يقتضي أن يقف كل ساستنا الآن أمام مرآة الشعب ومرآة المجتمع الذي يعيشون فيه ويزعمون التكلم باسمه ويتسابقون على طلب ودّه. ولو عمدوا الى هذه الخطوة لاكتشفوا أن الخطأ والعيب والاشكال والعقدة والتقصير في أصل الصورة وليس في المرآة... وأن ما عليهم الا أن يعدّلوا خطابهم وبرامجهم على نبض الشعب التونسي... وعليهم أن يعدّلوا ساعاتهم على توقيت الشعب التونسي... وشعبنا سئم الخطب العصماء وسئم السفسطة وملّ الصراعات والتجاذبات وكره التنظير والنظريات وهو يرى حالته تسوء وتزداد سوءا من يوم الى آخر... شعبنا يطلب في الحد الأدنى مقومات العيش الكريم وهي تبدأ بتوفير الشغل لمن يطلبه وبالتحكم في الأسعار وردع المستكرشين مصاصي دمه وعرقه والتركيز على مقارعة الارهاب واجتثاث نبتته الخبيثة من هذه الارض الطيبة.
شعبنا يريد أن يسكت الساسة... وأن يوفروا له سبل الخروج من حياة البؤس والتعاسة!

كتبها عبد الحميد الرياحي
أولا وأخيرا:لا حســـــــــاب تحـت التوتــــــة
20 ماي 2018 السّاعة 21:00
بالأمس القريب في ذاك الزمن الجميل رغم الفقر والفاقة والحاجة يوم كانت السعادة تغمرنا لأبسط مكسب ولو كان ثمن...
المزيد >>
إشراقات 2:صورة أخرى
20 ماي 2018 السّاعة 21:00
اقرؤوا معي هذه الفقرة ثمّ سأذكر لكم من أين اخترتها لكم: «أمّا السكن فلم نتمتّع مع الأسف بالسكن الجامعي بل...
المزيد >>
حدث وحديث:«وقتاش اتجي كار الـعشرة ؟»
19 ماي 2018 السّاعة 21:00
على كامل مدى الأسبوع المنقضي ووسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي لا تكفّ تذكر حادثة القطار الياباني الذي...
المزيد >>
ردّ من المدرسة الخاصة على ولاية تونس
19 ماي 2018 السّاعة 21:00
..وبعد ما ورد من توضيحات من ولاية تونس حول الأسباب الحقيقية لعدم منح رخصة لفائدة مدرسة ابتدائية نفيدكم أن...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
خالد الحدّاد
سياسة التشكيك والمغالطات
يُنجز جزء كبير من الحراك السياسي في بلادنا بعيدا عن الشفافيّة المطلوبة وفي إطار صراعات الأهواء والمصالح وحروب التموقع التي لم تتخلّص منها الحياة الوطنية على الرغم من الخطوات...
المزيد >>